بناء الاتحاد الطلابي إوطم مهمة نضالية وليست صفقة حزبية..

مصطفى بنصالح
2021 / 4 / 16

والمداخلة هي بمثابة رد وتعقيب على إحدى المقالات الصادرة بجريدة "النهج الديمقراطي" كـُتبت بقلم الرفيق "سعد مرتاح" بصفته على ما يبدو عضوا بشبيبة الحزب، تحت عنوان "الدخول الجامعي 2020/2021.. إمّا معركة وطنية كمدخل لبناء النقابة وإمّا اندثار الحركة"، حاول من خلالها الرفيق، وعبرها، ربط الأزمة التعليمية بالجامعة في المغرب، بالأوضاع التنظيمية التي يعيشها اتحاد الطلبة إوطم العاجز لسنوات عن بناء ذاته وفرز هياكله التنظيمية والتمثيلية بالشكل الذي يمكـّنه من اقتحام ساحة الصراع وقيادة المعارك النضالية دفاعا عن الحق في التعليم الجامعي وإسهاما في تشكيل الجامعة الوطنية الديمقراطية والشعبية كأفق. هذا الربط الذي يمكن اعتباره بمثابة ذلك الحق الذي أريد به الباطل، الشيء الذي سنعمل على شرحه وتوضيحه من خلال هذه المقالة المتواضعة.
فمقالة الرفيق "سعد" مؤطرة من ألفها إلى يائها بالتصور السياسي للحزب الذي ينتمي إليه الرفيق وهو حزب "النهج الديمقراطي"، تصور نحترمه ونقدّره في إطار حرية التعبير والقبول بالتنوع والاختلاف والحوار وسط الحركة التقدمية والديمقراطية.. لكن القبول لا يعني في نظرنا الصمت والخنوع أو التغاضي عن بعض القرارات التصفوية والتخريبية التي جاءت على لسان "الرفيق" محاولا تمريرها من تحت الطاولة.
فالصراع في نظرنا داخل الحركة الطلابية قائم وموجود بوجود الصراع الطبقي على اعتبار أن الجامعة ليست بالجزيرة المنعزلة عن المجتمع المغربي، لأن بها طلاب ينحدرون من جميع فئات وطبقات المجتمع، بشكل يعكس تقريبا تلك الهرمية المؤطرة لطبقات وفئات المجتمع المغربي، بكل ما تحتويه من تناقضات وتضارب بين المصالح الخاصة بفئاته وطبقاته المختلفة، وهذا معروف ومفروغ منه في وعي جميع التقدميين المغاربة.. وبالتالي فأي معالجة لأزمة الحركة الطلابية بعيدة عن هذا المنطلق لن تفيد الحركة في شيء سواء في اللحظة الحالية، أو في المستقبل القريب أو البعيد، سيان، فالبكاء والعويل على حال الحركة الطلابية والمنظمة إوطم، لم يكن يوما من شيم المناضلين التقدميين.. فليست هذه بالوسيلة الناجحة لاستدراج الطلبة للقبول بهكذا حلول ومخارج للأزمة.. فما كانت الأزمة لتبسـّط بهذا الشـّكل الأحْول بصيغة "إمّا.. وإمّا.."!
فمن يعتقد بأن بجعبته الحلول السحرية لحل أزمة الحركة الطلابية وأزمة العمل الثوري بالمغرب في علاقتها ببناء الأداة السياسية وحزب الطبقة العاملة المستقل وأزمة حركة التحرر المغربية..الخ سيندثر هو وليس الحركة.. فالحركة دائمة ولا تندثر أبدا أيها الماركسي المزيف، فعلى خلفية مثل هذه التصريحات وجب مراجعة موقعك أيها "الرفيق" وسط أنصار الفكر المادي الديالكتيكي الذي يؤمن أشد الإيمان بأزلية الحركة وبقانون التطور والتحول من الكم إلى الكيف وصراع التناقضات والصراع الطبقي كمحرّك للتاريخ..الخ
فعبر مثل هذه الأساليب الملتوية وهذه الخطابات التبريرية المبطـّنة هي التي تريد للأزمة بأن تستمر بهذه الحدّة، وبأن يتم استنزاف طاقة الحركة الطلابية في نقاشات حولاء جدا وثانوية جدا، لا تأثير ملموس لها على أحوال الطلبة وعلى شروطهم الدراسية المحتاجة حقيقة للبرنامج النضالي ولوحدة الحركة الطلابية ولاتحاد الطلبة إوطم المُهيكل هيكلة قاعدية صلبة جماهيرية ديمقراطية وتقدمية.. اتحاد قادر على خوض المعارك وعلى الدفاع عن المكتسبات والحقوق الطلابية المادية والمعنوية.. إذ لن ينفع الإطناب في الكلام عن المخططات وعن التغول الخطير لأجهزة القمع داخل الجامعة وخارجها وكأنه اكتشاف غير مسبوق.! والحال أن الغرض من هذا التهويل كله هو حجب حقيقة الخلاصات الانتهازية والتصفوية التي يبشّر بها حزب "النهج الديمقراطي" وشبيبته وفصيله الطلابي..الخ
فأوضاع الحركة الطلابية التقدمية لا تناقش بهذه الطريقة وبهذا الشكل، ولا تسمح من حيث المبدأ، باستغلال أوضاعها المتردية لتصفية الحسابات الضيقة، ولفتح الأبواب على مصراعيها للقوى الظلامية والتطبيع مع مكوناتها في إطار اتحاد هجين بدون مبادئ وبدون قيم وبدون تاريخ وبدون أفق..الخ
فأوضاع الحركة الطلابية تتطلب المزيد من الحزم والمبدئية والبناء الصلب والمبدئي البعيد عن العشوائيات وانتهاز الفرص بأي طريقة كانت. فضعف الحركة لا يعني غيابها أو اندثارها كما ادعى ذلك صاحبنا "سعد"، لأن الموضوعية تفترض أن الحركة الطلابية قائمة وموجودة وفاعلة، ولا أدل عن ذلك المعارك التي تخوضها والتضحيات التي تخلفها، عشرات المناضلين والمناضلات وراء القضبان ومئات المتابعين والفارين من شبح الاعتقال والمحاكمة والسجن.. إذ هناك فرق كبير وشاسع بين النقد الرفاقي البناء وبين تقديرات "إمّا.. وإمّا.." الذاتية التي لا ترى صوابا سوى في رأيها الحزبي الضيق. فالحركة الطلابية مثلها مثل جميع الحركات لا يمكن بتاتا أن تندثر، إذ يمكن أن تتراجع أدوارها أو تضعف حدّتها في الصراع، أو تتقلص قاعدتها، أو تغيّر من شكلها والتزاماتها.. الخ لكنها تبقى موجودة دوما وأبدا.
من هذا المنطلق لا يمكن بأي شكل من الأشكال تبخيس العديد من النضالات الطلابية التي تخوضها الجماهير بمختلف المواقع الجامعية فقط لأن لا يد لنا فيها، سواء من قريب أومن بعيد. فمن لا يقدّر عطاءات العديد من الفصائل الطلابية التقدمية التي قاومت وما زالت، حالة التردي والتراجعات المهولة عن المكتسبات الطلابية، وبأن يصفها بالعشوائية فتلك حقارة وتجني مقيت لا يرقى لمستوى النقد الهادف.. فمثل هذا الصراخ الجبان لا يصدر عادة سوى عن الفصائل العدوانية التي لا تهمها الوحدة والتوحيد وانبعاث الإطار القوي والمنظم..الخ ما يهمها فعلا هو اختراع اتحاد عشوائي جديد بدون هوية وبدون مبادئ يضرب عرض الحائط تاريخ الاتحاد بمبادئه وإنجازاته وتضحياته والتزاماته، معبد الطريق للاحتواء والتسلط والإقصاء والبيروقراطية.. إذ لا يختلف مناضلان اثنان عن صعوبة المرحلة التي تعيشها الحركة الطلابية، والتي تحتاج لبعث الروح الوحدوية في الصفوف الطلابية التقدمية تطويرا لخلاصات ندوة مراكش التاريخية. فالحركة الطلابية حركة مناضلة تتمتع بالحيوية والعطاء والتضحية، ولا يمكن أن تنشد وحدتها وأن تصوغ برنامجها النضالي الموحد دون الاعتراف والإيمان بتنوعها وبتناقضاتها الداخلية داخل الصف التقدمي نفسه.
ونعتقد بلا شك أن هذا شكل من أشكال المفاهيم الخاطئة التي تساق عادة عن جهل بقصد معالجة أمور ومشاكل الحركة الطلابية واتحادها التقدمي إوطم.. فمثلا أن يتمادى الرفيق في اعتبار الاتحاد الطلابي إوطم نقابة طلابية، فذلك اجتهاد منه بما هو تمييع وخلط للأوراق والمفاهيم.. فهو عكس وجهة نظرنا التي تعتبر أن الاتحاد منظمة طلابية تستند على مبادئ أربعة ثابتة هي التقدمية والديمقراطية والجماهيرية والاستقلالية بالإضافة لقانونها الأساسي الذي يسمح لعموم الطلاب بالانخراط في صفوفها وبتحمل المسؤولية في أجهزتها على أساس هذه المبادئ نفسها، سواء الطلبة المغاربة أو الطلبة الأجانب العرب والأفارقة وغيرهم ممن يدرسون بالجامعة المغربية.
وحين نقول ونقـّر بأن الاتحاد عبارة عن منظمة طلابية وليست بالنقابة التي يروّج لها البعض، فلأنها تعمل على تأطير وتنظيم حركة اجتماعية فئوية لا وضع لها في عملية الإنتاج والصراع على فائض القيمة بل هي فئة تعيش من هذا الفائض وتستفيد منه. فإضرابات الطلاب إضرابات سياسية في جوهرها تخوضها الجماهير الطلابية ضد الدولة مباشرة بحيث لا يتأخر النظام دقيقة واحدة لإرسال قواته القمعية قصد إخمادها وكتم أنفاسها. فبالإضافة لصراعها الدائم حول حقل التعليم والنضال من أجل إصلاحه وتجويده.. فالحركة تفضح وتشهّـِر بالسياسة الطبقية للدولة وبارتباطها الوثيق بالمصالح الإمبريالية عبر صناديق المال والقروض ومختلف الشركات الاحتكارية العابرة للقارات..الخ فلا تتوانى بالتالي عن عرقلة هاته السياسات وعن تعبئة الجماهير الشعبية وتحريضها لأجل الدفاع عن المدرسة العمومية وعن مجانية التعليم والتطبيب، ولأجل مناهضة الغلاء والزيادة في الأسعار..الخ
فلم تتأخر المنظمة قط عن مناصرة جميع القضايا العادلة، تشارك في الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية وتساهم في جميع المسيرات المناصرة لنضالات الطبقة العاملة ولنضالات سائر الموظفين الصغار، ولا تتأخر كذلك عن مساندة المرأة المقهورة في نضالها من أجل انعتاقها وتحررها.. وهي الحركة التي كانت سبّاقة لاعتبار القضية الفلسطينية قضيتها الوطنية الأولى منخرطة في المساندة الفعلية لجميع نضالات الشعوب التواقة للحرية والتقدم والديمقراطية.
ولمزيد من التوضيح ورفع اللبس عن هذا الإشكال المرتبط بالنقابة كمؤسسة عمالية أسستها الطبقة العاملة بعد فترة من تغلغل الرأسمالية في حياة العديد من المجتمعات حيث كان الهدف من تشييدها والانتظام في صفوفها هو الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة والنضال من أجل تغيير أوضاعها ومستقبل أبنائها، حيث كان لا بد من خوضها لإضرابات تمتنع من خلالها عن العمل والإنتاج للذود عن حقوقها ولصيانة مكتسباتها، وهو الشيء الذي كان يخلف خسائر مادية مهولة لأرباب المعامل البرجوازيين، ليجبرهم لا محالة على الحوار والقبول بمطالب العمال والعاملات.. وبسبب من الحماسة الزائدة في صفوف بعض الشعبويين المتمركسين الذين أجهدوا النفس لأجل إلباس جميع الاتحادات المهنية عباءة النقابة بما فيها اتحاد الطلبة إوطم.. فكانت النتيجة أن جميع هذه الاتحادات أصبحت نقابات، نقابة الموظفين ونقابة الأساتذة والمعلمين، ونقابة التجار، ونقابة الفلاحين، ونقابة أرباب المقاهي والمطاعم، ونقابة أرباب الشاحنات ونقابة الباطرونا وأرباب العمل..الخ
فالمنظمة الطلابية أوطم كان من واجبها، وما زال، تأطير النضال الطلابي وخوض الصراع من أجل مصالح الطلبة المادية والمعنوية، وتطالب من أجل ذلك بالحوار مع إدارات الكليات والمعاهد والأحياء الجامعية لحسم هاته المطالب لمصلحتها دون أن توهم الجماهير الطلابية بأن معركتها معركة نقابية وبأن إضرابها سيوقف الإنتاج وسيخلف الخسائر المادية للبرجوازيين ويهددهم بالتالي بالإفلاس..! فنضالات الطلبة في جوهرها نضالات سياسية تستهدف بدرجة أولى تعديل الميزانيات المخصصة للجامعة، وهي ميزانيات شحيحة لا تساهم في النهوض بالبحث العلمي ولا تساعد الخريجين على الظفر بمناصب الشغل التي من شأنها مساعدتهم على الاندماج المجتمعي والحماية من البطالة، حيث لا دخل مباشر فيها للموظفين الجامعيين المشرفين على إدارة الحوار.
فالمنظمة الطلابية إوطم ملزمة ومسؤولة على تدبير مصالح الطلبة المادية والمعنوية في نفس الوقت، وتعمل كذلك على الرفع من الوعي السياسي الديمقراطي في صفوف الجماهير الطلابية.. وإذا حصل وأن أغفلت هذه الجوانب المادية تحت دعاوي أنها خبزية وفقط، فسيبعد عنها الطلاب وستتقلص قاعدتها لا محالة جرّاء هذا الإهمال الذي ما زالت الحركة الطلابية تعاني منه منذ أواسط ثمانينيات القرن الماضي إلى الآن. فهذه المزاوجة الضرورية بين النضال من أجل المطالب المادية والنضال من أجل المطالب المعنوية ظلت حاضرة بقوة في تصور الطلبة القاعديين وفي برامجهم، وبرامج أغلبية الفصائل الطلابية المناضلة، إلى أن تغيرت المعطيات وساد الانحراف عن خط المنظمة ومبادئها، ويتم بالتالي تشويه طبيعتها وهويتها، بعد أن حوّلها البعض من اتحاد جماهيري يتسع لجميع الطلبة ولكل الفصائل والفعاليات الديمقراطية والتقدمية، إلى بوق سياسي يعبّر عن آراء وأفكار إحدى التيارات الطلابية.. المهيمنة على الساحة، والتي لا تسمح بالاختلاف والتعدد والحوار والصراع الديمقراطي والعمل الوحدوي، بحيث ظل هذا التيار مستفردا بالساحة وبجميع أشكال النضال الطلابي عن طريق العنف والتهديد وإرهاب الخصوم، متماديا في تسلطه وبيروقراطيته، إلى أن تفتقت عبقريته وبلغت نرجسيته مداها الأقصى، مدّعيا أن برنامجه ولا غير، هو برنامج الاتحاد والحركة الطلابية.. وانتهت الحكاية وبطـُل الاجتهاد والاختلاف والصراع الديمقراطي بهكذا صيحات وقرارات تشبه إلى حدّ بعيد قرارات القدّافي في عزّ سطوته!
فالمنظمة الطلابية إوطم كانت ولا تزال مفتوحة في وجه جميع الطلبة.. تحكمها مبادئ وقوانين لإدارتها ولتحمل المسؤولية من داخل هياكلها المنتخبة دون هيمنة ودون تسلط أو بيروقراطية.. واستنادا على هذا التصور وهذه القراءة الموضوعية للأوضاع وللفاعلين داخل الساحة الطلابية، والتي لا تجامل أحدا ولا تعادي آخر من مختلف المكونات الديمقراطية والتقدمية مهما تعددت الخلافات ومهما بلغ حجمها في اللحظة التاريخية التي نعيشها الآن، فيجب تغيير هذه المعطيات لصالح الاتحاد وجماهير الاتحاد عبر خارطة طريق لن تزيغ عن الهدف، يعززها ويقويها العمل الوحدوي المناضل والحوار الديمقراطي والتمثيلية النسبية لجميع الآراء والاقتراحات.. فالوضع الحالي المتردي لا يخيف ولا يمكن أن يدفع لليأس والإحباط على اعتبار أن جميع المكونات والفصائل والمجموعات تدافع بقوة وحماسة مبدئية عن مجانية التعليم، وتناضل من أجل إصلاحه وتحسين جودته.. جميع الأصوات كذلك تناضل من أجل جامعة ديمقراطية تفسح المجال للدراسة والبحث العلمي تُهيكل عبر الانتخابات الديمقراطية، تسودها الحرية وتسمح بالنقاش والتناظر بعيدا عن المنع والقمع والتهديد والمتابعة والاعتقال..الخ
فعلى عكس ما أتى به "الرفيق" والذي حوّل البعض من هذه المعطيات إلى مبرر للارتماء في أحضان الاتجاهات الرجعية والظلامية المعادية للاتحاد ولتاريخ وتضحيات الاتحاد.. فمهما كان الخلاف، وهو فعلا قائم وثابت بين الفصائل الطلابية الناشطة في الساحة، فذلك لا يعني اتخاد موقع المتفرجين والمعلـّقين عن الأحداث الجارية بساحات الجامعة لتقديم أحكام قيمة عن النضالات التي تخوضها الجماهير الطلابية بشكل مشروع.. فهي ليست بتاتا بالعشوائية كما زعمت، بل هي منظمة وإن كانت بطرق سيئة وغير وحدوية، نضالات يراهن قادتها على الدعاية والاستقطاب السياسي أكثر مما يراهنون على معالجة الأوضاع الطلابية والجامعية للأحسن.
فالخلل الذي أصاب جسم الحركة الطلابية ومنظمتها إوطم ابتدئ وتفشـّى منذ ثمانينات القرن الماضي، أي مباشرة بعد فشل المؤتمر الوطني السابع عشر والانسحاب التدريجي للفصائل الطلابية البيروقراطية من الساحة، واكتفائها بالاشتغال والتأطير والاستقطاب من داخل مقراتها الحزبية وعبر ملتقياتها الوطنية والدولية..الخ فظاهرة الاستفراد والتسلط هي من نتائج هذا الفشل وهذا الانسحاب، وليس الفراغ كما تقدمت بوصفه.
فردّات الفعل الأحادية هي في العمق مبادرات نضالية تحسب لهذا الفصيل المعني بالنقد، مثلها مثل مبادراته "الأحادية" التي صدّ بها هجومات وعجرفة القوى الظلامية منذ تسعينيات القرن الماضي إلى الآن.. إذ كان حريا بالقوى المناضلة جميعها أن تترك خلافاتها مع هذا الفصيل جانبا لتعلن انخراطها بكل حماسة في معمعان هذه النضالات دون حسابات ضيقة، ما دامت هذه النضالات مشروعة ومعبرة عن مصالح الطلبة وطموحاتهم. فالالتفاف والدعم والإشعاع واجب نضالي يرتبط بشرعية ومشروعية القضايا والمطالب التي ترفعها الجماهير، ولا دخل فيه لأصحاب المبادرة وأصحاب ردة الفعل الأحادية، وهكذا تقاس في نظرنا وتفهم الأمور في أوساط "القوى المناضلة" والمبدئية.
فحقيقة الوضع أن هذه "القوى المناضلة" ملتزمة بمقراتها، ووجودها بالساحة الطلابية ضعيف لأقصى حد، بحيث لا قدرة لها على فرز تلك "القيادة المتجانسة" المنشودة أو المساهمة في ذلك، إذ أن الوضع الطلابي مأزوم جدا وتعمقت أزمته بفعل جائحة كورونا التي استغل النظام مضاعفاته لمصلحته ناشرا الرعب والإرهاب، وزاحفا على المكتسبات، ومانعا الاحتجاجات مكثفا من الملاحقات والاعتقالات والمحاكمات.. فالحالة المزرية التي تعيشها الجامعة تتطلب موقفا أرقى من الفرجة ومن الوصفات الجاهزة "الإعلامية والإشعاعية".. تتطلب إذن النقاش الهادئ والمستفيض، المبني على النقد الرفاقي المسؤول، عبر الإقناع والاقتناع والبحث عن الحد الأدنى المشترك الذي لا يقصي أحدا ولا يفرط بتاتا في المبادئ والهوية.
فما تضمنته خلاصتكم كفصيل، يعني "اليسار التقدمي"، لا يخرج عن سياق التراجعات اليمينية والمنزلقات الخيانية التي ظل حزبكم يبشر بها داخل الساحة السياسية المغربية، والتي تمر في تقديره، عبر مدّ الجسور والتنسيق مع القوى الظلامية والرجعية، جماعة "العدل والاحسان" وتوابعها، والتي أصبحت في تقديركم "قوى مناضلة"! والحال أنها قوى رجعية صريحة مناهضة للحرية والتقدم والتنوير والاشتراكية..الخ
وما يجهله "الرفيق"، على ما يبدو، أن للمنظمة ذاكرة قوية غير قابلة للتلف، ذاكرة نضالية راسخة ظلت لسنوات مثابرة على تأطير نضالات الجماهير الطلابية وساهرة على الرفع من مستوى وعيها الفكري والسياسي التقدمي والديمقراطي.. إذ ستتصدّى لا محالة لجميع محاولات المسخ والتشويه التي تحاول بكل ما لديها من جهد وقوة لتحويل المنظمة لعربة "لجمع النفايات"، عبر الدعوة لهكذا وصفات ترنو "لهيكلة اتحاد طلابي يستوعب الجميع بغض النظر عن المرجعيات الإيديولوجية والاختلافات في التقديرات السياسية.." بمعنى آخر وصريح، اتحاد لا يتوفر على مبادئ كانت تقدمية أو ديمقراطية، ولا يتبنى سياسة معارضة للدولة وللرأسمال وحلفائه العالميين.. يعني اتحاد هجين، لا هوية له، ولا تاريخ له، ولا شهداء له..الخ إذ يبدو أن الحزب وشبيبته وقادته قد تخلى بدون رجعة عن الرهان اليساري التقدمي الصريح، ليصبح مهووسا بالرهان على أعداء التقدم والديمقراطية والتنوير.. لما وجد في صحبتهم من حشد وتعداد.. وهي نظرة كمّية شعبوية في أساسها، منبهرة وقاصرة، تكتفي بالقشور وتعجز عن النفاذ لجوهر الأمور، وليس إلاّ.. متناسيا أن أساس المنظمة التاريخية والعتيدة أوطم هو المبادئ الأربعة، التقدمية والديمقراطية والجماهيرية والاستقلالية، إضافة لقانونها الأساسي الذي يسمح لعموم الطلبة بالانخراط في صفوفها بناء على هذه المبادئ والتزاماتها.. وغير هذا لا يعدو سوى محاولة انتهازية لتوظيف المنظمة، والركوب على تاريخها النضالي، ومسخ هويتها التقدمية والديمقراطية بسحبها للمستنقع الغوغائي الرجعي، إرضاءا للوافد الجديد للساحة الجامعية..!
إذ من السهل جدا أن نخطط ونخترع العشرات من الوصفات "الصالحة" لكل مرحلة ولكل سنة جامعية، دون أن تفي هذه بالغرض ودون أن تترك أثرا يذكر أو يغير من أحوال الطلبة الدراسية والمستقبلية.. إذ المطلوب والواجب على جميع الأصوات التقدمية المبدئية والمخلصة لأوطم ولتاريخه وتضحياته وشهداءه، الإسراع بفتح نقاش ديمقراطي جماعي واسع حول هذه الأوضاع المتردية التي تعيشها الجامعة، وكيفية تجاوزها لاتخاذ القرارات النضالية الملائمة، والإجراءات التنظيمية اللازمة والغير مفرطة في تراكمات وإنجازات إوطم.. أما الكلام عن "جمع الشتات" الخارج عن أي تصور تقدمي ديمقراطي وحدوي، فلن يسفر سوى على قفزة في الهواء ومحاولة بئيسة لحفظ ماء الوجه.. والتعويض، بالتالي، عن غياب بعض أشباه التقدميين عن الساحة الطلابية والنضالية.. لأن جمع الشتات الفعلي والنضالي لن يتحقق ولن يتم سوى عبر تقديم أرضية حد أدنى توحـّد الفعل النضالي في الساحة الطلابية، أرضية تذكـّر بالثوابت والمبادئ النضالية التي لا يختلف حولها تقدميان، أرضية تضع نصب أعينها مطالب ملموسة تهم الحياة المادية لجماهير الطلاب، بالإضافة لكل ما يتعلق بأوضاعهم المعنوية والديمقراطية، بدءا بالدفاع عن حرمة الجامعة وصيانتها ومرورا بالنضال من أجل إطلاق سراح المعتقلين لأسباب نضالية، مع إيقاف جميع المتابعات البوليسية والقضائية في حق جميع المناضلين والمناضلات.. لتبقى هذه باختصار أهم النقط المجمع عليها في صفوف الحركة الطلابية التقدمية والديمقراطية، والتي من الواجب تطعيمها بنصرة القضية الفلسطينية باعتبارها قضيتنا الوطنية الأولى الغير قابلة للمساومة، بالرغم من التكالبات والخيانات المحيطة بالقضية داخليا وخارجيا، وبالرغم من توسع حملات التطبيع الحقيرة مع العدو الصهيوني وراعيته الإمبريالية الأمريكية، فلا تنازل عن القضية وعن إستراتيجية الدولة الديمقراطية العلمانية فوق كامل التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس، كما لن يخلو برنامج الحد الأدنى من دعم المرأة عموما في معركتها التحررية وكذا نضالات التلاميذ ورجال التعليم والطبقة العاملة وجميع النضالات الشعبية في المدن والبوادي، وكذا جميع نضالات الشعوب المكافحة من أجل تحررها وانعتاقها وانتصارها على النظام الرأسمالي الغاشم.
ولكي يتم تناول هذه الأرضية من كافة جوانبها الإجرائية، فيجب أن تحضر في المشروع هذه الروح الوحدوية التي ترفض أي شكل من أشكال الإقصاء والعزل لأي صوت تقدمي في الساحة الطلابية كيفما كان حجمه وقاعدته الجماهيرية.. وإذ لزم الأمر واستوجب النضال من أجل مطلب من المطالب المادية المتعلقة بأوضاعهم المادية وبالسير الملائم لمرفق من المرافق الجامعية حيث يشترك في هذه النضالات والمعارك جميع الطلبة، بغض النظر عن هوياتهم الفكرية والسياسية، بمعنى أنه في مثل هذه الحالات يمكن أن تشارك جميع التيارات السياسية الموجودة في الساحة الطلابية، أي بما فيها القوى الرجعية والظلامية والإنتهازية، إلى جانب الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، حيث يجب اجتناب الإقصاء أو التهميش لأي كان، بناء على التقديرات السياسية الضيقة مراعاة لموازين القوى، إذ يجب الحذر في مثل هذه الحالات من جميع المشوشين على وحدة الحركة الطلابية وعلى استقلالها.. فبالرغم من غلبة الغوغائيين وميل الميزان لصالحهم، فيجب الحرص على وحدة ومبادئ الاتحاد القوي والمتماسك خلال جميع المعارك الطلابية، والتي يجب أن يواظب على الحضور الدائم في صفوفها بكل فعالية وميدانية، مع الفضح لجميع المشوشين على هذه الوحدة مهما كانت مواقعهم، من اليمين أو اليسار، سيان.

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا