يائيّاتُ الشعرِ العربي ( الحلقة الأولى )

أيوب بن حكيم
2021 / 4 / 17

{ يَائِيَّاتُ الشِّعْرِ العربيِّ القديم: الحلقة الأولى}
* نفثة *
لهِجت جم الدراسات الحديثة في الشعر القديم بمعاودة البحث وتكرار المعالجة لمواضيعَ يتعابثُ لها الباحثون تعابثا ويسترزق بها المسترزقون على سهولتها ولين البحث فيها وضَعف النتائج مِن فيها. وظلت البحوث العميقة هاجعة في الأضابير هجوع الدبابير، وعليها سدين من كتان، أو ريش سمّان، تتألب عليها صروف الدهر وصنوف حدثانه، وتتقلب شوقا إلى الانعتاق من ربقة الاندراس.. فما وقع التجديد النقدي الذي طفق يعلو حينا من الدهر ... وما استطعنا لهذه الأضابير قربا، وما استطعنا لها نقبا ... فاستسهلنا المألوف وخشينا المظروف، ليّنا المعروف وخفنا العميق الملفوف..
ولا ندعي أننا في هذه السطور ادعاءَ من قصُر عقله وطال لسانه، أو من تعلق بأسباب النقص لينقضّ على من يعاصره بالنقض، إنما هي إشارات قد يتلقفها ذو بصيرةٍ وقّادة وعقلية نفاذة، فيبصر ما لم نبصره على عمى معرفتنا وقصور بحوثنا ...ليكون الهذيان كاملا والفضول شاملا على حد عبارة المعري في (رسالة الهناء).
*في الموضوع *
من أجملِ الشعر العربيِّ القديم وأقدرِه تأثيرًا قصائدُه المطلقة المردوفة الموصولة، لعللٍ تستحق مقالة كاملة صارمة.
أما إذا كانت هذه القصائدُ المردوفةُ الموصولةُ يائياتٍ مطلقةً بلين فإن الأمرَ جمالا يزداد.
فالياء الممدودة من الحروف الذُّلَلِ الرائعة، ومن هذه اليائيات الذلل وأشهرها :
يائية ( سُحيم عبد بني الحسحاس ) المصرعة التي مطلعها :
عُمَيرةَ ودعْ إن تجهّزتَ غاديا
كفى الشيبُ والإسلامُ للمرء ناهيا
التوثيق: ديوانه ص 5 تحقيق العلامة الميمني دار الكتب المصرية 1950
أما زمنها ففي عهد عمرَ بن الخطاب، وأما وزنها فعلى بحر الطويل.

ويائية ( مالك بن الريب ) غير المصرعة التي مطلعها:
ألاَ ليـت شِعري هــل أبيتــنّ لـيـلـة
بوادي الغضى أزجي القلاص النواجيا
التوثيق: ديوانه ص 92 تحقيق حسين نصار، [1957] البابي الحلبي ط1 القاهرة .
وهي على الطويل وزنًا.

والمفضلية العجيبة لـ(عبد يغوث ربيعة بن وقاص الحارثي) المصرعة التي مطلعها:
ألا لا تلوماني كفى اللومَ ما بيا
وما لكما في اللوم خيرٌ ولا ليا
وهي أيضا من الطويل.
التوثيق: المفضليات، المفضلية رقم 30 ص 155 ومابعدها تحقيق هارون وشاكر دار المعارف د.ت

أما اليائية الأحزن فهي لمجنون ليلى (قيس بن الملوح) المصرعة التي مطلعها:
تذكرت ليلى والسنين الخواليا
وأيام لا نخشى على اللهو ناهيا
( التوثيق من الذاكرة )
وهي أيضا على طويل البحور.

ولعل من أسباب نظم اليائيات الموصولة المردوفة على الطويل تماهي التفعيلة المقبوضة (مفاعلن) بوصفها معلولة مع القافية وسهولة هذا التماهي، مثلا: لياليا = مفاعلن المقبوضة.. وقس على هذا إمكانيات الاشتقاق على هذه الصيغة ( وحاليا - نهاريا - سمائيا، ردائيا، قوافيا...)
ملحوظة أخرى هامة: أن اليائيات تحيل على الأنا بياء المتكلم، تَباعا تحمل اليائيات تجربة شخصية فريدة ولعل هذا ما أجادت فيه هذه القصائد: التأثير

[ اليائيات والموت ]
اليائيات أعلاه لديها آصرة آسرة إزاء الموت والفناء. رغم أن السحيمية في الغزل، والقيسية في النسيب، بله الريبية التي في الموت أصلا.
فيائية سحيم قربته كثيرا من القتل، ويائية قيس يعلن فيها الانتحار في حال عدم وصاله بليلى:
خليلي إن ضنوا بليلى فقربا
النعش والأكفان واستغفرا ليا
وهذا ما سيحصل وسيموت كمدا بحسرته.. وحين نسمع هذه القصيدة بصوت فيروز
https://youtu.be/RvkkAyMAoXA
أو بصوت فالح القضاع
https://youtu.be/Brdnkc3rQmk
يزداد حزننا تلقيا.
أما يائسة/ يائية ابن الريب فقد نعى بها نفسه إذ أحس بالموت وقد فعل هذا شعراء غيره منهم أبو خراش الهذلي حين لدغته حية.
أما قصيدة عبد يغوث فهي استعداد مباشر للموت بعدما تم أسره وإعداده للقتل.
[ اليائيات الممدودة مفارقة صوتية ]
الياء بطبعها نحوا وصرفا وصوتا إنما هي أم الكسرة، بل هي تغلب جميع الحركات الأخرى إذا اشتغلت الهمزة المتوسطة أو المحل الإعرابي لمناسبتها حيث الإعراب التقديري (مما يعرفه) طلاب علم النحو. وهذا كله لأجل تسهيل النطق (مما يعرفه) طلاب فلسفة النحو وأشار إلى هذا جني النحو ابن جني.
الجميل أن الياء في قصائدنا أعلاه مفتوحة وهي بطبيعتها كسرية الهوى. فيحدِثُ هذا مفارقة هي نفسها مفارقات الحياة والموت
"لقد أفسد الموتُ الحياةَ" على حد تعبير (كعب بن سعد الغنوي)
... يتبع ..

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا