نوحٌ يشبَهُني .. وحدهُ في السفينة

عماد عبد اللطيف سالم
2021 / 2 / 6

أستَيْقِظُ صباحاً
وأقولُ لكلّ شيءٍ يُصادفُ عيني:
صباحُ الخيرِ أيّها النهارُ القادم.
أفعلُ هذا بحبورٍ ، منذ سبعمائةِ عام.
قلتُ للجَدّةِ "غَزِيّة"
عندما جَرّتْني جرّاً من مشيمة "الشيخ علي" ، في الكرخ القديمة :
صباحُ الخير "جِدّة غَزِيّة".
ابتسَمَتْ "غَزِيّةُ" لي ، وأتذَكّرُ انّها قالت: ما شاء الله.
من يومها ، وعندما يلمسني الضوءُ أقول .. صباحُ الخيرِ..
مثل مصباحٍ حديث.
ومنذ سبعمائةِ عام ، كان هناكَ من يَرُدُّ عليّ ، وكان هناكَ من لا يَرُدّ.
ومنذ سبعمائةِ عام ، أتَذَكّرُ الصامتين
وأتذَكّرُ إمرأةً جَفَلَتْ
وأخرى قالت لي : "عود ليش"
وإحدى الطالبات قالتْ فقط : "ليش".
أنا أعرفُ أنّ "ليش" تعني "لماذا"
ولكنّني لا أعرِفُ لماذا النساء الغريبات ، لا يَقُلنَ لرجلٍ غريبِ الأطوارِ مثلي :
صباح النور يا "أخي" اللطيف.
في الحرب .. كُلّما استيقَظْنا فجراً من النوم ( هذا إذا نمنا) .. رَمانا " العَدوُّ" برشقَةٍ عذبةٍ من قذائف المدفعية "المهداد" عيار 175 ملّم.
كان "العريف" يقول : ليس هذا وقتها يا أبناء الكلبِ .. نحنُ "نتزقنَبُ" الآنَ .. ألا "تتزقنبونَ" أنتم؟
ومع أنّ "الزقنبوتَ" لم ينقطِع منذ ذلك الحين .. فأنا لم أنقَطِع عن قولِ "صباح الخير"، إلى هذا الحين.
وحدهم .. العشبُ ، والعصافيرُ - البلابلُ ، والحمامُ ، والنخلُ الذي أصبحَ بائِداً الآنَ ، وبساتينُ روحي.. يرُدّونَ عليّ : صباحُ النورِ .. صباحُ النور .
"موزارت" وحدهُ لا يَرُدّ.
موزارت الميّت
وموزارت الذي يموت
في كُلّ واحدٍ من هؤلاء الناس
الذين لا يقولونَ صباحَ النور
لنوحٍ يشبهني
وحدهُ في السفينة.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول