العلاقات المصرية القطرية..الى أين؟

رياض حسن محرم
2021 / 1 / 15

في قمة العلا بالمملكة العربية السعودية طغى مشهد العناق الحار بين بن سلمان والشيخ تميم على كل ماعداه، بما يعكس حالة الود والحميمية التي سادت العلاقة بين الجزيرة والمملكة، وتم ما يعرف خليجيا ب"تبويس اللحى"، وعفا الله عما سلف، هذا المشهد الذى وضع مصر "وهى البلد غير الخليجى" في موقف شديد الإحراج، وكان عليها أن تتحسب لمثل هذا الموقف مقارنة بذلك الذى حدث عام 2014 حين وقعّت قطر على اتفاق ملزم يتضمن تفصيلات حول قناة الجزيرة وجماعة الإخوان، ولكن قطر لم تلتزم بما وقعت عليه ما سبب أزمة خليجية توجت بقطيعة وسحب السفراء.
التناقضات بين مصر والدوحة تقوم أساسا على احتضان قطر للإخوان، وتقديمها ملاذ آمن لهم، وتمويلهم لإستمرار صراعهم مع الجيش المصرى، وجعل قناة الجزيرة بوق دعاية لهم، وتوجيه اقسى وأشد الحملات الإعلامية ضد الدولة المصرية وقواتها المسلحة، فيما يمكن توصيفه كخلاف ايديولجى، بينما الخلاف بين باقى دول الخليج وقطر يعتمد كما يبدو على تناقضات اسرية وقبلية في الأساس مصحوبا بصراع أقل حدة على الثروات النفطية وهو ما يمكن طيه بسهولة.
في القمة الخليجية ظهر بوضوح عدم حماس باقى دول المقاطعة "عدا السعودية" لهذه الصيغة من المصالحة، وتمثل ذللك بوضوح في مستوى حضور هذه القمة، فقد غاب القادة الفاعلين في الأزمة، وفي مقدمتهم ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي كان من المرجح أن يشارك في القمة لكن أرسل وزير خارجيته، ما يعكس حالة من الفتور تجاه هذه المصالحة، ولكن سبق هذا الإحتماع تصريح لولى العهد السعودى يعلن فيه أن "القمة ستكون جامعة للكلمة موحدة للصف ومعززة لمسيرة الخير والازدهار، ولم الشمل والتضامن في مواجهة التحديات التي تشهدها منطقتنا"، وذلك كمؤشر قوى لخط السير المعلن، كما أن البيان الختامي "الذى أعدته السعودية" تضمن إقرار عملية المصالحة، ولم يملك الحاضرين الاّ التوقيع عليه بمن فيهم "سامح شكرى" وزير الخارجية المصرى، . ولكن كان من اللافت غياب الملك سلمان، وهو أمر غير مسبوق أن يتغيّب زعيم دولة مضيفة لقمة مجلس التعاون، ويمارس عمله الاعتيادي، عن رئاستها. وذلك بالرغم من أن صحيفة "عكاظ" السعودية سبق أن أكدت أن الملك سلمان سوف يلقي الكلمة الافتتاحية، وربما يعكس ذلك خلافات داخل الأسرة الحاكمة في السعودية، وبحسب البيان الختامي، فإن قادة دول مجلس التعاون أكدوا على تحقيق التعاون والترابط والتكامل بين دول المجلس في جميع المجالات، وتعزيز دورها الإقليمي والدولي، والعمل كمجموعة اقتصادية وسياسية واحدة للمساهمة في تحقيق الأمن والسلام والاستقرار والرخاء في المنطقة، هذا وقد كثفت واشنطن ضغوطها من أجل حل الأزمة الخليجية، وأصرت على أن وحدة الخليج ضرورية مع اقتراب نهاية رئاسة دونالد ترامب. وكان صهر ترامب وكبير مستشاريه جاريد كوشنر قد حضر القمة، وشهد التوقيع على اتفاق "الاختراق" في الأزمة الخليجية.
يبدو ان الرابح الأكبر من هذا الاتفاق هو قطر نفسها، التي لم تلزم نفسها "هذه المرّة"بأى قيد يحد من علاقتها مع ايران او تاييدها لجماعة الإخوان سوى بعض العبارات المطاطة الفارغة، وليس عليها الآن الاّ قيود أخلاقية فقط بتخفيف بعض أسباب الخلاف، وبحسب تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، يرى محللون من الصحيفة أن قطر التي لطالما اعتبرها جيرانها منشقة عن سياستهم، من المستبعد أن تنحرف عن سياساتها الراسخة لدعم الحركات االإسلامية في العالم العربى، ويبدو إنه بعد رفع السعودية الحظر الجوي والبري والبحري، كان من المتوقع أن تجمد الدوحة القضايا القانونية المتعلقة بالدولة التي رفعتها ضد منافسيها في مؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية ومنظمة الطيران المدني الدولي، وهو ما اعتبرته باقى دول الخليج مكسبا، وفى الحقيقة فان جوهر الخلاف هو تصور القادة السعوديين وولي العهد الإماراتي محمد بن زايد أن قطر لا تعرف مكانتها في نظام التسلل الخليجي، وتحاول باستمرار تجاوز ثقلها، وان تأخذ حجما يتجاوز قدرها الحقيقى.
علينا أن نقر أن الشروط ال13 التي اشترطتها دول المقاطعة الأربع على قطر كان مبالغا فيها بعض الشيئ، وفى ظنى أن الأمرلا يتطلب إغلاق قناة الجزيرة، فقط تلتزم قطر بعدم استخدامها للترويج للمحتوى المضاد للرباعية، وهكذا باقى الشروط حتى تلك التي تتعلق بالعلاقات مع ايران أو تركيا.
وهكذا فإنه يمكن القول إن المصالحة تمت استناداً إلى قراءة مختلفة عن القراءة ا. وتبقى أهم ضمانة لتنفيذ "اتفاق العلا" -وفق قول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في المؤتمر الصحفي بعد القمة- هي "الإرادة السياسية" للدول، فلا يتضمن الاتفاق أي قوة إلزامية لتنفيذه إلا تقديرات الأطراف لمصالحها الوطنية والمخاطر على أمنها القومي من جراء استمرار الأزمة. ينطبق ذلك على أطراف الرباعي كما ينطبق على قطر؛ فكل طرف يتصرف وفقاً لما يراه حفاظاً على ثوابته ومصالحه الوطنية.
كما أن هناك حسابات عدة دفعت إلى المصالحة الخليجية بقرار سياسي مسبق، وليس لتوفر شروطها أو استيفاء أسبابها، فهناك عوامل ضاغطة على صناع القرار بدول الخليج لأجل إنهاء الأزمة وتغليب المصالحة، أهمها التحديات السياسية والاقتصادية، والخسائر التي لحقت بدول المجلس من جراء الأزمة "بالرغم من انكار الجميع"، بجانب التكاليف الاقتصادية الناتجة عن وباء "كوفيد-19"، وتراجع أسعار النفط، وهو ما انعكس في خفض الموازنات العامة، وعجز الميزانيات، وتسريح العمالة، وتحولات سوق العمل. أضف إلى ذلك الاحتفال هذه السنة بمرور 40 عاماً على إنشاء مجلس التعاون الخليجي، واستقبال عقد جديد في تاريخ المجلس، كما أن لوصول بايدن والحزب الديموقراطى الى البيت الأبيض، وانقضاء عهد ترامب الذى تعامل بشكل سمسار مع دول الخليج، وكان لحضور وضغط "جاريد كوشنر" مستشاره وصهره دور أساسى في عملية المصالحة.

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار