في ضيافة مكتبتك / مع الاستاذ إحسان وفيق السامرائي حاورته بلقيس خالد

بلقيس خالد
2021 / 4 / 1

حين تأملت ُ مكتبة الأستاذ إحسان السامرائي وهي تمتد من الجدار إلى الجدار
رأيتني أما لوحة بصيغة بنوراما.. هنا مجلدات الروايات منضودة بلون أسود
وهنا كتب التاريخ والفلسفة تشكل أكثر من رفين ونصف الرف باللون الأحمر,
وهناك مخطوطات كبيرة الحجم مرتبة حسب أحجامها. وهناك صور للمؤلفين توثق لحظة ثقافية مع الأستاذ احسان السامرائي..
ورفوف كتبها بلون بني . وهناك فراغات بين الكتب وعرفت منه أن هذه الفراغات تنتظر عودة الكتب المستعارة من قبل طلبة الكليات وأصحاب البحوث
الذين يقصدونه ليستعينوا بكرمه الذي لم ينضب في كافة المجالات الثقافية والاجتماعية
فهو وجه من وجوه البصرة الثقافية،وحسب ما سمعت من ابناء اسرتي وبعض المثقفين:
أن الأستاذ إحسان السامرائي جعل من شاشة تلفزيون البصرة مضيفاً للمثقفين العراقيين والعرب،
وأطلق جريدة المرفأ البصرية فتحولت منصة لأديبات وأدباء العراق..وجعل من نادي الفنون ملتقى المثقفين وأقيمت فيه ندوات ثقافية وتشكيلية.

الاستاذ احسان السامرائي.. يصدّر كتبه في البصرة ويطبعها في مطبعة يوسف يعقوب حداد،
في منتصف السبعينات وكانت كتبه أنيقة في طباعتها وأسلوبها.. أهتم كثيرا بفن السينما و له برنامج تلفزيوني أسبوع،
وأنشغل بالفن التشكيلي وله كتاب عن الفنانين البصريين. وكذلك كتب عن تاريخ البصرة بعيدا عن جفاف المؤرخ بل من خلال تلويناته التشكلية وبنكهة عبير التوابل..
كما أصدر رواية ً عنونها(شتاء اللقالق) وهي روايته الثالثة، ولديه المزيد من كنوز المخطوطات بقلمه..
محاورتي معه من المؤكد لا تفي بالغرض كله، بل هي محاولة في تقدير الجهد الثقافي لحضور الاستاذ إحسان السامرائي الفاعل في الثقافة العراقية..
رافقني في هذا النشاط الثقافي الاستاذ مقداد مسعود




1- للكتاب الاول ..ماء لا ينضب ..هل يتذكر الكاتب والروائي والناقد التشكيلي
إحسان السامرائي ..أول كتاب ٍ اشتراه هو شخصيا ؟

*ورثت ُ المكتبة من أبي خريج الشريعة، يجلب لنا مجلة المختار والهلال ،كما أنني كنتُ استمع الى الإذاعة البريطانية (بي بي سي )
وأكتب مايذاع منها..كنا في السليمانية وتعلمتُ اللغة الكوردية ، كان هناك صاحب مكتبة اسمه (رؤوف معروف) كان ذلك في 1953،
وأخذت ُ أشتري منه قصص أطفال وأول رواية قرأتها (رسول القيصر) للروائي الفرنسي إلكسندر ديماس ، وأنا في العاشرة من عمري،
كما ورثتُ الجانب الفني ، من ذلك البيت الذي كنا نسكنه ، وهو بيت عائد لليهود ، وكانت الجدران كلها لوحات ،
وكنتُ أدخل في اللوحات وأتجول فيها ..يومها كنت ُ أحفظ مقاطع من روايات : تورجنيف ..دستويفسكي ..
وحين أنتقلنا من السليمانية ، إلى محافظة العمارة،كنت أشتري الكتب والدوريات والصحف ،من مكتبتيّ (الهاشمي) و(الرحماني)..يومها كانت الأحداث السياسية محتدمة جدا..
فمزقت أمي
رحمة الله عليها كتاب(بلاد الحريات المزيفة) خوفا علي من تهمة الشيوعية ..
لن أنسى ذلك الرجل الذي كان يعمل في وزارة الداخلية وهو من أقارب والدي ،كان يوميا يجلب لنا كل الجرايد والمجلات،
ذات يوم أرسل لوالدي (كتابي) وهي سلسلة بإشراف الكاتب المصري حلمي مراد...
(هنا يصمت إحسان السامرائي ...كأنه يحاول استعادة لحظة آفلة...فأحاول مساعدته بالسؤال التالي..


2- حلمي مراد..ماذا يعني لك هذا الاسم..؟



*يبتسم.. يلتقط السامرائي غليونه المشحون بتبغه المعطر، يأرثه.. يأخذ نفسا ويجيب :
حلمي مراد من فضائله عليّ هو أنه فتح لي فضاءً واسعا جدا ..ارشدني للمعرفيات الكبرى ..فتح شهيتي للكتب الموسوعية ..وفي 1977 حين زرتُ مصر ،
توجهت إلى حلمي مراد وزرته ،من خلال زيارتي لأحد معارفه، فزرته في أيلول 1977



3- مَن غير حلمي مراد ..أضاف لمكتبتك ضوءاً لن تنساه ..؟



* انه (فرقد عمران).. كان ذلك في 1955، البصرة القديمة ..قرب جامع (أبو منارتين ) ..فرقد ..هو من زودني بالكتب اليسارية.



4- ماهو دور والدك..كتبياً..؟



*والدي يرحمه الله ..لم يحرمني من الكتب ..بل شجعني ..


5- سوق الجمعة ..وتحديدا كتب سوق الجمعة في البصرة القديمة في تلك السنوات الذهبية ..ماعلاقتك بها..؟



*يبتسم، يرتشف من قهوته التي بردت ويقول
:كنتُ في الإعدادية، ومعي (يعرب..) و(ياسين رشيد) و(إبراهيم الظاهر) نقصد سوق الجمعة مبكرين ونشتري ماينفعنا من الكتب، ونتداولها بيننا.



6- لندخل شارع الوطن..ونقصد مكتبة ،قرب عراق سبورت ، أعني (مكتبة فرجو)؟



*يقهقه استاذ إحسان : أشتريت كثيرا من الكتب من عبدالله فرجو وشقيقه،
رغم ان مساحة القرطاسية كانت أوسع من الكتب العربية، خصوصا وانها اشتهرت ايضا بالكتب الانكليزية :
روايات همنغواي، دستويفسكي، ديكنز،..لكن لماذا لااتذكر الآن سوى كتاب فرانز فانون (المعذبون في الآرض)..
ربما لأن هذا الكتاب أحدث يومها ضجة خصوصا وان مقدمة الكتاب بقلم الفيلسوف سارتر..



7- كم نسبة الكتب المسروقة من مكتبتك؟



*تعرضت مكتبتي لسرقات كثيرا..



8- هل أرغمتك الأيام ..إلى بيع مكتبتك ؟



*نعم ..كان ذلك بعد إطلاق سراحي، من حكم قضيتُ منه سنوات لاتنسى ،
واليوم في السجن لايقاس بالزمن الطبيعي.. كان ذلك في سنوات الحصار ..ثم تراجعت ُ
رفضتُ ما اعددته للبيع وقلت لنفسي : كيف أبيع أصدقائي ؟! ثم أرغمتني الظروف فبعت ُ قسما منها، ثم....بعت ُ قسما آخر...



9- هل ثمة كتب في مكتبتك ،تعرضت – بسبب الوضع السياسي – للحرق أو التمزيق..؟



*نعم..كان ذلك في أواخر حكم عبد الكريم قاسم، وحتى مابعد ذلك أيضا ،تعرضت المكتبة لهجمات ،فأرغمتُ .
على دفن المكتبة، وهناك كتب أحرقتها


10- أتعس مشهد تتذكره تعرضت له مكتبتك ..؟



*بعد إلقاء القبض علي في مجزرة قاعة الخلد ..ست أيام حجل رجال الشرطة وصادروا ما يشاؤون من مكتبتي..



11- في رواية (451 فهرنهيت ) للروائي راي برادبري..تحترق الكتب ويسقط العالم بلا ذاكرة مطبوعات ورقية ،
فيقوم الناجون باستذكارات للكتب التي قرأوها...


هل فعل الاستاذ إحسان السامرائي ..مثلهم؟ ومتي؟ وأين..؟





*في السجن الاخير..كنا أنا وعقيد في الجيش اسمه عبد الواحد وسجين اسمه جعفر ذهب..

كنا نلتقط كتبا من رفوف مكتباتنا خياليا ونتحاور فيما بيننا



12- ماذا فقد الاستاذ إحسان ويشعر بألم بسب ذلك...؟




*فقدتُ دفترا يجمع بين دفتيه ذكريات جميلة مع أدباء وشعراء وفنانين...



13- وماحكاية الكراسي التي في مكتبتك..؟




*لكل كرسي حكاية، هذا الكرسي (ويشير الاستاذ إحسان بسبابته) كان يفضله القاص والروائي كاظم الاحمدي..
وذاك كرسي محمود عبد الوهاب ..والذي قرب النافذة
كرسي خالد السلطان والذي قرب المنضدة جدا كرسي مقداد مسعود ..
والكراسي تشمل عدة اسماء ولدي مشروع سردي بهذا الخصوص



14- أي الكتب من مكتبتك تختارها ..الآن..؟




*والله ..حيرة لا أعرف كلها عزيزة علي ومنها كلها تعلمتُ وهناك كتب جرحتها الشظايا ..منها (معالم على الطريق..............).




15- كتاب تعود الى قراءته بين فترة وأخرى؟





*كتاب (الامير الصغير)..




..................................
الحوار مع الاستاذ إحسان السامرائي ينتسب للنصوص المفتوحة وليس هناك حلقة أخيرة بإذن الله............

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول