لماذا لا أومن بالسحر (2) أصل السحر ونشأته من القرآن

بلحسن سيد علي
2021 / 4 / 16

إن أصل السحر في القرآن لم يأتي مفصلا تفصيلا وإنما قد جاء مشارا إليه بقصة سيدنا سليمان وهي مقرونة به، من خلالها يمكننا أن نفهم النسق القرآني لتاريخ السحر، وأن نستنتج أشياء جد مهمة يمكننا إضافتها لبحثنا الذي بدأناه في المقالة السابقة، وليكن في علمك عزيزي القارئ أن الآية 102 من سورة البقرة والتي تروي لنا هذه الواقعة التاريخية وقصة سيدنا سليمان مع السحر والسحرة، قد وضعت الروايات والقصص في تفسيرها، وحفت بالخرافات والأساطير والتي بعضها متسرب من الإسرائيليات كما سبق وأشرنا، بل وحتى ألفاظها قد اختلف في تفسيرها مما جعلها شديدة الغموض بالنسبة لنا، ولولا بحثنا التاريخي ومعيارنا العقلي الذي سنستعملهما في غربلة هذه الآراء والتفسيرات، لكانت الحقيقة مخفية وأبعد من أن يكشف الحجاب عنها، ولهذا فلتعلم عزيزي أن ما يقال لك عن تفسير هذه الآية، وما ألفت أن تسمعه ولقنت إياه هو إخفاء للحقيقة ودجل باطل باسم الدين، لأن كل ما تعرفه ويقال هنا وهناك هو جزء يسير من الآراء والاجتهادات، ولكن الدجالون لا يبوحون إلا بما ينفعهم ويخدم مصالحهم ومصالح كبرائهم، ولا مكان للحقيقة عندهم ولا لحق الاختلاف في الفهم أو التفسير، ولهذا آثرنا أن نجمع كل ما قيل في تفسير هذه الآية وقد اعتمدنا في بحثنا على أكثر من خمسين تفسيرا من مختلف طوائف المسلمين، ولم ندع لا سنة ولا شيعة أو معتزلة أو إباضية إلا ونظرنا في ما عندهم حتى جمعنا لك هذه العصارة، ولو شئنا أن نورد لك ما وقعنا عليه من مادة علمية لملئنا مئات الصفحات، لهذا أرجوا أن تتأن بنا ولا تستعجل في قراءتك لما هو آت، ففي نهاية المطاف ستتعلم ولو شيئا يسيرا عن كيفية النظر في القرآن واستخلاص المفاهيم والأفكار منه وما هذا بأمر هين يفرط فيه..
يقول تعالى في الآية 102 من سورة البقرة: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
إن قصة سيدنا سليمان عليه السلام والسحرة التي نذهب إلى تأيدها والتي تتناسب مع هذه الآية حسب رأينا، هو أن السحر كان منتشرا بشدة في زمن سيدنا سليمان وحتى قبله أيضا، لأن الله سبحانه وتعالى قد ذكر بأن قوم سيدنا نوح قد اتهموه بأنه ساحر، وكيف لهم أن يقولوا ذلك والسحر غير موجود في زمانهم، كما أنه كان موجودا في زمن فرعون وكان ذلك من قبل زمن سليمان عليه السلام، وبما أن تلك الممارسات السحرية كربت الناس وآذتهم كثيرا أمر سيدنا سلمان بجمع كل ما دون عنه وكل ما خطه السحرة واحتفظ به تحت كرسيه، وقد قال البعض أن سبب ذلك هو إمكانية الاستفادة منها واستعمالها في إبطال السحر المنتشر، لكن بعد وفاة سيدنا سليمان عليه السلام قامت جماعة من الناس بإخراج تلك الكتابات وعمدت إلى نشرها فعاد انتشار السحر لسابق عهده، ثم استغل هذه الفرصة السحرة وأشاعوا بأن سيدنا سليمان لم يكن نبيا وإنما مكن له ما مكن من خلال استعماله للسحر، وما هذه الكتب إلا دليلا على ذلك، فقامت مجموعة من بني إسرائيل بتبني تلك الأكذوبة مستغلة إياها لتغطية ممارستها الاستهتارية للسحر، وكما رأينا من قبل في رؤيتنا التاريخية فأنهم زاوجوا حتى بين كتابهم المقدس وبين الممارسات السحرية، فلم يكن صعبا عليهم أن يروجوا لهذه الفرية عن نبي الله سليمان، ولكن عندما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ونزل عليه القرآن صادحا واضحا مؤيدا لنبوة سيدنا سليمان، قال بعض أحبارهم إن محمد يكذب ويدعي بأن سليمان كان نبيا وما كان إلا ساحرا، فجاءت هذه الآية ترد عليهم وتكذبهم وتكشف الكذبة الأولى وتنفي التهمة الملفقة على سيدنا سليمان، فجاء مطلع الآية: "واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان" والضمير في "اتبعوا" قد يعود إلى المعاصرين للنبي سليمان والذين افتروا تلك الفرية، أو للمعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تبنوا تلك الكذبة وأرادوا أن يكذبوا بها نبوة سيدنا محمد أيضا، أو لكلا الفريقين لأنهم قد اجتمعوا في كذبهم وافترائهم، والمقصود بكلمة "شياطين" قد يكون من طغاة البشر أو من الجن أو كليهما، لأن مهمة الشياطين هي الوسوسة وتزين الباطل والأكاذيب وقد يستوي في هذا الفعل الإنس مع الشياطين، ثم تنفي الآية الكفر عن سيدنا سليمان "وما كفر سليمان" وتلصقه بالشياطين وتلصق بهم أيضا تهمة السحر فتقول: "ولكن الشياطين كفروا يعلمون السحر" وهنا قد يتضح من ظاهر الآية أن الشياطين هم المصدر الأول للسحر كما أراد البعض أن يثبته بسذاجتهم، وكيف يكون ذلك وقد بينا أن ما من نبي قد بعث إلا واتهموه بأنه ساحر مشعوذ ويعود ذلك حتى عصر سينا نوح، فكيف للشياطين في عصر سليمان أن تكون هي مصدر السحر، إن التعليم شيء والمصدر الأول شيء آخر، فما الذي ينفي أن يكون مصدر السحر هو البشر وبما أنه باطل فإن الشياطين تزينه للناس وتعلمهم إياه وتغويهم وتضللهم به، وهذا الذي يقبله العقل والآيات.
ثم يقول تعالى: "وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت" إن قصة هاروت وماروت أيضا لم تخلوا من الدجل والخرافات، فقالوا فيهم بأنهم أصل السحر وبأنهما اللذان علما الناس السحر، لكن الذي نراه حقا هو أنهما إن كانا يعلمان الناس السحر إلا لتبين زيفه وبطلانه، وهناك من قرء الملكين بالكسر وقال هما ملكين من ملوك بابل في ذلك الزمان، وكلمة أنزل تحتمل معنى القذف في قلبيهما، وحتى لو كانا ملكان من السماء فإنهما كانا يعلمان الناس الخير والعقيدة الصحيحة في السحر وهم في ذلك مضطرين لتبيان أصوله الفاسدة ومدعياته الباطلة، لهذا كانوا يقرنون تعليمهم بقولهم: إنما نحن فتنة فلا تكفر، تقول الآية: "وما يعلمان من أحد حتى يقولان إنما نحن فتنة فلا تكفر" أي لا تكفر بحقيقة السحر التي نعلمك إياها وهي أنه باطل وكفر وشرك بالله، ودائما ما تكون معرفة الحقيقة فتنة تماما كقوله تعالى عن المؤمنين حين قالوا " ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا "، ثم تقول الآية " ويتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه" وهنا دجل آخر وهو أنهم جعلوا التفرقة بين الزوجين مقرونة بالسحر تابعة له، لكن الحقيقة أن فاعل السحر مما تقدم في قوله "يعلمون الناس السحر"هو جمع، أما الفاعل هنا في التفرقة بين الزوجين هو مثنى لأنه قال تعالى: "يتعلمون منهما" وليس منهم، أي أن الناس قد تعلمت السحر من وسوسة الشياطين، أما مسألة التفرقة بين الزوجين فهي مسألة خاصة بالملكين ولا علاقة لها بالسحر، وهذا معناه أن الآية الكريمة تتحدث عن قضيتن مختلفتين وواو العطف تقتضي ذلك، قضية السحر التي جاء الفاعل فيها بصيغة الجمع حيث واو الجماعة تعود فيه على الشياطين، بينما قضية التفريق بين الزوجين جاء الفاعل فيها بصيغة المثنى "يتعلمون منهما"، وما كانت هذه التفرقة من السحر وإنما هي النميمة والكذب والسعي بالكلام المفترى بين الزوجين، ثم تقول الآية "وما هم بضارين به من احد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم" وهذا الجزء من الآية معطوف على التفرقة وليس على السحر، لأن السحر لا يضر كما سيأتي تبيانه فيما هو قادم من بقية المقالات.
ثم أن هناك تفسير آخر للآية قد يكون قريبا جدا لما ذهبنا إليه وهو تفسير أبي مسلم والذي ساقه الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب، فقد أنكر أن يكون السحر قد أنزل على الملكين فقال:كما أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرأ عنه، فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر مع أن المنزل عليهم كان مبرأ من السحر، وذلك أن المنزل عليهما كان هو الشرع والدين والدعاء إلى الخير، وإنما كان يعلمان الناس ذلك مع قولهما (إنما نحن فتنة فلا تكفر) توكيدا لبعثهم على القبول والتمسك، وكانت طائفة تتمسك وأخرى تخالف وتعدل عن ذلك ويتعلمون منهما أي من الفتنة والكفر مقدار ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وأي كان التفسير الصحيح لهذه الآية فإن الأمر المهم الذي وصلنا إليه هو أنه ليس للسحر مصدر صريح من هذه الآية الكريمة، فلا الشياطين هي التي دونت السحر كما أراد البعض أن يروج له، ولا المالكين هاروت وماروت، ثم أن عمل الشياطين هو تعليم الناس ما انتجه البشر من السحر الباطل والزائف وتزينه لهم وإغرائهم به، وكان الملكين يقومان بصدهم فيعلمون ما هو ضد السحر من العقيدة الصحيحة وحقيقة بطلان السحر، فنسب إليهم السحر أيضا كما نسب لسيدنا سليمان، أما ما قيل عن هذه الآيات من خرافات ودجل وجعل مصدر السحر الشياطين أو الملكين، وما لفق أيضا عن التفرقة بين الزوجين وجعله من السحر سنتكلم عنه لاحقا حين نرد على هذه المزاعم بشيء من التفصيل.
خلاصة القول من مقالتنا هاته هو أن مصدر السحر قرآنيا يتوافق مع ما سقناه عليك في المقالة السابقة وأصل السحر تاريخيا، وهذا معناه أن ما ذكرناه بأن السحر ليس بعمل شيطاني بالرغم من تاريخه الغامض، وهو قابل للفهم والدراسة لأنه من إنتاج وعي البشر، وما كان لشيء أنتجه الوعي البشري أن يبقى مخفيا غامضا غير قابل للفهم أو الإدراك، ولهذا سنكمل دراستنا له في المقالات القادمة فلتنتظرها.

حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن