اكراد الامبراطورية العثمانية (6)

خسرو حميد عثمان
2021 / 4 / 16

ملاحظة:- أضفتُ "الأقواس" لغرض التمييز بين أسماء الأماكن والأشخاص: [ للأشخاص ]، ( للأماكن)، { للمصادر المذكورة في نهاية الكتاب} و {{للملاحظات التي أضفتها لغرض التوضيح والتعليق}}.
ترجمة الفصل الخامس ص 165-203 : الجزء الاخير ص 186 - 202


أجبرت النزاعات والمعارك الداخلية [سەرهەنگك]، الذي لم يكن على مودة مع [سليمان بەگك]، منذ عهد[مير محمد]، لاستلام تقاليد السلطة. نجح في تبوء المركز الأعلى لمدة سنتين، خفت خلالها حدة العداوات والنزاعات الداخلية. إتفق مع [رسول بەگك] أن يكون [رسول بەگك] حاكماً على (رواندوز). وأُنيطت إدارة (ئامێدى) إلى [سعيد بەگك]. اعترف والي بغداد [نامق پاشا] ب حاكمية [رسول بەگك] على ( حرير، شيروان، بالەكان، برادوست و رواندوز) {163، ص 497}. عندما يتناول مؤرخون كورد، في القرن العشرين، هذه الجهود التي بذلها [مير محمد] لتأسيس دولة كوردية مستقلة لا يضبطون أنفسهم من دون التطرق الى الأسباب التي أدت إلى عدم نجاحه. يتناول كل من [عەلادين سجادى] و [أمين زكي] الموضوع بعدالة، عندما يعزون فشله الى شعوره الديني الأعمى؛ « يكتب [أمين زكي بەگك]: لوتحرك [مير محمد] بوعي، دون التدخل في أمور الدين، لتمكن من تثبيت موقع قدمه وتشكيل حكومة مستقلة وقوية ».[754، ص 148]
يؤيده [عەلادين سجادى] عندما يكتب: كان للشعور الديني دورٌ سلبي في تاريخ الحركة التحررية الكوردية. تظهر، بهذا الخصوص، آراء غير منطقية أيضاً، عندما يعبر [مُلا ما] في مكان آخر عن رأي غير منطقي: الوقوف بوجه الخليفة عمل غير صحيح لأن بعضهم صالحون وآخرون سيؤون [150، ص 69-70]. لو أردنا تقييم محاولات [مير محمد] بصورة عامة، بنية تثبيت وتوسيع سلطته تظهر هدفه بجلاء في تشكيل مؤسسة إقطاعية مستقلة، وكان هذا الهدف يلتقي مع التمنيات والرغبات القلبية للجماهير الكوردية التي كانت ترغب، من الأعماق، الخلاص من حكم العثمانيين وبسببها حصل على دعم جماهيري. تمكن مير محمد جذب الفلاحين والتجار إليه، ل محاربته نظام الفوضى والسلب. شاهد كلٌ من[فرايزەر] و[روست] وأخرون كثيرون بأم أعينهم ذلك، يُقرون بوضوح وباحترام جهود [ميرمحمد]ً الكبيرة للمحافظة على الأمن والقانون . يروي [روس]، الذي هو أحد الأوروبيين الذين زارو رواندوز، كيف كانت سكان المنطقة يعاملونه بأدب وإحترام . وأبدى [روس] استغرابه لسؤال [مير محمد] منه حول التعليم في بريطانيا حين التقاه لأول مرّة[153، ص 410 ]. في الوقت الذي كانت الظروف العالمية في تلك الفترة لم تكن لصالح العثمانيين، كما كانت لصالح [مير محمد]، إلا أنه لم يتمكن من تأسيس سلطة راسخة في المناطق التي كانت تحت سيطرته للاعتماد عليها كقاعدة في حربه ضد الأعداء. غيّرَ الكثير من الإقطاعيين الكورد و رؤساء العشائر مواقفهم مع أول بوادر نصر [العثمانيين] وهزيمة [مير محمد]، أداروا ظهورهم له، وانتفضوا ضده.
شكلت الهجوم المتزامن العثماني والايراني و مواقف الدول الأوروبية العدائية السبب الأهم لسقوط الأكراد. لم تكتفي القوات العثمانية باحتلال رواندوز، وإنما توسعوا بهدف إحتلال وتلجيم سكان جميع المناطق التي لم تكن راضخة للعثمانيين، ويرفضون الخدمة في الجيش التركي. تجرع سكان هذه المناطق مدة ثلاثة أشهر أشد أنواع العذاب وعشرة ألاف قتيل على أقل تقدير ناهيك عن التعرض لأعمال السلب والحرق. ولم يقف الكورد مكتوفي الأيدي أبدوا المقاومة، ومن خلالها خسر العثمانيون عدة آلاف حسب قول [پورژولا].{112، ص 375}. كانت الحالة المعنوية للجنود العثمانيين على حافة الانهيار حسب شهود عيان. تفشي وباء الكوليرا فتك بالكثير من الجنود. بحسب [مۆڵتەكە] مات 3-4 ألف عثماني عند محاصرة قلعة كوردية وحدها. كان تأثير الوباء على الجيش العثماني كبيراً لدرجة أجبر المسؤولين في إستانبول إعطاء الأمر لإيقاف الهجوم فترة من الزمن. مات [رشيد پاشا] بوباء الكوليرا في مدينة دياربكر في شهر كانون الثاني من عام 1837 [112، ص 375]. خلّفه [حافيز پاشا] الذي لم يكن أقل منه عنفاً وكراهية تجاه الأكراد.
باشرت القوات العثمانية بالهجوم على الأكراد عام 1837، كان [أكراد بوتان] الهدف الأول للهجوم المقبل لأنهم كانوا يطالبون بالإستقلال. طردوا الوالي العثماني الذي نصبه [رشيد پاشا] على إثر احتلاله عاصمة الإمارة (مدينة الجزيرة).
أُنيط قمع انتفاضة (بۆتان) ب[والى ديار بكر] الذي كانت تحت تصرفه قوة عسكرية صغيرة منهكة فاقدة القدرة على الحركة. ولم يكن [ميرزا پاشا] القائد العام لقوات الخيالة العثمانية التي سبق وأن حاصرت (ماردين) ثمانية عشر شهرًا أحسن حالاً من [والي ديار بكر].{87، جلد 1، ص 293}. « يكتب [ئينسفورت]: في مثل هذا الوضع المحرج الذي لا يمكن التستر عليه؛ الجيش في حالة حرب، وفي نفس الوقت تُجند جنود جدد كل ذلك لأجل تشكيل قوة للهجوم على يزيديي سنجار». {87، جلد 1, ص 293}.
كان هذا الهجوم محل استحسان [حافيز پاشا] لأن النصر على اليزيديين تحت عباءة الدين فيه من المكاسب أكثر من الهجوم على الكورد المسلمين. لهذا سفكوا دماء السكان بهمجية « دُمرت القرى وهتك الجنود بالنساء وقتلوا الرجال». {87، جلد 1، ص293} . بعد معركة سنجار، بدأ [حافيز پاشا] بالهجوم على أكراد الشمال الذين تحينوا فرصة إنشغال الجيش العثماني أثناء الهجوم على منطقة سنجار انتفضوا و تهيأوا للمقاومة. سُميت هذه الفترة من قبل الذين كانوا قريبين من المشهد خريف 1837 ، ب« زور قورس وهيز بر- وخِيم جداً و مُهْلك الشكيمة». {87، جلد 1، ص 295}.
إثنان من الضباط الانكليز كانوا في مقر العثمانيين أثناء الهجوم: [كولونيل كونسايدى] و[كابتن كيمبل] بالإضافة [ضباط بروسيين] يعملون بصفة مفتشون عسكريون.
كان الهجوم العثماني شديداً لدرجة أُسقطت القلاع الكوردية الواحدة تلو الأخرى وأُحتلت. في احدى المعارك، وحدها، قُتل ما يُقارب خمسة عشر ألف كوردي. ولكي يتخلص [ حافيز باشا ] من الأكراد الذين كانوا عصياً عليه تنكيس رؤوسهم، أضاف الى القتل الترحيل الجماعي الى المناطق العثمانية النائية أيضاً. [پوژول] الذي رأى عن قرب و بأم عينيه ما فعله [حافيز باشا] ضد عشيرة قوامها أربعة ألاف كوردي؛ هكذا يروى ما حدث:« على بُعد خمسين خطوة من (ئه ركاخ)، على حافة تلة (ئەلەجەئاغا)، حُشر أربعة ألاف أسير كوردي من الرجال والنساء، من جميع مراحل العمر، تتلظى تحت لهيب أشعة الشمس الحارقة دون أن تحمي الأجساد العارية قطعة قماش أو خيمة، لتخفيف تأثير ارتفاع درجة الحرارة وأشعة الشمس كانوا يحجبون وجوههم بالغبار….كانت عذاب غير محدود و يأس عميق محفورة في الأوجه، الأنفاس الباردة كانت تخرج من الصدور. عيّاط النساء والأطفال يحرق الأكباد. ذكرتني عذابات وآلام هؤلاء الأربعة ألاف بالجحيم. بقى هؤلاء المعذبون ستة أيام في موقعهم، لم يكن لديهم أكثر من خبز أسود ليأكلوها، وكان شحيحاً أيضاً، يشربون الماء من ترعة قريبة. في اليوم الثالت مات 20 طفل رُضَّع، جف الحليب في صدور الكثير من الأمهات، لم تكن الامهات الثكلى على استعداد للتخلى عن أطفالهن الموتى، يلصقونها بأجسادهم بأيادي هزيلة، لم تصدقن بأنهم موتى». {112، ص378]، كان الأسرى الكورد بإنتظار فرمان [حافيز پاشا] لإرسالهم إلى (ملاطية) أو أي مكان أخر في الامبراطورية. أرسل [حافيز باشا] قسم من هؤلاء الأكراد نحو منطقته، في الطريق مات الكثير منهم من الجوع والتعب. أما الأخرون كانت العبودية بانتظارهم. كتب [پوژولا] في ذكرياته حول آسيا الصغرى: تُلاحظ قرى متهدمة وحقول يابسة في كل مكان، كان ذلك سببا لانتشار المجاعة في كوردستان، الوديان مملؤة برفاة الأكراد الذين لم يتسنى دفنها.{112، ص 378} . رغم هذا الوضع المأساوي لم تَخُر عزيمة الاكراد ولم يرفعوا أيديهم عن النضال والمقاومة، كانوا يعتصمون في قلاعهم الحصينة ولا يتوقفون عن القتال رغم يأسهم. على سبيل المثال، في يوم 8 آب 1837 كان الأكراد متحصنين في احد الجبال، قاوموا قوات عثمانية أكثر منهم عددا لمدة 12 ساعة، بعد أن قتلوا وجرحوا ألف وخمسمائة شخص من المهاجمين وتحت تأثير قصف مدفعي كثيف من عدة جهات
اضطروا للتراجع. كان للنصر في هذه المعركة عند العثمانيين مغزى كبير، تمكن [حافيز پاشا] في هذه المعركة التغلب على أقوى مقاومة كوردية، حتى [پوژولا] يعتبر هذه المعركة بأنها« أخر المعارك لحسم الأمور».
في الوقت الذي كان الأسرى الكورد ورؤسائهم يعانون من مرارة وعذاب الأسر ينظرون بدونية نحو الأكراد الذين يخونون بني جلدتهم ويبيعون أنفسهم للعدو واصطفوا خلفه. يروى [پوژولا] بطولة أحد هؤلاء الأكراد ويقول«لم يُبقي [ حافيز پاشا] شئ لم يلجأ اليه ويجربه بالضغط والتعذيب وحتى الرشوة والهدايا لكسب هؤلاء الكرد إلى جانب (إستانبول) ليتخلوا عن إخوانهم في الدم ومساعدة الجيش العثماني. إختار أحد القادة الأسرى، كان شابا وسيماً إحترمه كثيراً، وعده بأن يمنحه رتبة كولونيل إذا طأطأ رأسه ورضى بتشبيك الأيدي مع المسؤولين العثمانيين، أجابه الرئيس الشاب الكوردي بكل إعتزاز:« لا أريد أن أكون رئيسا لأناس أخرين. إذا أصبحت رئيساً لإحدى قواتك سأستعمل سلاحك ضدك، الله عليم لا أرغب أن أبيع نفسي واعلم بأنني لا أعترف بما تريده مطلقاً. النكبة هي التي وضعتني تحت يديك، افعل ما تستطيع ولا تقصر بدون تأخير.»{112, ص 391]. هيج هذا الجواب الملئ بالجرأة والشجاعة [حا فيز پاشا]. أمر على جلده بالسياط. ضربوه خمسين سوطاً، لم تؤثر ذلك على جرأة وتضحية هذا الرئيس الكوردي». يستمر [پوژولا] على الموضوع ويكتب« في الوقت الذي كان الشاب الكوردي ممدا على بطنه تمطر عليه السياط طلب بهدوء ورويه غليونا، لبوا طلبه. رفع رأسه بهدوء وبدأ بأخذ الأنفاس من الغليون، عندها اضطر القائمين بالتعذيب التوقف عند رؤيتهم هذه الشجاعة، ولكن لم يتوقفوا عن توجيه الأسئلة إليه، يمطرون عليه سؤالا بعد أخر لكن الكوردي المعتد بنفسه كان يأبى الجواب. «ألا تجب؟ سأل [حافيز پاشا] ! ماذا دهاك؟ ألا تسمع كلامي؟ رفع القائد الكوردي رأسة بروية، وعيونه تشع حقداً أجال نظره بالحاضرين وقال بهدوء: أشكر الله لأنني لست صمٌ بُكم. قال [قاضي حافز پاش]: ترى أى نوع من العقاب يجعله ينطق؟ تغير ملامح وجه الرئيس الكوردي بسرعة مباشرة بعد ذلك، ظاهراً عليه أنفة واعتداد بالنفس منقطع النظير قائلاً: لايوجد تعذيب أكثر عنفاً وشدة أن ترى بأم عينيك كوردياً أمامك، مؤشراً باصبعه نحو أحد الاكراد الذين كانوا واقفين أمامه، أغمض عينه عن اخوانه وباع نفسه للأعداء.
أخرج الكوردي الذي توجه إليه العتاب مسدسه وقتل الرئيس الكوردي الأسير في المكان». {112، ص 391- 393}. لم تتوقف القوات العثمانية عن إحتلال المناطق الكوردية إلى أن حَلّ الخريف وغطت الثلوج الطرقات.
يكتب [ئينسفورت]: رغم كل هذه الانتصارات التي حققتها القوات العثمانية، لم يتوفقوا في محو أمال الكورد في الحرية والاستقلال، كلما كانت القوات العثمانية تنسحب من الأماكن المحتلة كان الاكراد يطردون الموظفين والجنود العثمانيين فوراً. [87 ، جلد 1، ص 295].
عندما حل الشتاء عسكر[حافيز پاشا] خارج (مدينة ملاطية) وأهدى المدينة كلقمة سائغة لجنوده. نُهبت المدينة واعتاش الجنود طوال فصل الشتاء على نهب السكان. عند بزوغ فجر الربيع بدأ باحتلال المناطق، شبه مستقلة، الواقعة الى الجنوب الغربي ل(بحيرة وان). يؤكد [ئينسفورت] بأ ن هجمات ربيع وصيف 1938 اتجه نحو طريقين؛ الأول باتجاه أكراد (ئاكچه داغ) والثاني توجه نحو أكراد (تافروسكي)، المكان الذي يبدأ فيه نهر الفرات مساره.{87، جلد 1، ص295}.
قاوم أكراد قلعة (ئاقچه داغ) [حافيز باشا] فترة طويلة، بعد أربعة أيام من الحصار احتلت القوات العثمانية قلعة (كوتاك). أبادوا الرجال، أرسلوا الاطفال الذكور إلى (إستانبول) والنساء إلى (ملاطية).{87، جلد 1، ص 250}.
هاجم في أذار 1838 [سيد بەگك]، صاحب السلطة والنفوذ، الذي لم يعترف، لمدة خمسة أشهر، بسلطة السلطان، يستحصل الضرائب من السكان الذين كانوا تحت سلطته لصالحه. تمكنت القوات العثمانية بمساعدة البگەوات الكورد الخونة من التغلب على [سيد بەگك]. يروي [گك. مولتكه]، الذي كان المنظم والمشرف على حصار واحتلال قلعة [سيد بەگك]، بالتفصيل ما حصل.{108، ص 232-241 }. كانت القلعة واقعة على جبل عالي محاطة في ثلاثة جهات بجدران تشرف على منحدر حاد جداً، متلاصقة في الشمال بقمة بارزة ، أثناء تهيأت العثمانيون أنفسهم للهجوم حَصّن [سيد بەگك]نفسه مع مائتين من رجاله الشجعان والمخلصين بإنتظارهجوم العدو. بدأ هجوم [حافيز پاشا] بمحاصرة القلعة، كانت المسافة بين حارس وأخر 40 خطوة. تخلى عن المهمة القسم الأعظم من الكورد الذين شاركوا قوات [حافيز پاشا] في محاصرة القلعة وغادروا المقر.{انظر 108، ص 233}
كان [گك. مولتەكه] يتجول حول القلعة ليطلع على الأوضاع ويحدد أماكن نصب المدافع، الطريق الوحيد الذي كان يؤدي الى القلعة من الجنوب يمر من الموقع الذي وضع [حافيز پاشا] مقره فيه. حالما وصلت الإمدادات إلى [حافيز پاشا] في مايس 1838، وكانت تتألف من ثمانية بتاليونات: 400 مشاة، 150 خيال وثمانية مدافع، طلبوا من [سيد بەگك] الاستسلام. وافق بشرط موافقة المسؤولون العثمانيون تنفيذ مطالبه. لم يوافقوا على شروطه. بدأ العثمانيون يوم 9 مايس بصب الحمم على الكورد الذين لم يكن لديهم سلاحًا باستثناء البنادق. قرر [سيد بەگك] تسليم القلعة عند الظهر. يكتب [گك مولتەكه]:«بعد أن سلم [سيد بەگك] القلعة لم يطلب العفو، لأن المهزوم لا يحق له طلب العفو، بدلاً من ذلك طلب الصداقة لأن الذي لديه القدرة ليتحول الى عدو الحق في أن يطلب الصداقة». احتل الجنود العثمانيون القلعة وبدأو بالنهب وتعذيب الكورد، الذين لم يحنوا رؤوسهم، بدون رحمة . يكتب [ مولتەكه] في ذكرياته :« جاء كوردى يحمل أخيه المجروح فوق كتفه أعلمني وعيونه تدمع بأن أخوه مجروح منذ سبعة أيام، استدعيت حلاق الجيش الذي قال حال رؤيته الجريح: ( لكن هذا كوردى ) كرر هذه العبارة عدة مرات بنبرات صوت ترتفع مع كل إعادة، أراد أن يقول (الا تعلم أنك تطلب شيئاً غير قابل للتحقيق).
لم يُخفي المسؤولون العثمانيون غضبهم وأحقادهم تجاه من وقفوا ضدهم وحدهم، كانوا يُظهرونها حتى تجاه من تعاونوا معهم من الكورد، كانوا يرسلون المشاة والخيالة الكورد الى قلب المعارك والمناطق الخطرة. يعترف [گك مولتەكه] بأن معظم ضحايا المواجهة عند محاصرة (قلعة سيد بەگك) كانت من الكورد المتحالفين مع العثمانيين. بعد أن إحتل [حافيز پاشا] القلعة، أمر بهدمها يوم 13 مايس. بعد أن إحترق لمدة ثلاثة أيام وليالي متواصلة. هُدمت لدرجة لايمكن إعادة بنائها مرة أخرى لترفع الرأس بوجه الأتراك مرة أخرى. يكتب [گك مولتەكة] بأن القلعة أزيلت من أساسها ولم تكن ذات أهمية ولكنها كانت من أكبر ركائز المقاومة بوجه (استانبول)».{108، ص 243}. بعد أن إنتصر [حافيز پاشا] على [سيد بەگك] جمع جنوده وتوجه نحو (موش) و( زاخو)، كان سكان هذه المناطق، من الكورد والأرمن، لا يدفعون الضرائب الى (استانبول) ويرفضون الانخراط في الجيش العثماني. أضاف [حافيز باشا] قوات دياربكر إلى قواته وكانت تتألف من ثلاثة ألاف جندي.{108، ص244}. أجاز العثمانيون الحق لأنفسهم بعدم الإكتفاء بالهجوم على الكورد المتحصنين في القلعة وإنما الهجوم على جميع القرى التي كانت تقع على طريقهم. اتسم نضال الكورد والأرمن بطابع الجماهيرية. كان واضحاً بأن خطة القوة العسكرية وأهدافها الهجوم نحو الجنوب الغربي ل (بحيرة وان)، لمحو مقاومة الثوار في هذه المنطقة. اتحد الكورد والأرمن في منطقة (ساسون) بزعامة [ حاجي زولال أغا]، أظهر النضال المشترك للأرمن والكورد في (لوجي) و (نيرجيك) مقاومة لا نظير لها. لم يكن هذا النضال والمقاومة مقتصرة على الرجال وحدهم، شاركتهم النساء وحتى الأطفال. يروى [گك مولتەكە] عن مشاركة النساء في المقاومة المسلحة للجنود ويذكر هجوم إمرأة على جندي عثماني وبيدها خنجر.{108، ص 53} . تحولت كل قرية كوردية الى قلعة، كانت مقاومة مناطق (گونج)، (بيكران) و(راشكوتان) أكثر من جميع المناطق الأخرى.{119، ص 53}. أنهك سكان قرى (خازر) و(خانى)والقرى المجاورة برئاسة [رجب بەگك] و[تيموربەگك] قوات [حافيز پاشا] بالاستفادة من الطبيعة الجبلية الوعرة لمنطقتهم، النقص في السلاح والعتاد وضعف التنظيم كان سبباً في عدم إمكان الوقوف طويلاً أمام الجيش العثماني الذي كان مجهزاً بعدد كبير من المدافع.
دمر [حافيز پاشا] كسلفه [رشيد پاشا] كوردستان بالحديد والنار. هكذا يصف [گك. مولتەكه] ما فعلته القوات العثمانية بسكان قرية كوردية:« قُتل عدد كبير من سكان القرية بالسلاح الابيض. هرب من إستطاع واختفى عن الأنظار، وانغمس الجنود في نهب البيوت الخالية ….! ذهبت الى [حافيز باشا] الذي كان واقفاً على تلة صغيرة ينظر الى المجزرة. أتوا بالمواد المنهوبة والأسرى إليه، نساء ورجال ينزفون دماً؛ شباب وأطفال مقطوعى الأذان، مقابل هذه الأعمال الخالية من الرحمة كوفئ كل جندي بمبلغ 50-100(پياسته ر). شكلت منظر الرجال الذين كانوا يجرعون الألم بصمت و عياط ونحيب النساء لوحة تقطع القلب.» {108، ص 247}. كانت الأعمال متوحشة لدرجة أن يعترف بأن « كانت الأعمال خالية من الرحمة»{108،ص 256}. ويحاول في الوقت نفسه تبرير أعمال الجيش العثماني بحجة أن [حافيز پاشا] كان مضطراً أن يتصرف على هذه الشاكلة لأن السكان لم ينحنوا و قاوموه في كثير من الأحوال.{108، ص 256 - 257}. ولكن الأحداث العالمية كانت سبباً في إيقاف [حافيز پاشا]، وإلا لم يكن يتوقف عن هجومه على كوردستان.
عدم اعتراف [السلطان] بحقوق [محمد على باشا] في مصر والأماكن التي احتلها كان سبباً في توقع إشعال فتيل الحرب بين الطرفين مجدداً. ولم تغمض بريطانيا عيناها وكانت مجريات الأمور تهمها كثيراً، عقدت معاهدة تجارية مع تركيا بهدف توسيع حدود تجارتها. {53، ص 66}. كان لبريطانيا عدد من الأهداف؛ فتح مصر أبوابها على مصراعيها لتسويق منتجاتها إليها. لتحقيق هذه الأهداف كان لابُد لها خلق المواجهة بين [العثمانيين] و[محمد علي پاشا]. جمع [محمد علي باشا] قوة كبيرة في سوريا، وكان رد فعل [السلطان محمود] الطلب من [حافيز پاشا] التخلي عن كوردستان والتوجه بقواته نحو حدود تركيا وسوريا بسرعة. لكي يواجه [السلطان] قوات مصر وسوريا باشر بتجنيد الجنود في كافة أنحاء (الأناضول الشرقية). باشر المسؤولون في (ارز روم) و (بغداد) بتشكيل القوات، ولكن التهيئة للحرب كانت تتقدم ببطء .
كان جيش [حافيز پاشا] في حالة ضعف وعجز،حسب أقوال من كانوا شهودَ عيان للأحداث. [ئينسفورت] الذي كان مهمته أن لا يُبعد [جيش حافيز پاشا] عن الأنظار، اعترف بهذا الواقع عندما يكتب:« الجنود كانوا منهكين، تمرضوا بسبب التغذية السيئة والماء والمناخ، مات منهم المئات، كان الجيش يذوب تدريجياً».{87، جلد 1، ص 95}. لم يعر هذا الواقع إنتباه (السلطان) لذلك أمر [حافيز پاشا] بالتوجه لمواجهة المصريين.
ولم تكن محاولات والى بغداد في تشكيل جيش مفرحة. كان أمل والي بغداد تشكيل جيش من إمارتي (بابان) و (بادينان)، الذي لم يتحقق، ولم يتمكن من تجميع هؤلاء لتشكيل جيش لغرض محاربة المصريين، كل ما تمكن المسؤولون العثمانيون في بغداد من تحقيقه تشكيل قوة صغيرة من عدة عشائر كوردية، التي تضررت كثيرا حالَ البدء بالقتال، انسحب قسم منهم وهربوا و اختبئوا في الغابات الكثيفة.{87، جلد 1، ص 347}. في حزيران 1839 اشتبكت القوات العثمانية مع محمد على باشا عند (نيزيپا) كانت النتيجة هزيمة الجيش العثماني. أثرت هذه الهزيمة على الاوضاع في كوردستان. لم يمضي الوقت طويلاً الى أن انتعش الوضع فيه وحركة الكورد تجددت أيضاً.
{{انتهت ترجمة الفصلين الرابع والخامس، سنخصص المقال القادم ل ترجمة ملاحظات جديرة بالإطلاع للدكتور كاوس قفطان الذي ترجم كتاب " أكراد الإمبراطورية العثمانية من الروسية إلى الكوردية" الواردة في مدخل الكتاب وفي ص 302 - 312 )}

وووو

حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن