أوروبا والعباءة الأمريكية

الطاهر المعز
2021 / 4 / 16

أوروبا، بين مصالحها الإستراتيجية وولائها للولايات المتحدة

لم يتبقّى سوى تركيب 93 كم (من إجمالي 2460 كم) من الأنابيب في المياه الدنماركية و 28 في المياه الألمانية، في قاع بحر البلطيق، لاستكمال بناء خط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2"، قبل نهاية العام 2021، لكن الولايات المتحدة تضغط على ألمانيا (التي طلبت من روسيا بناء خط الأنابيب هذا) للتخلي عن المشروع وشراء الغاز الصخري الأمريكي، وهو أغلى ثمناً وأقل جودة من الغاز الروسي. لم تهدأ، بل زادت الضغوط الأمريكية التي تضر بالعلاقات بين ضفتَيْ المحيط الأطلسي، وتضر بالعلاقات بين روسيا وبقية دول أوروبا، وكذلك العلاقات داخل أوروبا وداخل المجتمع الألماني، حيث تُؤَجّجُ التهديداتُ الأمريكيةُ الجدلَ السياسيَّ في ألمانيا.
خط الأنابيب "نورد ستريم 2" هو ثاني أنبوب بحري يربط روسيا بشمال أوروبا ويضاعف طاقة "نورد ستريم 1" لتزويد أوروبا الغربية بـ 55 مليار متر مكعب من الغاز سنويًّا، ما يدعم مخططات حكومة ألمانيا التي أعلنت التخلي عن الطاقة النووية، واستبدالها بالغاز الروسي، وهو رخيص الثمن وذو نوعية جيدة، كما يسمح هذان الخطان لألمانيا بأن تصبح مركزًا لتوزيع 110 مليارات متر مكعب من الغاز الروسي سنويًا، في بقية دّول أوروبا. أما بالنسبة لروسيا، فإن المردود المالي لهذَيْن الخَطَّيْن من الأنابيب ضعيف، لكن من شأن خط "نورد ستريم 2" أن يُعيد إلى روسيا هيبتها، والإسْتغناء عن تمرير الغاز عبر أوكرانيا التي أصبحت حليفًا، بل تابعًا للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.
إدّت التّهديدات والدّعاية الأمريكية، إلى تَخَلِّي جميع الشركات الأوروبية المشاركة في تحقيق أو تمويل أو بناء أو إصدار الشهادات لخط أنابيب الغاز عن المشاركة في بناء خط الأنابيب "نورد ستريم 2"، في مواجهة تهديدات الولايات المتحدة بفرض عقوبات عليها. كان لهذه الاستراتيجية الأمريكية أثر في تأخير تقدم المشروع، بينما يعجز الاتحاد الأوروبي على عصيان الأوامر الأمريكية، حتى لو كانت تلك "الأوامر" تضر بمصالح الدّول والشّركات الأوروبية، وبذلك نجحت الولايات المتحدة في تحقيق بعض أهدافها المتمثلة في إزاحة روسيا وفي زيادة حصة الغاز الصخري الأمريكي في السوق الأوروبية.
لم يتغير موقف أمريكا بانتخاب "جو بايدن"، بشأن خط الغاز الألماني الروسين وبشأن تعزيز الهيمنة الأمريكية، فهذه مواضيع تنال إجماع الأحزاب السياسية ومختلف المنظمات ومكاتب الدّراسات ومراكز البحث، والمسؤولين المنتخبين ووسائل الإعلام في الولايات المتحدة.
وصف وزير الخارجية الأمريكي (الصهيوني أنتوني بلينكين)، في آذار/مارس 2021، مشروع خط أنابيب الغاز الروسي بأنه "صفقة سيئة للغاية" وهدد بمعاقبة أي مشارك في إنجازهن فيما دعا أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون الرئيس "جو بايدن" إلى "اتخاذ إجراء حازم"، لوقف المشروع نهائيا، بدل تعطيله وتأجيل موعد بداية خدمته، وربما يريد هؤلاء النواب إعلان الحرب على روسيا.
ارتفعت وتيرة هذه التهديدات الأمريكية، ضد المزيد من البلدان والشركات، ما يُثير تساؤلات حول تجاوز قرارات وعقوبات الولايات المتحدة، حدود أمريكا، حيث فرضت الولايات المتحدة نفسها بالقوة ، لتصبح حاكمة العالم، وما على بقية الدّول سوى تنفيذ القرارات الأمريكية، دون أي نقاش أو تشاور.
تستضيف أراضي ألمانيا وإيطاليا أكبر القواعد الأمريكية في أوروبا، وكانت الحكومات الألمانية (الغربية) المختلفة، منذ العام 1953 (سنة تقسيم ألمانيا إلى غربية وشرقية)، مطيعة ولا تعارض أبدًا سياسة الولايات المتحدة، وتشارك في جميع الاعتداءات الأمريكية. ومع ذلك، وفي مواجهة التهديدات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، بدأ جزء من الرأي العام والمنظمات السياسية والمسؤولين الألمان المنتخبين، في معارضة التهديدات والعقوبات الخارجية التي قررت الولايات المتحدة.
تدين حكومات بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي (بخجل) الانتهاكات الأمريكية للقانون الدولي وتطالب بالسيادة الأوروبية في مجالات الاقتصاد والطاقة. من جهة أخرى، تطالب بعض الأطراف في أحزاب ومنظمات الدّفاع عن البيئة (بما في ذلك حزب الخضر الألماني الذي "تُقدّر الولايات المتحدة موقفه") بوقف العمل في خط أنابيب الغاز الروسي، حفاظًا على العلاقات المتطورة مع أمريكا، في حين لا تهتم الولايات المتحة سوى بمصالحها، فالعقوبات أحادية الجانب تَضُرُّ بمصالح الشركات الأوروبية التي تعمل بشكل قانوني وشرعي في القارة الأوروبية، لكن الحكومات الأوروبية لا تستطيع معارضة الولايات المتحدة، بل تسعى هذه الحكومات للتفاوض (من موقف ضُعْف) على تسوية دبلوماسية واقتصادية، أما الولايات المتحدة فتعمل على فَرْضِ شراء الغاز الصخري الأمريكي، وهو أغلى ثمنا وأقل جودة من الغاز الروسي، لكن ليست هذه مجرد مسألة اقتصادية أو مسألة سعر. لقد أصبح الغاز مسألة ذات ذات طبيعة جيوسياسية، بالنسبة للولايات المتحدة، كما بالنسبة لروسيا وألمانيا، وكذلك بالنسبة للاتحاد الأوروبي ...
لم تتجاوز مثل هذه المسائل الجَوْهَرية في الإتحاد الأوروبي، مجال الكواليس والحلقات الضّيّقَة، وتم إبعاد الشعوب والكادحين من مثل هذه النقاشات، ما يُشير على طبيعة ديمقراطية الرأسمالية، سواء في الولايات المتحدة أو في أوروبا أو في أي مكان آخر...

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا