رواية الأحمر والأسود بين الحوار الداخلي والرمز

صباح هرمز الشاني
2021 / 4 / 17

(ستندال) هو الأسم المستعار لمؤلف رواية ( الأحمر والأسود). إن أسمه الحقيقي هو (هنري بيل) المولود عام 1783 في مدينة جرينوبل بفرنسا. وهذه هي الرواية الثانية التي كتبها العام 1830، وهو في السابعة والأربعين من عمره، وتأتي بعد روايته الأولى الموسومة (دير بارما)، حيث كانت حافزا للعديد من الروائيين الفرنسيين الكبار، لأن يقعوا تحت تأثيراتها، ويسيروا على خطاها، من خلال إتخاذ الأسلوب الواقعي الذي أتبعته نهجا لرواياتهم، أمثال : أميل زولا وبلزاك وغوستاف فلوبير.
وهي رواية ضخمة، تحتوي على جزئين، ويبلغ عدد صفحاتها (900) صفحة. يدور الجزء الأول حول دخول (جوليان) الى بيت العمدة (دي رينال)، معلما للغة اللاتينية لأبنائه، وخروجه عاشقا لزوجته. والجزء الثاني حول حياة جوليان كسكرتير لدى السيد (بيرار)، وإرتباطه بعلاقة مع أبنته (ماتيلدا) التي تؤدي الى حملها منه.
تتناول الرواية الأحداث التي شهدتها فرنسا عام 1830 من خلال تصديها لحياة بطلها (جوليان) الذي يعيش رحلة البحث عن ذاته للإرتقاء إجتماعيا داخل نسيج المجتمع الفرنسي الصارم، أثر إضطرابات الثورة الفرنسية وحكم نابليون بونابرت. وعلى الرغم من أنه لا يتعدى أن يكون أبنا لنجار، إلآ أنه يحلم أن يرتقي الى المستوى الذي أرتقى اليه نابليون: (ولم تمر ساعة في حياة جوليان إلآ ويفكر في أن بونابرت الضابط الفقير أصبح سيد العالم.). ولكن في الحقبة التي عاش جوليان فيها، لم يكن يكتسب المرء القوة والمكانة اللتين يسعى الى بلوغهما من خلال الجيش، وإنما عبر الكنيسة. ولما كان جوليان يرتعد من الحياة العسكرية منذ طفولته، فهذا يعني أنه في الوقت الذي فيه لا يبلغ ما بلغه نابليون، يوحي في الوقت نفسه الى أنه لا يبلغ مراده عن طريق الكنيسة أيضا، ذلك لأنه شخص ملحد، ولا يؤمن بالديانات.
يعمل جوليان معلما لأولاد العمدة للغة اللاتينية، لقاء أجر، ويتدرب في الوقت ذاته ليصير كاهنا. وكرس العمدة غرفة خاصة له، ضمن الدار الذي يقطنه مع زوجته وأولاده، وإن دلت هذه المميزات الممنوحة لجوليان على شيء، فإنما تدل على ثقته الكبيرة به، غير أن جوليان يضرب هذه الثقة عرض الحائط ويخون العمدة، فيقرر إغواء زوجته التي تكبره بعشر سنوات. كما أنها هي الأخرى تسعى الى الإنتقام من زوجها لأنه وبخ جوليان، ظنا منه بأنه قد تقاعس في تعليم أبنائه. وسرعان ما يستغل (فالينو) وهو العدو اللدود السياسي للعمدة، العلاقة القائمة بين جوليان والسيدة دي رينال، ليقوم بنشرها، واضعا العمدة في موقف حرج، غير أن زوجته تقنعه بأنها مجرد إشاعات ولا أساس لها من الصحة.
وتجنبا للفضيحة، يقوم شيلان وهو كاهن المدينة ومعلم جوليان، بإرساله الى دير ( زابنسن)، حيث يكتسب هناك ثقة (بيرار) مدير الدير ليجعله سكرتيرا له، كما يحثه ليصبح كاهنا مرموقا ومتميزا.
تقع (ماتيلدا أبنة بيرار في حب جوليان، ما يؤدي الى حملها. وعندما تخبر ماتيلدا والدها بما حصل لها مع جوليان، بالرغم من غضبه الشديد، إلآ انه يسعى تفاديا للفضيحة من جهة، وإقترانه بها من جهة ثانية، الى إيجاد وظيفة تضمن له مركزا إجتماعيا، وتتيح إطلاق اللقب الإرستقراطي عليه. غير أن وصول رسالة من السيدة دي رينال اليه، يحول دون تحقيق عملية الزواج. الأمر الذي يؤدي الى محاولة جوليان لقتل السيدة دي رينال، عبر إطلاق الرصاص عليها، وإصدار حكم الإعدام بحقه، بالرغم من عدم موتها.
تقوم حياكة هذه الرواية في بنائها الفني على الحوار الداخلي لسايكولوجية الشخصيات (المونولوج) من جانب، وعلى الرمز من جانب آخر، علاوة على تقنية الإيحاء. ولكن الكفة الراجحة في حياكة هذا البناء يميل الى الحوار الداخلي، إذ تفيض به الرواية حد الغلو.
ينحصر الرمز ضمن عنوان الرواية المتكون من كلمتين وهما (الأحمر) الرامز الى الدم والحب، والأسود الى القتل والموت. فالأول يقترن بلون الملابس العسكرية، والثاني بلون الملابس الدينية. وقد جاء توظيف الرمزين في مشهد زيارة جوليان لكنيسة مدينة (فيريير) عبر نوافذها المغطاة بقماش أحمر، والسلاح الذي يحمله. إذ يخيل له أثر إطلاعه على تفاصيل تنفيذ اللحظات الأخيرة (للويس جانريل) التي تمت في بيزانسون من خلال مشاهدته لقصاصة الورق على المنبر: (أنه يرى قطرات دماء، لكنها كانت قطرات الماء المبارك الذي يتم رشه بعد الصلاة، فكان إنعكاس لون الستائر الأحمر يعطيها هذا المظهر.). ليطرح هذا السؤال على نفسه: ترى هل سأكون جبانا بالنسبة الى السلاح؟
إن السارد في هذا المشهد، يلعب على لونين هما الأحمر والأسود، مانحا طابعا دمويا للكنيسة والجيش، وذلك من خلال إيمان جوليان بأن كلمة (سلاح) التي تتكرر كثيرا تحمل معنى البطولة، بالرغم من أنه يفتقر اليها، لإرتيابه في قدرته على حمل السلاح، في إشارة واضحة الى المخاطر الناجمة عنه. والأصح في إيماءة الى إستخدامه له في نهاية الرواية بشكل سيء. كما أن تشبيه نهاية أسم لويس جانريل بأسمه، يوحي الى أنه سينفذ به حكم الإعدام، مثلما نفذ بحق جانريل ليتساءل :( ترى من الذي وضع هذه الورقة هنا؟ يا له من مسكين! هكذا أضاف وهو يتنهد، إن نهاية أسمه مثل أسمي. . ثم فرك الورقة.).
بالإضافة الى إستخدام لعبة اللونين، فقد لجأ السارد الى إستخدام المثنى، ليس بالتعويل على السلم في وصول جوليان الى مخدع ماتيلدا وزوجة العمدة فحسب، وإنما الى ما يكسب السلم من معنى في مثنى أيضا، في الصعود اليه، والهبوط منه، موحيا الأول الى النجاح الذي حققه جوليان سواء كان في منزل العمدة أم في الدير، والثاني الى الفشل الذريع الذي أنتهى اليه.
يلوذ السارد الضمني الذي يخاطب المتلقي عن طريق ضمير الغائب (هو)، الى توظيف تقنيتي الإيحاء وسايكولوجية الشخصيات في صيغتين مختلفتين، تتضمن الصيغة الأولى بأن تأتي كل واحدة من هاتين التقنيتين على إنفراد، والصيغة الثانية أن تأتي كلا التقنيتين معا. ففي مطلع الرواية يلجأ الى دمج كلا الصيغتين معا، وذلك من خلال مشاهدة السيد دي رينال لوالد جوليان (سوريل)، مبتسما له، وقد تسببت هذه الإبتسامة في جعل هذا اليوم مشؤوما في نظر السيد العمدة، لأنه أعتقد منذ ذلك الحين انه كان من الممكن أن يحصل على المبادلة بمساومة أفضل.
لا شك أن التشاؤم هو نقيض للإبتسامة. فالعمدة متشائم، والنجار الفقير سوريل يبتسم. إن هذا النقيض يوحي الى غلبة الثاني على الأول، عبر عمل أبن النجار لدى العمدة معلما لأبنائه أولا، وثانيا لكسب ود زوجته.
يقينا ومن وجهة نظر العمدة، أن إبتسامة سوريل التي بعثت عنده التشاؤم، كانت سببا في منعه الحصول على مساحات أوسع من الأراضي، أو أي شيء آخر يدر بالفائدة له، ولكن وجهة النظر هذه قابلة للتأويل بالتعويل على سير مجريات أحداث الرواية، بأن هذه المساومة، تقترن في خسارة زوجته، لقاء تعليم جوليان لأبنائه اللغة، خسارتها لإنجذابها الى جوليان وربط علاقة معه، وتعليم أبنائه من قبل رجل ملحد، برداء ديني.
إن السارد لا يكسب المتلقي عصارة فعل شخصياته بسهولة، ما لم تمر هذه الشخصيات بمراحل أو خطوات عديدة، أي أن تنتقل من فعل الى آخر، وهكذا في مجموعة أفعال الى أن تنضج، حيث تبلغ الذروة، ليقدمها حينئذ على طبق من ذهب الى المتلقي. كما في إنجذاب جوليان الى السيدة دي رينال مثلا، وبالعكس إنجذابها هي اليه. إذ تبدأ الخطوة الأولى في الإشارة الى تحلي السيدة دي رينال بالخجل الشديد، هذا الخجل الذي يحرجها لوجود هذا الزائر الغريب بينها هي وأولادها. والخطوة الثانية بأرتياب السيدة دي رينال في أن يكون الزائر الغريب، لما يتمتع ببشرة ناصعة وعينين في غاية الوداعة، فتاة متخفية بزي الرجال، لذا فقد أشفقت عليه. أما الخطوة الثالثة، فتأتي من جانب جوليان كرد فعل لسماعه صوتها الرقيق، ما يؤدي به هذا الصوت لأن يرتجف. كما أن نظرتها الحانية، جعلته أن يغفل عن جزء من خجله. والخطوة الرابعة، في سخرية السيدة دي رينال من نفسها لأنها غير قادرة على تخيل مدى سعادتها وهي تخاطب ذاتها: (ما هذا؟ أهذا هو المعلم الذي كانت تتوقعه مثل رجل دين قذر وفي ملابس رديئة، ومن هو لكي يعنف ويضرب أبناؤها؟!). والخطوة الخامسة، في الفكرة الجريئة التي واتته، وقد يكون جبنا من جانبه بعدم تنفيذها، وهي فكرة تقبيل يدها: (دهشت السيدة لهذه الحركة، ولكنها بعد لحظات أنّبت نفسها، لقد بدا لها أنها لم تخجل بسرعة كافية.). علاوة على الحمرة الشديدة التي كانت تعلو وجنتيها كلما ألتقت به، والصمت الذي يعم بينهما كلما تواجد على إنفراد.
ولأن كان جوليان مكروها منذ صغره من قبل والده الذي كان يتعامل معه بقساوة، وموضع إحتقار الجميع في المنزل، فكان يكره والده وأخويه. ذلك لأنه كان ميالا الى مطالعة الكتب، وليس الى العمل اليدوي. ولعل تأثره بأفكار جان جاك روسو، وعظمة نابليون بونابرت، جعلتا منه شخصا معزولا، ولا يثق بنفسه والآخرين كثيرا. ولكن رغم ذلك فقد أحبوه أولاد السيدة دي رينال، أما هو فلم يكن يحبهم قط: (كان تفكيره بعيدا عنهم، فقد كان ذو طابع بارد. فقد كان لا يشعر إلآ بالحقد والإشمئزاز أزاء هذه الطبقة العالية.). ذلك أنه كان يراهن، أن العمدة يكسب حتى من الأموال المخصصة للاطفال اللقطاء. ولأنه كان يعتبر نفسه طفلا لقيطا أيضا، لذلك فقد كان يعتقد بأنه يكسب منه هو الآخر. وبلغ الحقد ذروته ليطال زوجة العمدة ووصيفتها وكل الأحاسيس الحانية، وهو يقول: (أه لو تم طردي!).
وجاء تجسيد هذا الحقد والإشمئزاز في أجمل لوحة، في كسب جوليان معركته مع العمدة، إقتداء بإنتصارات نابليون، متمثلة بإمتلاك يد زوجته في حضرته. في الوقت الذي كان فيه العمدة، يكيل شتى أنواع السباب والشتائم للفقراء، كان جوليان يمطر اليد التي أستسلمت له بالقبلات. هكذا بهذه الطريقة كان جوليان يحتقره: (ومن شدة تفكيره في إنتصارات نابليون، كان قد رآى شيئا جديدا في إنتصاره. نعم لقد كسبت معركة لكن ينبغي الإستفادة منها، يجب سحق كبرياء هذا الجنتلمان. هنا يكون نابليون بالتمام. .).
مثلما لم يكسب السارد المتلقي عصارة فعل شخصيتيه (جوليان، والسيدة دي رينال) بسهولة، في العلاقة القائمة بينهما، وأتبع طريقة خطوة أثر خطوة، كذلك فقد سار على النهج ذاته في علاقة حب القائمة بين جوليان وماتيلدا، أبنة مدير الدير. حيث تبدأ الخطوة الأولى من إجراء جوليان وجه المقارنة بين عيني زوجة العمدة، وعيني ماتيلدا، إذ بالرغم من عدم تشابهما، إلآ أن عيني ماتيلدا لامعتان. والخطوة الثانية في إيجاد ماتيلدا لجوليان، وقد أصبح شاحبا، فارعا أيضا، أو كما يقول السارد: (كما أنه فقد كل سمة من سمات شخص ريفي. فهو فعلا تطور واضح وجاد وواقعي. .). والخطوة الثالثة في إستقرار عينيها الجميلتين: ( حيث يبدو الضيق العميق واليأس من العثور على جوليان، على الأقل لم يكن مثل الآخرين.). والخطوة الرابعة في السؤال الذي يطرحه جوليان على نفسه وهو يقول: (هل أنا مغرور، أم أنها تشعر بميل نحوي. أنها تصغي إليّ بنوع من الوداعة.). وهكذا في قائمة طويلة من الجمل التي تدل على إنجذابهما لبعضهما البعض، كما في هذه الجمل أيضا: ( أنها جميلة سأحصل عليها. .). (هل هي تحبني؟). (لدي سعادة الحب. . أنا أحب. . لكنهم في النهاية يضايقونني.). علاوة على الجمل التي تأتي على لسان ماتيلدا الدالة على إنجذابها لجوليان عى سبيل المثال لا الحصر في الجمل التالية: (أنه الرجل المتميز ولإمثل ما شاهدناه. (أنه فقير لكنه تعلم لكي يصبح كاهنا، إنما بالنسة إليهم فهم قادة قوات ولا حاجة لهم للعلم. (إن والدي يحب جوليان. .). (ستتسلم خطابا مني هذا المساء.)، كان هذا الخطاب إعلان عن حبها له.
كذلك فقد عول السارد على شخصية العمدة، مثله مثل شخصيتي جوليان والسيدة دي رينال، أن يعبر عن مكنوناته عن طريق المونولوج الذي يكشف عن سايكولوجية الشخصيات، وتتضح هذه التقنية في جملتين أثنتين، وهما: (إن هذا الشاب الأبله صنع لنفسه شيئا من الشهرة وهو في منزلي، ومن الممكن أن يأخذه السيد فالينود عنده، أو من الأفضل أن يتزوج إليزا وفي كلتا الحالتين سيسخر مني من أعماقه.). وجملة: ( أنه لا بد وأن أمامه فرصة وعرضا أفضل، وأنه سوف يتركه.).
تنشطر الجملة الأولى الى جزئين. أي أن العمدة يهدف من خلالها الى معنيين، أو بعدين. البعد الأول هو صعود نجم جوليان على أكتافه، وهو بهذا، فالفضل يعود اليه، لذا فمن غير الممكن أن يسمح لألد أعدائه السياسيين، وهو فالينود أن يستفيد من الخبرات التي أكتسبها في منزله. ويرمي البعد الثاني الى إيثاره إقتران جوليان بأليزا التي هي وصيفة زوجة العمدة على عمل جوليان لدى فالينود. ولكنه في دخليته لا يتمنى تحقيق كلا الأمرين، ظنا منه أنهما في كلتا الحالتين، يعودان لصالح جوليان، بإعتبار أن فالينود سيدفع له مميزات أكثر منه.
أن شعور جوليان بأن السيدة دي رينال تناصره وتناهض في الوقت نفسه زوجها في توبيخ الأخير له، دفعه موقفها هذا لأن يواجه العمدة ندا لند، مذكرا إياه بالمستوى المتقدم الذي حصلوا أبنائه على تعليمهم، ليستنتج العمدة من اللهجة الغريبة التي أستخدمها جوليان، أنه لا بد أمامه فرصة وعرضا أفضل، وأنه سوف يتركه. وتخيل أنه يرى جوليان عند السيد فالينود، لذلك فقد أبدى إستعداده لتلبية طلباته، إبتداء من زيادة مرتبه الشهري، وإنتهاء بمنحه إجازة طوال اليوم.
لأهمية التحول الناجم في علاقتهما مع بعضهما البعض، أثر تحدي جوليان للعمدة، وتنازل العمدة لجوليان، يعمد السارد للكشف عن ردود أفعالهما أزاء ماتمخض من جديد الى التقنية التي بدأ روايته فيها، وهي الحوار الداخلي (المونولوج).
إذا كان العمدة يفكر في ضياع (168) فرنكا منه، وهو المبلغ الذي أضافه على راتب جوليان الشهري، وهو يقول: (ها هي مائة وثمانية وستون فرنكا قد تسبب لي فيها السيد فالينود، وأن جوليان سيجيب فالينود، بأنه لم يعده بشيء). فإن جوليان الذي حقق إنتصارين في يوم واحد، كان يتمنى أن يمتك قوة الصقر الذي لمحه ينطلق من الصخور مكونا حلقات واسعة فوق رأسه، وهو يقول: (وهكذا كان قدر نابليون. ترى هل سيكون ذلك مصيره ذات يوم؟
نفهم من المونولوج الأول بأن العمدة ليس بخيلا فحسب، وإنما يمتلك نزعة جعل الفقراء عبدا له. علاوة على أنه من وجهة نظر جوليان يعتبر: (ممثلا لكل الأثرياء وكل الوقحين في العالم.). بينما من الثاني، أن يعيش في العزلة، حرا وقويا كقوة نابليون وقوة طائر الصقر، ذلك لأنه بهاتين الوسيلتين فقط يستطيع أن يقضي على هذه الطبقة المتعجرفة: (وكان جوليان ينظر الى السماء وشمس شهر آب تسطع على الصخرة التي وقف عليها. . . وقد ألمح صقرا ينطلق من الصخور مكونا حلقات واسعة فوق رأسه، فأخذ يراقب هذا الطائر، وتأثر لحركاته القوية الهادئة، كان يشتهي الحصول على مثل هذه القوة، وكان يرغب في هذه العزلة.).
تتكرر عبارتي: (الخيانة الزوجية وتأنيب الضمير) في الرواية على لسان السيدة دي رينال أكثر من مرة. والعبارة الثانية إنعكاس لرد فعل العبارة الأولى. وهي لا تشعر بتأنيب الضمير لخيانتها الزوجية آلآ أثر إصابة أحد أبنائها بمرض. لذا فهي لكي: ( تطفيء لهيب غضب الله، عليها أن تكره جوليان، أو أن ترى أبنها يموت.). ولابد لها أن تختار أحد الأمرين. بالأحرى أنها تتصور، أن أبنها أصيب بالمرض، نتيجة إرتباطها بعلاقة غير شرعية مع جوليان، لذا عاقبها الله على فعلتها هذه.
قطعا ما من أم تفضل موت الأبن على عدم تخليها عن الشخص الذي تحب، لذا تطلب من جوليان أن يترك المنزل، وفي الوقت ذاته تقرر أن تصارح زوجها بالعلاقة التي تربطها بجوليان، غير أن الأخير يقنعها بعدم الإقدام على هذه الخطوة، لأنه سوف لن يسامحها ويطردها من المنزل. وبالرغم من أن أعداء العمدة أخبروه بطريقة ما عن هذه العلاقة، بيد أنه لم يعر لها أذنا صاغية، لأن زوجته أقنعته بأن لا صحة للإشاعات التي تسربت اليه، والأصح لأنه يتطلع الى المال، فقرر إعتبارها بريئة. ومن حسن حظها، أنه لم يفكر بالتجسس عليها.
والمفارقة هو أن السيدة دي رينال، بدلا من أن تتجنب جوليان، لإبعاد الشك عن زوجها، وإحتراما لشعورها بتأنيب الضمير، لمرض أبنها، جراء خيانتها الزوجية، تلجأ في الليلة نفسها الى غرفة جوليان في سعي منها لفتح باب غرفته، ولما يمنعها جوليان من الدخول عن طريق إطفاء ضوء المصباح، تبعث له في الصباح بيد الطاهية رسالة مفعمة باللوعة والعذاب والتضحية من أجله.
بغض النظر عن المشاعر الفياضة، ولغة العتاب واللوم السائدة في الخطاب، فإن الهدف الأساس من محتواه هو الكشف عن عمق إنجذاب السيدة لجوليان، لإيجاد المسوغ المقنعة للرسالة التي تبعثها السيدة الى ماتيلدا، قبل نهاية الرواية بقليل، للحيلولة دون زواجهما. وبعبارة أوضح، ثمة خيط رفيع يمتد بين الرسالتين، مؤداه أن حب ماتيلدا الخرافي لجوليان، زرع في أحشائها الغيرة عليه، بلغت حد تحديها للعالم كله من أجله: (أخبره أني أتحدى كل الأشرار.). فأنىّ مع الفتاة التي تسعى نيل أعز إنسان منها؟!
ومثل عبارتي الخيانة الزوجية وتأنيب الضمير يتكرر أسم (نابليون بونابرت) أكثر من مرة، ولو توخينا الدقة، فإنه يتكرر إحدى عشرة مرة. في المرة الأولى من خلال تفكير جوليان بأنه يحب إحدى سيدات باريس الجميلات، كما أحب نابليون (بوهارنيه) وكان فقيرا وقتئذ. وفي المرة الثانية وقوعه تحت تأثير بعض كلمات نابليون عن النساء والعديد من المناقشات عن الروايات الحديثة في عصره. وفي المرة الثالثة، في رؤيته شيئا جديدا في إنتصاراته للإستفادة منها. وفي الرابعة، عبر مخاطبته بهذه العبارة: (آه يا نابليون ! كم كان عهدك هادئا بالوصول الى الهدف عن طريق مخاطر معركة! لكن هل كان يضاعف في آلام البائس! ؟). وفي الخامسة، بتوجيهه اللعنة على نابليون، لأنه أباح الحكم لآل رينال وآل شيلان الذي جذب حكم آل فينود وآل ماسلون. وفي السادسة مبديا إعجابه بنابليون. وهكذا دواليك. .الخ.
تشرع تقنية الإيحاء في الرواية، إبتداء من الشكوك التي تراود (سوريل) عن سبب رغبة العمدة في تعليم جوليان لأبنائه، تحديدا من جملة: ( باحثا في هذه الأثناء عن إكتشاف السبب الذي يدفع هذا الرجل المحترم الى أخذ أبنه عنده. وجملة: (ومع ذلك هناك شيء ما في الأمر.).
وإن كانت كلا الجملتين توحيان الى أرتياب سوريل بوجود علاقة بين أبنه وزوجة العمدة، سيما الجملة الأخيرة، أو أن هذه العلاقة ستنشأ لاحقا، إلآ أنه في الجملة الأولى بعكس الثانية، يبدو سعيدا، في إشارة الى المبلغ الذي سيتقاضاه جراء تعليم جوليان لأبناء العمدة، بالرغم من عدم معرفته عن سبب أختياره، بالأحرى معرفته، ذلك ما تؤكده الجملة الثانية، وهو يقول لجوليان: من أين عرفت السيدة دي رينال ومتى تحدثت اليها؟. والغريب يرد عليه جوليان بشيء من الخبث، بأنه لم يرها قط. وكأنه هنا يقر إرتباطه بعلاقة معها، وذلك عبر رده الخبيث، مع أنه لم يكن قد ألتحق بالعمل الذي أنيط به في منزل العمدة.
وتوحي جملة: ( إذا كان زوجي سمع صوتا لكان في ذلك ضياعي)، الى ممارستهما للعملية الجنسية، بدليل أن زوجة العمدة حثت جوليان على الإنسحاب عندما رأت النهار بدأ يلوح.
أما تحطم الزهرية على يدي جوليان فتوحي الى إنفراط العلاقة القائمة بين جوليان وماتيلدا، بالرغم من أن ماتيلدا تبتهج لتحطمها، بعكس والدتها التي أطلقت صرخة، بينما مكث جوليان مرتبكا وهو يقول لماتيلدا: ( لقد تحطمت هذه الزهرية الى الأبد). وإن شئنا التأويل فإن الزهرية ترمز الى الحب الذي يجمع بينهما، ما معناه لقد تحطم حبهما الى الأبد. وهذا ما يحصل في نهاية الرواية.
كما أنه في الجملة التي يتصور، بأن يوما ما سيأتي، ويلوم نفسه، ولا يستطيع إحتمال إزدرائهم، توحي الى نهايته المأساوية. وجملة: (تحت سلطة نابليون كنت سأصبح رقيبا ، لكن بين أساقفة المستقبل سأكون وكيلا.)، توحي الى أنه في عهد نابليون كان سيرتقي في السلم الإجتماعي. أما في هذا العهد فقد ظل على حاله فقيرا.

13/4 /2021

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا