الاحتلال وتفسخ المجتمع الاسرائيلي

خليل اندراوس
2021 / 1 / 8


سلسلة الاعتداءات العدوانية الارهابية التي تقوم بها اسرائيل والولايات المتحدة وتركيا وانظمة الاستبداد الرجعي العربي، وتنظيمات الارهاب النائمة داخل سوريا وفي اليمن والتي يحركها الثالوث الدنس يبعث على الالم ويثير لدى كل انسان مناصر للشعوب المضطهَدة والمظلومة روح التضامن الانساني مع الشعب والوطن السوري واليمني.



هناك ضرورة موضوعية للعودة الى بعض الاحداث التي حصلت خلال العقود الماضية خاصة في ثمانينيات القرن الماضي وما تلاها من احداث لكي نتعمق اكثر فأكثر في فهمنا ودراستنا بشكل جدلي للاحداث الاخيرة في منطقة غرب آسيا والشرق الاوسط.

في "الدراسات الاكاديمية" ووسائل الاعلام الغربي يُعرف عام 1985 بانه ذروة الارهاب في الشرق الاوسط، وهذا التشويه للوقائع وللاحداث في الشرق الاوسط كان ذريعة لـ "حرب ريغين على الارهاب"، فما جرى في تلك الفترة كان قيام اسرائيل بعدوان عسكري متكرر على لبنان، ويكفي ان نذكر عمليات "القبضة الحديدية" الوحشية التي شنها شمعون بيرس على جنوب لبنان، ورمى من خلالها الى ترويع القرويين، في المناطق اللبنانية التي تحتلها اسرائيل، والقصف الاسرائيلي لتونس الذي راح ضحيته خمسة وسبعون تونسيا وفلسطينيا "بمنتهى الوحشية" على حد وصف المراسل الاسرائيلي امنون كابليوك من موقع الغارة، وقد ساعدت الولايات المتحدة من جانبها بان احجمت عن إخبار حليفتها في ذلك الوقت تونس بان القاذفات في طريقها اليها، مع ان الاسطول السادس الامريكي المتواجد بشكل دائم في البحر الابيض المتوسط كان يعلم ذلك بكل تأكيد. وفي ذلك الوقت حظي الهجوم بإشادة من وزير الخارجية الامريكي آنذاك جورج شولتز، مع انه اُدين بالاجماع من قبل مجلس الامن لهيئة الامم المتحدة باعتباره "عملا من اعمال العدوان المسلح" (امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت وقتها).



فالأعمال الارهابية التي تقوم بها الولايات المتحدة واسرائيل تُستثنى من مدونة الارهاب الدولي واكبر مثل على ذلك الاعتداءات العسكرية على سوريا من قبل اسرائيل الآن. وهناك تقارير دولية برعاية الامم المتحدة وهيئات دولية اخرى تؤكد بان الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين والاحتلال الامريكي للعراق، والتواجد العسكري الامريكي في دول الخليج العربي – لا بل الامريكي والسعودية وانظمة الاستبداد الرجعي العربي في السعودية ودول الخليج بالكبت والقمع يؤثرون تأثيرا سلبيا على امكانيات التنمية البشرية بكل اشكالها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في العالم العربي، والدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة واسرائيل لأنظمة الاستبداد العربي على مدى عدة عقود يعمق ويعيق امكانيات التطور والتنمية في العديد من دول العالم العربي، واستخدام الولايات المتحدة المتكرر لحق النقض (الفيتو) دعما لاسرائيل يحد، بل منع ويمنع فعالية الامم المتحدة ومجلس الامن في احلال السلام في منطقة الشرق الاوسط وغرب آسيا، بل ويجعل العديد من دول العالم الغربي تتغاظى عن الجرائم التي يرتكبها تحالف العدوان السعودي على اليمن، والتغاضي بل دعم المؤامرة الارهابية الامبريالية الصهيونية العربية الرجعية التي تهدف الى تقسيم سوريا وتحويلها الى دويلات صغيرة بل كانتونات كردية سنية علوية درزية خدمة لمصالح اسرائيل الاستراتيجية في المنطقة من اجل فرض هيمنتها هي، أي اسرائيل والولايات المتحدة على المنطقة، وسياسات التطبيع الاخيرة مع الامارات والبحرين والمغرب والسعودية هي من تقييحات وافرازات هذه السياسة، أي سياسة الهيمنة الامبريالية الصهيونية على المنطقة.



وهنا اعود بالذاكرة لما جرى في العراق خلال القرن العشرين والعقدين الاخيرين، فخلال احتلال العراق من قبل بريطانيا عقب الحرب العالمية الاولى، مارست بريطانيا سياسات معادية لكل نشاط سياسي دمقراطي في العراق حيث رأت بريطانيا في هذا النشاط تهديدا للمصالح البريطانية في المنطقة.

وما جرى في بداية هذا القرن والقصد احتلال العراق من قبل التحالف الأمريكي الغربي، هو اكبر دليل على همجية ووحشية الامبريالية الامريكية والعالمية والصهيونية، فالتبرير الرسمي لاحتلال العراق كان الحؤول دون استعمال اسلحة الدمار الشامل التي لم يكن لها وجود اصلا في العراق. وخلال غزو العراق قامت الولايات المتحدة من خلال احتلالها وبالتعاون مع منظمات ارهابية امريكية مثل منظمة بلاك ووتر، بأعمال النهب والتدمير بلا ضابط، وتم نهب كنوز حضارية لا تعوض، لدرجة دفعت رئيس المعهد الامريكي للبحوث الاكاديمية في العراق ماكغوير غيبسون بعد سنتين من احتلال العراق يقول بنفس حزينة: "ان العراق يفقد ثقافته وثروته"، ففي ذلك الوقت كان اكثر من نصف عدد المواقع الاثرية في البلاد، بما فيها معظم المواقع السومرية الرئيسية قد دمر..، والامريكيون لا يفعلون شيئا حيال ذلك". ويأتي ترامب الآن ويطلق سراح مجرمي بلاك ووتر من السجن فيعيد وصول القوات الامريكية والذي اختفت معه 15 الف قطعة على الاقل من اصل 20 الف قطعة منهوبة. والمؤامرة على سوريا وحصارها الاقتصادي من قبل الولايات المتحدة والدول الاوروبية الغربية وآخرها قانون قيصر لهو تصرف ارهابي وحشي تمارسه الامبريالية العالمية ضد سوريا الشعب والوطن وضد الشعب والوطن العراقي، وهنا نذكر بان الرئيس كلينتون رغم معرفته بان سوريا لم تتورط بأي عمل ارهابي، رفض ان يرفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للارهاب لأنها رفضت الموافقة على شروط "السلام" بل الاستسلام الامريكية الاسرائيلية.

والآن ما زالت الولايات المتحدة تمنع وتعرقل وتفشل كل سبيل لحل دبلوماسي عادل للقضية الفلسطينية، ففي عام 2002 طرح "اتفاق جنيف" الذي طرح وصيغ بشكل مقترحات مفصلة لحل قائم على دولتين من قبل مفاوضين اسرائيليين وفلسطينيين غير رسميين انما لهم وزنهم، ولقيت تأييدا من الاجماع الدولي العريض، باستثناء الولايات المتحدة، واسرائيل التي رفضت الاتفاق جملة وتفصيلا.



وحتى بعد اتفاق "اوسلو" الذي لم يشر من قريب او بعيد الى الحقوق الوطنية الفلسطينية ارتسمت اهداف اسرائيل التي عمل لها "حمائم" اسرائيل في ذلك الوقت بخطوطها العريضة في نشرة اكاديمية اصدرها عام 1998 شلومو بن عامي الذي اصبح فيما بعد كبير مفاوضي ايهود باراك في محادثات كامب ديفيد 2000، كتب بن عامي يقول:

"كان المراد من عملية اوسلو السلمية هو ان تؤدي الى حالة من التبعية الاستعمارية الجديدة الدائمة" يعيشها الفلسطينيون في المناطق المحتلة، مقرونة بشكل من اشكال الحكم الذاتي المحلي، وبالفعل تواصل الاستيطان الاسرائيلي في المناطق المحتلة، والمتواصل الآن، بهدف تحويلها، أي تحويل الضفة الغربية الى كانتونات بصورة مطردة، وكل هذه السياسات الكولونيالية الاستعمارية العنصرية الشوفينية مشفوعة بدعم امريكي دائم، وآخر هذه السياسات التي تعمل من اجلها الولايات المتحدة واسرائيل كانت صفقة القرن الفاشلة والتي رفضها الشعب العربي الفلسطيني بدعم محور المقاومة وتحولت الى صفعة في وجه ترامب ونتنياهو، ومع كل هذه السياسات العدوانية الاجرامية الاستيطانية التي تمارسها اسرائيل ضد الشعب العربي الفلسطيني تأتي الامارات والبحرين والمغرب والسعودية ومستقبلا قد تظهر دول عربية اخرى، وتمارس سياسة التطبيع مع الغاصب والمحتل والمتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني العادلة من خلال اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين.

ما فعلته دول "التطبيع" ما هو الا خيانة وطعن بالسكين في ظهر الشعب الفلسطيني المناضل، وتهدف دول التطبيع الى خلق نوع من حلف شبيه بحلف ناتو – امريكي اسرائيلي صهيوني – عربي رجعي للهيمنة على المنطقة وضد محور المقاومة، ولكن مشروع الثالوث الدنس المذكور مصيره مزبلة التاريخ.

ان رفض حكام اسرائيل على مدى عقود القبول بتسوية سياسية انما يدفع باسرائيل "على الطريق المؤدي الى الكارثة" وكما كتب احد الاوائل المناوئين للاحتلال وهو يشعياهو ليبوفيتش حيث قال بان اضطهاد شعب آخر سوف يؤدي حتما الى انحلال خلقي خطير والى فساد وتفسخ داخلي، وهذا ما يحدث الآن داخل المجتمع الاسرائيلي من فساد وتفسخ وانحلال خلقي، ويجري تساهل بل دعم اوباش اليمين الديني الاصولي العنصري، ليس فقط هنا داخل اسرائيل بل وايضا من قبل اليمين الصهيوني العالمي خاصة الامريكي.



في كانون الاول عام 2002 اقدم بوش الابن وللمرة الاولى على نقض المعارضة الامريكية لعملية ضم القدس، وأقدمت الولايات المتحدة في فترة حكم بوش الابن على التصويت ضد قرار آخر للجمعية العامة للامم المتحدة يدين الضم. وفي فترة حكم ترامب تم نقل السفارة الامريكية الى القدس والاعتراف بالقدس كمدينة "موحدة" عاصمة لاسرائيل.

سياسات اسرائيل والولايات المتحدة هذه لن تؤدي لا بل تقضي عمليا على اية امكانية لحل القضية الفلسطينية حلا عادلا، فقط صمود ووحدة ونضال الشعب العربي الفلسطيني المثابر والشعبي سيحقق النصر لقضيته العادلة فالوحدة الوطنية الكفاحية الفلسطينية هي الطريق الوحيد لانتصار قضيته العادلة وبدعم محور المقاومة والمجتمع الدولي، اما انظمة الاستبداد العربي الرجعي المطبعة مع اسرائيل فمصيرها الفشل الذريع ومزبلة التاريخ.

ونحن الذين نحمل الفكر الماركسي – اللينيني، الفكر المادي الجدلي والتاريخي سنبقى ركيزة راسخة في النضال ضد طبقة رأس المال، التجار بدم الشعوب وضد الصهيونية العنصرية وضد الرجعية العربية، وسنبقى نحمل رسالتنا القومية – الاممية، الاممية القومية، الانسانية ومناصرين للشعب العربي الفلسطيني وقضيته العادلة، ولن نقبل بعناق يهوذا الاسخريوطي نتنياهو، كما يفعل البعض بتوجيه من دول التطبيع.