انطباع أول.. بين الشاعر الكبير الحبوبي وشاعر مجهول

بلقيس خالد
2021 / 3 / 21

قبل أسبوعين اشترى ولدي كتباً لي منها (عراقيون في القلب) للمؤلف جليل العطية
وحين سألت ولدي عن السبب، تبسم وأشار بكفه اليمنى نحو العنوان
ثم صورة الغلاف التي تحتوي وجوها عراقية لا أعرفهم للأسف
فتشوقت لمطالعة الكتاب.وعرفت أن المؤلف يتناول ذكرياته بشكل مختصر مع كل شخصية

وذلك زادني حماساً..
في الكتاب صورة قلمية لمثقفين عراقيين أفذاذ.. الشعراء: عبد المحسن الكاظمي، بلند الحيدري ،
السياب، مصطفى جمال الدين وكتّاب عمالقة : شمران الياسري،أنستاس الكرملي، عبد الوهاب الأمين،
علي جواد الطاهر،علي الوردي، كوركيس عواد، جواد علي،ميري بصري،زكي الجابر، عزيز جاسم الحجية.. وغيرهم من الأفذاذ العراقيين.
ولكن لم أجد عراقية بين هؤلاء العراقيين من أمثال:
نازك الملائكة، عاتكة الخزرجي، نزيهة الدليمي، لمعان البكري وغيرهن من النساء العراقيات..
علما ان سنوات منتصف القرن العشرين كان الاختلاط مألوف بين الطلاب والطالبات..
فلماذا تغيبت المرأة الأديبة عن ذكريات المؤلف؟ الذي حافظ على ذكورية عنوان الكتاب.
والسؤال هنا هل كان الأديبات يتجنبن الأدباء؟ من باب التخلص من الشائعات؟ ربما لهذا السبب لم يرد ذكرهن في الكتاب.
اترك تساؤلاتي..

و اتوقف عند علاقة المؤلف جليل العطية مع الباحث العراقي الكبير عزيز جاسم الحجية
وهنا ينتقل المؤلف العطية ليجعلنا نصغي لما يقوله عن علاقة الحجية مع الشاعر السيد محمد سعيد الحبوبي،
ويكون الحديث عن موشح للحبوبي سار مسار الشمس :

(ياغزال الكرخ واوجدي عليك كاد سرّي فيك أن ينتهكا
هذه الصهباء والكأس لديك وغرامي في هواك احتنكا
أسقني كأسا وخذ كأسا إليك فلذيذ العيش أن نشتركا)

وكان لهذه الأبيات دويها العالي آنذاك بين الناس،
لكن أحدهم وقف وهو شاعر شعبي لم يعجبه البيت الثالث،
فراح يبحث عن الحبوبي واقتحم الصحن الحيدري في الكاظمية وسأل عن الحبوبي،فأرشده أحدهم إليه
ومكث الشاعر الشعبي ينتظر ريثما ينتهي السيد الحبوبي من درسه الفقهي
وجرت بينهما هذه المحاورة

(أنت السيد الحبوبي؟
نعم
أأنت قائل: ياغزال الكرخ؟
رد السيد بايجاب وتبرم متطلعا في وجه سائله الذي فاجأه قائلا
: أنت لست شاعراً! ولست صادقا في دعواك للحب!
كيف تؤثر نفسك على حبيبك وتشرب قبله؟
هلا قلت كما قلت أنا..
وهنا بادره الحبوبي قائلا : قل ماذا قلت لنستمع ماعندك؟)
وهنا سيرد الشاعر المطبوع ببيتين من قمة بلاغة الدارمي
(أتهنه بأوّل كاس والثاني ليه
يشكر لذيذ العيش نشرب سويه)
فقال السيّد الحبوبي : أحسنت. أقوم. لها وأقعد)

في هذه الحكاية درس في تواضع العظماء يتجسد في السيد والمجاهد والشاعر الحبوبي وبين عبقرية الشاعر المجهول الاسم الذي اضاف قوسا شعريا رائعا..

لكن من المؤسف في الحكاية ان الجندي المجهول فيها هو شاعر الدارمي الذي لم يذكر أسمه المؤلف ولم يذكره عزيز جاسم الحجية ولا ذكره الشاعر محمد سعيد الحبوبي الذي أجله، ..
يبقى الشاعر المجهول الاسم حيا في ذاكرتنا من خلال هذا البيت والفضل يعود الى المؤلف جليل العطية.. وربما من خلال هذا المقال سيتذكر أسمه احدهم.
............................

جليل العطية .. عراقيون في القلب/ دار المدى بغداد/ طبعة أولى 2020
ص/ 124

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول