لماذا نكنب في النقد الديني؟ ولماذا نعيد قراءة الدين؟

عباس علي العلي
2021 / 4 / 16

ويضل الدين وفهمه ومحاولة التكيف معه ومع الحياة إجمالا بدون تعارض أو على الأقل دون الشعور الخفي أننا يمكن أن نكون بين المنطقة الحرجة والمنطقة التي لا عودة منها، واحدة من إشكاليات الإنسان في كل تأريخه مع الدين والعقيدة والخوف والأمل والحلم بالجنة والنجاة من الجحيم، ولأن الإنسان في غالب الأحيان في كفاح يومي لتأمين مستلزمات حياته وصراع دائم من أجل الأفضل معيشيا أو حتى ترفيا، ترك مهمة فهم الدين لغيره لينتظر الخلاصة التي لا تتعبه وبنفس الوقت تقدم له أسهل الطرق ليكون عند النقطة الأمنة على الأقل، ومن هنا ظهرت فكرة رجال الدين وقوامتهم على الناس يقومون هم بالتفكير نيابة عنا ويقدمون الخلاصة المفيدة مقابل تخادم معهم، سلطة مال أمتيازات مكانة أجتماعية ومنها تطورت العلاقة أفقيا لتمتد إلى مجالات أخرى أخرها تسليم العقل الإنساني لرجال الدين فوق كل الأمتيازات التي يحصل عليها لأنهم زرعوا وعبر التأريخ فكرة أنهم وكلاء الله بصك مصدق ومختوم لا يقبل الدحض أو الشك.
ومع أن الأمر قد لا يخلو من حاجة لمتخصص ولو مقابل أجر كما هي حال الدنيا، ولكن ليس بهذا الشكل المفرط الذ يخرج الأمر من دائرة التكامل الأجتماعية والفكري إلى دائرة الأستغلال البشع للدين والإنسان، ويخلق لنا طبقة طفيلية تعتاش على ما هو فاضل في الحياة تحت عنوان وهمي أسمه رجال الدين، فالإنسان الطبيعي وهو يمارس مهنته أيا كانت عليه أن يتقيد بجملة من الضوابط والسلوكيات التي تجعل من عمله أنتاج وفائدة ومشاركة وإثراء للوجود، لا أن يتحول إلى محتكر وهمي لما لا يصح فيه الأحتكار، فالدين لا يمكن أن يحتكر أو يستحوذ عليه لمنفعة أو مصلحة لأحد ولا يمكن أن يتحول لمهنة أو وظيفة أجتماعية لأنه بالأصل هو خطاب أصلاحي يعيد التوازن للاختلال الأجتماعي والشخصي عند الإنسان.
من هذا المنطلق أرى أن كل عاقل مدرك لقوانين المعرفة ويشعر أنه جزء مهم من العقل الأجتماعي وقادر أن يؤدي دورا ما في مسيرة الإنسان أن يشرع بقلمه وعقله منفعل ومتفاعل مع رؤية خطها على أسس متينة، أن يبدأ في طرح ما يراه مناسبا وفقا لقواعد العلم والمعرفة دون أن يجعل من نتاجه سيفا على رقبة الحق وأسرا لعقول الناس، ولكن بدلا من أن يجلس ليفسر للناس دينهم ويحاول تجميد عقولهم بما يكتب لهم من رؤيته للنص الديني وتفسيره وتأوليه، عليه أن يمنح هؤلاء دروسا في كيفية التفسير والتدبير، وأن يعطيهم أمثله تشجعهم على المحاولة ويصحح لهم ويرعاهم حتى يصلوا إلى درجته وربما أكبر، عندها يكون قدر حررهم من الجهل وقربتهم من الله وكسب بهم أجرا وأكمل رسالته، بدل أن يكون فقيه ومجتهد محتكر للعلم والمعرفة والتي هي من البديهيات قابلة دوما للتطور والتحديث وربما للنقض أيضا، كن رسولا بنفسك ومعلما للعقل ومربيا لمن يحتاجك دون أن تنتظر ربما ما هو ينسف الجهد ويذهب بالفكرة إلى مدارات النفع الشخصي والمصلحي، فكل الرسل كانوا معلمين مربين بأصل الرسالة، ولم يكونوا فقهاء أصحاب رأي ضيق ولا مجتهدين بما يرونه بعقلهم الفردي إلا في حدود الحاجة للتعلم.
صحيح أيضا أن الولوج في عالم العقيدة والمعرفة الدينية فيه الكثير من التعقيد والتشابك والإحراج، منها أسباب تأريخية تتعلق بما عرفه العقل البشري من تقليد وأتباع المستقر في الذهن، وأخرى تتعلق بقدرة الوالج لهذا المجال من قوة وضعف وهو في مراحل ما قد يصطدم بأفكار تحجرت بالقداسة ويعد التعرض لها أو حتى مناقشتها نوعا من الحرام أو ما يعرف بالتابو المحصن من الرؤية، ومنها أيضا وجود الصراع الفكري والسياسي والمعرفي الذي ضل طوال الزمن الديني مستعرا على مفاهيم تتصارع بين العقل والنقل وتقديم أحدهما على الأخر، هنا سيجد الباحث نفسه في حقل من الألغام التي تتفجر في أي لحظة يدفع ثمنها ويستشعر أنه أقتحم وكر الدبابير بقوة، لا بد للباحث أيضا أن يتمتع بكثير من القدرة على التحمل والقدرة على المطاولة لمواجهة الأصوات الرافضة له أو التي تتصيد الهنات هنا وهنا كي يفشل مشروعه، الكتابة في المبحث الديني يراه البعض وخاصة في عصر المعرفة فائقة التجدد هو رهان خاسر ورهان لا ضرورة منه بعد أن أصبحنا جميعا تحت قبضة العلم التجريبي ونظرياته المادية.
عندما نكتب في البحث الديني أولا لا نريد أن نعلن فوزنا على أحد ولا نبشر بديننا ولا نريد أن نجعل من كتاباتنا حطبا يضاف لما هو موجود تحت لهيب النار المستعرة، من المؤكد أيضا أننا نكتب وخاصة في مثل ما أسعى له ليس أضافة للتراث الفكري الديني بل هي محاولة جر العقل الديني إلى الزوايا المظلمة والمغطاة وإلى المناطق الرمادية التي أختلط فيعا الأبيض والأسود دون أن يتجرأ إلا القليل للدخول إليها بحثا عن حدود فاصلة بينهما، المشكلة التي نواجهها ليست من أهل العقل المنفتح الذي يقبل كل فكرة على أنها مشروع للحوار والنقاش لغرض الوصول إلى قواسم مشتركة وربما إلى يقينيات نسبية بالحد المقبول، لمشكلة بالذين يستفزون ويرتجفون من كل محاولة أصلاحية، فهم أما مستفيدين من حالة التشويش والفوضى والتحريف لأنها مدخلهم للطعن والتشهير بالأخر، أو الذين يؤمنون بعصمة الأفكار الموروثة والخوف من التشكيك فيها أو تسليط الضوء على فشلها المزمن.

حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن