الديكتاتورية فى مصر..

رياض حسن محرم
2021 / 1 / 21

هناك مثل شعبى فى مصر يقول (قالوا لفرعون مين فرعنك ..رد ملقيتش حد يصدنى)، وذلك باعتبار الفرعون هو النموذج الخالد للإستبداد والديكتاتورية، مع أن الواقع هو العكس، وذلك لتكرار النموذج الإستبدادى بطول التاريخ فى مصر، وكأننا لا نملك حتى الحلم بالإنعتاق منه كما يقول" أمل دنقل" ( لاتحلموا بعالم سعيد..فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد).
ما أسهل أن ينسب المستبد كل المصائب التى تلحق بالبلد بنظرية المؤامرة وأن ينسب ما يحدث من اخفاق الى قوى خارجية من مخابرات وعملاء مسؤوليتها عن ذلك، ويستفيد من التلويح بنظرية المؤامرة تلك فى تشويه الخصووم السياسيين "ومنهم الحقوقيون والنشطاء" واتهامهم بالخيانة والعمالة لنفس القوى الخارجية تلك التى تعبث بقدرات الوطن، مع محاولة تخويف المواطن البسيط المنهك بخطورة هؤلاء ومسؤوليتهم عن اعاقة جهود الشرفاء للنهوض بالوطن، وذلك باعتبار أن المعارضة تتشكل من حفنة من الخونة والعملاء الذين يتآمرون على الأمة.
تكمن قوة نظرية المؤامرة في أنها تعفي الديكتاتور من أيّة مسؤولية عن جرائمه. فعندما يرتكب الديكتاتور أيّ خطأ، سوف يحيل السبب في هذا الفشل إلى تلك المؤامرة الكبرى، بغض النظر عن طبيعتها، ووصف أيّ شيء ينطوي على توجيه أيّ نقد له بلإشتراك فى المؤامرة التي يحيكها من يعتزمون إلحاق الضرر بالأمة، كما يعطى ذلك الديكتاتور الذريعة لعدم تحقيق الديموقراطية باعتبارها مدخلا يستخدمه أنصار المؤامرة فى تمرير الخيانة والتآمر.
الواقع أن المفكرين لا مكان لهم في الأنظمة الاستبدادية، خاصة الصحفيون والمدونين واليوتيبر، نظراً إلى أنهم قد ينفرون الجماهير بعيداً من الدكتاتورِ المخادع، ويوجهونهم نحو استخدام العقل، وهو ما يعتبر العدو المطلق في ظل أي نظام ديكتاتوري مُسيطر. إذ يعتمد الديكتاتورفي حكمه على المشاعر والكلام المنحنح لا المنطق.
أن السبيل الوحيد للتقدم والتحضر هو اتباع نظام ديمقراطى مدنى تعددى يحترم قيم المواطنة وحقوق الإنسان ودور المجتمع المدنى، كما أن زيادة الناتج القومى لو لم يعكس سياسة توزيعية عادلة فإنه يظل نظاما فاشلا، ولو أن تقدم الدولة ان لم ينعكس على نمط حياة مواطنيها فلا فائدة منه ويعتبر تقدم وهمى، إن الديكتاتورية ا تظل ديكتاتورية مهما سعت الى تجميل صناعتها، فهى نظام تسلطى لا يسمح بالتعدديات ولاسيما السياسية منها كما أنه يحتكر السلطة ولا يقبل بتداولها تحت أى ظرف! يقوم بكل إجراء من شأنه تأميم وعى الجماهير وخصخصة مشاريعهم الوطنية لتزوير وعيهم، ولا يقبل إلا بانتخابات محسومة سلفا تتم إجراءاتها عادة فى ظل ضغوط على أى أحزاب معارضة أو تيارات سياسية ممانعة وفى ظل انحياز تام من قبل أجهزة الدولة التنفيذية للحزب الحاكم أو التيار المدعوم من هذه الأجهزة!، كما ان الديكتاتوريات تقوم باتخاذ القرارات بشكل منفرد وسريع وغير مدروس لخدمة مؤسسات أو جماعات مصالح محدودة وعادة ما يتم ذلك بالاعتماد على الإلهام الشخصى للزعيم أو القائد السياسى الذى يعتمد هو وعدد محدود من المحيطين به على تقزيم أى منافس حالى أو مستقبلى حقيقى أو تخيلى حتى لو كان من داخل النظام نفسه أو محسوب عليه!

رغم أن الديكتاتورية هي أكثر الأنظمة التي عرفتها البشرية حضورًا في الحكم، فإنها الأقل اهتمامًا في مجال الدراسة المنهجية، وذلك رغم التشابه الكبير بين الديكتاتوريين على مر التاريخ، والحقيقة أن الديكتاتورية كنهج سلطوي يتحرك وفق رؤية وقواعد، ترتبط بأهداف وغايات، فالديكتاتور ليس رجلًا عفويًا في فكره وممارسته، ولكن ربما تمتع بذكاء كبير ومعرفة واسعة، ومن الخطأ النظر بسطحية إلى الجانب «البهلواني» في شخصية الديكتاتور، سواء في حركاته أو كلماته؛ لأنها قد تكون خادعة، وعادة ما يستطيع الديكتاتور أن يحافظ على استمراره، وذلك من خلال مؤسسات تدير عمليات القمع ومؤسسات أخرى تعيد عملية توزيع الثروة والموارد، كما أن طبيعة التحكم في تلك المؤسسات يحدد شكل الديكتاتورية، والديكتاتورية عادة تستخدم أداتين لبناء قوتها السياسية والحفاظ عليها: أولاهما القمع، فتزيل أي تهديد من المعارضة وذلك بجعلها خارجة عن القانون، أما الأداة الثانية فهي العطايا، لذا فالديكتاتورية مُكلِّفة اقتصاديًّا، كما يسعى الديكتاتور من خلال العامل الاقتصادي إلى خلق اعتقاد مزيف لدى المواطنين بأنه الأفضل لحماية مصالحهم، وهذا يضيف عبئًا اقتصاديًّا جديدًا على الديكتاتورية يتمثل في تكلفة التواصل مع الجماهير لإقناعها بالمشاريع التي ينفذها النظام.
إهذه حدى معضلات الديكتاتورية مع الاقتصاد، فهل يعمل الديكتاتورعلى تحقيق التنمية الاقتصادية ليتحكم في قدر هائل من الموارد تُمكنه من خلق الولاءات؟ أم يلجأ إلى الضرائب والمصادرات والخصخصة وبيع المشاريع التى تم اقامتها من قبل، أم أن الأمرين متلازمين كما يحدث هنا فى مصر.
منذ خمسمائة عام قبل الميلاد كان الإمبراطور الروماني يمنح الجيش العطايا، ويمنح مجلس الشيوخ المزايا، أما الشعب فنصيبه الخبز والسيرك؛ الخبز ليبقى حيًّا، والسيرك ليلهو، أما الديكتاتور، فينطلق ليمارس سلطته بلا قيد، والعطايا شائعة في الديكتاتوريات منذ القدم، وهناك طبيعة تبادلية للهدايا، فللهدية وظيفة سياسية، بل يصل الحال ببعض الديكتاتوريات إلى اعتبار كل عمل تقوم به هو هدية للشعب تستوجب الشكر عليها، وأن على الشعب أن يدفع مقابلها ولاءًا للزعيم. ومن ناحية أخرى، ترسخ الهدية فكرة ملكية الديكتاتور لأصول الدولة مواردها.
وفي إطار الأنظمة العسكرية الحاكمة يكون الاعتماد على الأجهزة الأمنية للاحتفاظ بالسلطة، وقد أظهرت التجارب التاريخية أن النظم العسكرية جميعها "التى تتميز بالضبط والربط"لا تمتلك القدرة على السماح بالمشاركة السياسية داخل أطرها، وفي حال تشكيلها لتنظيمات مدنية "كالبرلمانات" فإنها لا تسمح لها بمشاركة حقيقية، إن الجيش هو المتلقي الرئيسي لهدايا الديكتاتور فى صيغة رواتب وبدلات، وقد كانت المعادلة غير المكتوبة بين الديكتاتور والجيش فى الأمبراطورية الرومانية أن المنح مقابل الولاء للحاكم، ومع تزايد المنح، تتحول الدولة إلى جهاز إداري بشع لجمع الضرائب والمصادرات لتوفير الموارد للديكتاتور ليمنح جزءًا منها للجيش ليستمر في طاعته، وتتحول المنح إلى إقطاعات ومخصصات لقادة الجيش وتسليحه وانشاء مشروعات وهمية تضيف لبهرجة الحكم وليس لرفاهية الجماهير.

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار