ظاهرة قمامة التاريخ/7/ ملحق استطرادي2

عبدالامير الركابي
2021 / 4 / 16

توجد الظاهرة المجتمعية ازدواجية من مجتمعيتين: "ارضوية"، و "لا ارضوية/ كونية سماوية"، بينما يظل الكائن البشري يعيش احاديا ارضويا عقلا، كمستوى وعي اولي اجباري انتقالي، لتعذر الإحاطة العقلية ابتداء، ونقص أسباب التحولية التي هي جوهر وغاية الظاهرة المجتمعية بنوعيها، إضافة لغلبة مساحة المجتمعية الارضوية انتشاراعلى مستوى المعمورة، بمعنى ادق ان الكائن البشري يعيش لامد غير قصير منذ تبلور الظاهرة المجتمعية قاصرا عن الاحاطة بالظاهرة المجتمعية كاجمال، وبالأخص كينونتها الازدواجيه، وصولا لاعلى ماممكن من الادراك العقلي على هذا الصعيد، مع الظاهرة الغربيه الحديثة، ومنجزها الكبير، ومنه مايعرف ب "علم الاجتماع" اخر العلوم، حيث يجري المزيد من تكريس المنظور الأحادي الارضوي ليظل مايسمى ب علم الاجتماع" الغربي الحديث، مجرد محطة دنيا، سابقه على "علم الاجتماع اللاارضوي"، والذي يستحيل من دونه التعرف على التاريخ، والعالم والوجود على حقيقته التفاعلية، ومنطوياته وأهدافه المضمرة، الفردية والمجتمعية.
والجانب الأهم في الظاهرة المجتمعية نموذجا انها "وحدة مزدوجه"، او كيانيه موحدة من عنصرين متداخلين ومتفاعلين وفاعلين كل منهما في الاخر، ولازم له ولاجل كماله، ومن ذلك خاصية الالغائية التي يتمتع بها كل من الشكلين المجتمعيين، والبارز منهما والماثل على مدى طويل زمنيا، عبر الحضور الأحادي الاقصائي المكرس لنوعه ونمطه باعتباره ( الاجتماع + انتاج الغذاء)، وكل مايتصل باشكال الملكية والتنظيم العائلي والسلطة والملكية، وانماط السيطرة والحكم، وشكل البنائية الممكنه الموافقه لهذا الشكل الارضوي من المجتمعية، المعتبر هو "المجتمع" وماعداه في حال ظهر او وجد مايدل عليه، مجرد مظهر وعالم آخر، خارج عن المجتمعية، ولاينتسب لها ولجوهر مكونها، وابرز مايعرف على هذا الصعيد "الدين" باعتباره البوتقه/ المنفى/ وعالم الاقصاء المتداول للظاهرة المجتمعية الكونيه اللاارضوية، كان لابد من وجوده بسبب قوة حضور الظاهرة المذكورة، واساسيتها في الحياة في قلب المجتمعية الأحادية الواحدية.
ولان المجتمعية الأحادية ونمطها غالب وشائع، ولان المجتمعية الاخرى بحسب الطبيعة والكينونه ليست مما يتحقق ارضويا، مادام اساسة علاقة بالكون الأعلى، وهشاشة العلاقة بالارض، فان المجتمعية الارضوية تجد نفسها، وهي فعلا وواقعا، في وضع بداهي كتجسد وك"حقيقة ملموسة"، على حسب المفهوم الأولى الارضوي للملموسية كما يمكن للعقل ان يعيها ابتداء. أي انها "النموذج"الذي هو المجتمع ولاغيره، وذلك امر منطقي بالمقارنه بين حالة متلائمه مع موضع وجوده وانتاجيته وجسديته مايعاش يوميا، وبين حالة تجل مقابله تضع نفسها خارج الارضوية، انبياؤها ينطقون بما هو واقعي، لاارضويا، وقوانينه التي يصدرون عنها انطلاقا من مصادر لاارضوية نازلة عبر الوحي من السماء كضرورة، فالنبي لايقول ولايمكنه كينونة القول بانه ناطق عن قوانين مجتمعية أرضية/ لاارضوية لها اشتراطات تشكلها وتجسدها، وديالكتيك تحققها.
ليس بمقدور المعبر عن المجتمعية الكونية/ النبي/ غير القابلة للتجسد، الاسماويا، التعبير عن نمطه وذاته ومايصدر/ ماديا/ عنه خلال الطور الأول من تاريخ المجتمعية، حيث العقل عاجز اجمالا، وعلى طرفي الظاهرة المجتمعية، عن وعي الذات الاشنل، وادراكها، الا حسيا والهاميا، "نبويا"، حيث يتحول القانون غير المدرك عليّا، الى قوة عليّه، تتركز خلاصتة في "الله"، الطاقة العليا، والسلطة المطلقة الأعلى المفارقة التي تصادر السلطات وتنزعها من الأرض. مايفرض على هذا النمط من المجتمعية طورا طويلا محايثا للاحادية الأولى، يتسم بغلبة وسطوة النبوية الالهاميه الحدسية التي تظل مستمرة مابين لحظتين لاارضويتين، مقدرتين على المجتمعات : الأولى بيئية، والثانيه مادية، الأولى رافدينيه تبدا من ارض سومر والاشتراطات الاستثنائية التي توجد وسطها، وهي محكومة بها، حيث مجافاة الطبيعيه القصوى للمنتجين في الأرض ولعملية الإنتاج بما يقارب "العيش على حافة الفناء"، ويولد بناء على ذلك اشتراطات ونوع تجسد، واشكال تعبير من نوعها، وعلى شاكلتها. والثانيه هي التي تسود العالم مع الانتقال للالة، وماتحدثة من اختلال جوهري في العلاقة التوافقية البيئية الإنتاجية، وتفضي اليه من مسارات نتيجتها حلول حالة "العيش على حافة الفناء" على المعمورة برمتها.
هنالك بحسب التوزع الانماطي الكوكبي مركزان تعبيريان، هما الأعلى تجسيدا لنمطهما، الأول هو الازدواجي المنشطر عموديا، الرافديني المحكوم للدورات والانقطاعت، ولثلاثة منها، ومقابلها المتوسطي الغربي الأوربي، الانشطاري الافقي الطبقي، الأحادي، وقمة التعبيرية الأحادية، واعلى اشكال تجليها. والتعبيرية الطبقية مقدر لها ان تسبق من حيث بلوغها اعلى مستويات وحالات تعبيرها عن كينونتها تعبيرا، مع الانتقال للإنتاج الالي كعتبة ومحفز ضرورة، سابق لانبثاق الرؤية الاجمالية المجتمعية الازدواجية بحكم الكينونه والبنيه والمسارات والتراكم.
وتتمثل قمة الأحادية وذروتها كمالا في الماركسية، وعموم علم الاجتماع،وفي النموذجية الكيانيه ( الوطنيه/ القومية) كما في "الدولة الامة الليبرالية"، لتغدو غالبة ومهيمنه الى حد بعيد عالميا، مايبلغ موضع ومركز التعبيرية التحولية الأصل نفسه، وفي حين تلح وتصير قيد التبلور هنا عملية النطق المؤجله، يقع العراق تحت وطاة وطائلة التصارع مع التعبيرية والنموذج الأحادي العلّى الغربي الحديث. في حين تحضر كل تراكمات وبقايا المترسب من اشكال التعبيرية النبوية المنتهية الصلاحية وهي في حاله تازم مطرد.
في الطور او الزمن الانقطاعي الأول، بعد انهيار بابل، وجدت على ارض العراق قوى وتعبيرات تنتمي لارض الرافدين جغرافيا، مع الانقطاع والغربة عن المكان بنيويا واليا، والحال المذكور يمكن تلمسه في الممالك الحدوديه المطله على الجزيرة العربيه لاجل خنقها، مثل المناذرة، ناهيك عن القبائلية اللاصجراوية،واللاانتاجيه مكتملة، كممارسة رئيسية، وكل هذه الظواهر مما لايمت بصله حيوية للتاريخ وللفعالية التاريخيه المجتمعية هنا، وهو يزول وينقلب بمجرد حضور الفتح الجزيري وتحرر الاليات الرافدينيه من وطاة احتلال الاقطاع العبودي الفارسي، ويرد هنا حتما التساؤل البديهي عن السبب الذي أدى الى غياب المجتمعية التاسيسية، ودورتها الأولى السومرية البابلية الابراهيمه، التي هي بالاصل تكوين هش مقارنه بالبنى العبودية وصلادتها من ناحية، مع ضيق وصغر المساحة التي نبتت فيها التبلورات المجتمعية الازدواجية الأولى، والتي لاتتجاوز الافا من الكيلومترات ( مقارنة بحجم مصر الهائل مقارنة بها ) ماكان يستدعي لانبعاثها مجددا، فعل الاحتياط الاحترابي الجزيري الذي هو جزء من التكوين الموحد الشرق المتوسطي كما هو ممثل في الازدواجين "الموحد الكياني" لمابين النهرين، والمفترق بين أحادية الدولة المصرية، واحادية اللادولة الاحترابيه الصحراوية.
لاترى الأحادية في التلونات واشكال الفعالية والتوزعيه المجتمعية النمطية، ماهي كائنه عليه للتعذر والقصور، فبستحيل عليها ان تلحظ الازدواجية الرافدينيه من حيث الاكتمال التشكلي رافدينيه جزيرية أحادية نيليه، مترابطة ومتداخله، تحكمها ضرورات ذاتيه من ناحية وعالمية لايمكن من دونها شمول العالم كما حصل مع انتشار الابراهيميه على مستوى المعمورة، كذلك يحصل عندما تنظر الأحادية الى نوع ومسارات تجلي المجتمعية اللاارضوية خارج ارضها، ولماذا، ووفق اية اليات، فالعقل الاحادي مغرم باللقى والموجودات داخل الأرض وتحت اليشن، لانه مركز اهتماماعلى الكشف عن تاريخه هو، الأحادي كينونة، فالتاريخ المجتمعي كازدواج، احد طرفيه لا ارضوي، أي لا توثيقي، لتاريخه سياقاته واشكال تجليه التي تطابق نوعه وطبيعته، لاوجود له، ولايرد على البال.
من ناحية أخرى غاية في الدلالة، لم يكن للمنظور الايكولوجي ان يرى بان ارض الرافدين قد أصيبت بالانقطاعية الأحادية، وان مجتمعيتها الأخرى اللاارضوية، استمرت حية وحاضرة و فاعلة على مستوى المعمورة، وانها مالبثت في وقت لاحق ان عادت ممثلة بالعقيدية الابراهيميه الجزيرية، فمثل هذا النوع من الحضور لايمكن للعقل الأحادي مقاربته، او التعرف على محركاته وديالكتيكه المعقد، الازدواجي التحولي، الذاهب الى الجوهر، حيث الازدواجية المجتمعية هي ازدواجية جسدية بشرية، وغايات الاثنين انفصال العقل عن الجسد، وتحرره من وطاة الارضوية بصغتها الحيوانية الباقية عالقة بالكائن "الانسايوان"، المسمى ب"الإنسان" اعتباطا.
متى تكون القوى والظواهر التي تعيش وتوجد ابان فترات الانقطاع، وخلالها "خارج التاريخ"، او من صنف"قمامة التاريخ"، نحن هنا نعالج تفصيلا متعلقا بظاهرة الدورات والانقطاعات من باب التكريس، ومزيد من تعيين سمات وواقعية الظاهرة، بما في ذلك اختلافات نوعها بين الانقطاعية التي يتعذر عندها ومعها الإفصاح عن التحولية المجتمعية كما الحال ابان الانقطاع الاول، مقارنه بالاخير الأقرب، والمعاش الى الان، والذي يكون الإفصاح عن الذاتيه التحولية ابانه ممكنا، لابل ضرورة ملحة لامهرب منها، بينما تكون التعبيرات المتاحه وقواها، اما بحال تكرار واجترار لماض ميت، او مصرة على الانتساب ونسبة الواقع الازدواجي التحولي، لوطاة الأحادية باعلى تجلياتها، وابرز تجليات هذه، قوى الحداثة العراقية على تعدد تياراتها وتباينها الشكلي.

حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن