انتفاضة أنصار ترامب وعالم ما بعد المسألة الأوربية

حاتم الجوهرى
2021 / 1 / 7

في السنوات الخمسة الأخيرة طورت مفهوما وفق قراءتي للتدافع الحقيقي في المشهد العربي والعالمي، باسم "المسألة الأوربية" ثم "ما بعد المسألة الأوربية".
كانت فكرتي أن التدافع حول مشروع الثورات العربية الجديدة في القرن الحادي والعشرين، ليس تدافعا محليا عربيا فقط بين طموح جماهيري تجاوز نخب اليمين واليسار والمركز العسكري لقلب "دولة ما بعد الاستقلال"، بل تصورت أن حراك الثورات العربية محوره تدافعا عالميا قاسيا، لأنه يقدم "مفصلية ثقافية" كامنة، تتجاوز "المفصلية الثقافية" العالمية السابقة والتي تتمثل في شعارات الحالة الأوربية، والمسارات الجاهزة التي تقدمها للبشرية، وشبكات المصالح والعلاقات والتراتبات المادية والمعرفية والاجتماعية والتاريخية والثقافية، التي تكونت حولها يسارا ويمينا.
وأردت أن أضع مفهوما كليا يختصر "المفصلية الثقافية" السابقة للحالة الأوربية، وما وصلت إليه من تكلس، وآثار هذا التكلس على الوجود البشري كله، سواء في الجانب الرسمي أو الجماهيري، الشعبي أو النخبوي.
وتوصلت إلى مصطلح "المسألة الأوربية" ومتلازماتها، وأقصد بمتلازماتها عقدها النفسية الثقافية ومساراتها التي فرضتها على العالم، كأنظمة معيارية لضبط الحالة البشرية وفقها ودون سواها.
وصار لدي تعريف يتشكل على مهل لذلك المفهوم الوليد "المسألة الأوربية"، وشيئا فشيئا استطعت الوقوف على مكوناته الأساسية والمحددات الحاكمة له، وعندما وصلت إلى تفكيكه لعناصره المؤسسة توصلت إلى نتيجة.
أن هذه العناصر الكامنة ستظهر، وأن التناقضات التي ترتبت على ما أسميته "المسألة الأوربية" ومتلازماتها وصلت لذروتها، وقد تتفجر في أي وقت معلنة عجز "المسألة الأوربية" وآثارها عن الصمود أكثر من ذلك في وجه التطور البشري، وأنها وصلت لحدها الأقصى في الحياة.
ورأيت أن وصول ترامب للسلطة هو حلقة تكاد تكون أخيرة في الكشف عن كوامن "المسألة الأوربية"، في الموجة الحضارية الحالية (الثالثة)، التي بتفكيكها وجدت أن العامل المؤسس فيها هو القبائل الجرمانية البرية المتطرفة التي سكنت شمال أوربا، واجتاحت الموجة الحضارية (الثانية) الرومانية التي تسبقها، قبل أن تؤسس لنا قلب العالم الغربي الحديث ودوله، حيث أنشأت الدول المعروفة باسم: فرنسا، انجلترا، أسباينا، ألمانيا، ثم تمددت إلى العوالم الأخرى في مستعمرات جديدة أبرزها أصبح ما يعرف ب"أمريكا".
وتصورت أن "المسألة الأوربية" ومتلازماتها الثقافية ومحدداتها الكامنة، قد وصلت لمداها الأقصى في التعايش مع أمريكا عبر القيم المتطرفة للجذر "الجرماني البربري" المكون لها، وبات تفجرها مسألة وقت لا أكثر.
خاصة مع صعود ترامب ومحاولته اختبار خطاب الهمينة الامبراطوري بجذوره البرية التي تعود للعنصر الجرماني المتطرف، ومحاولته اختبار ذلك الخطاب في الصدام مع روسيا وكوريا والصين وإيران، ثم توصله إلى أن الحاضنة العربية بوجود الصهيونية هي الموقع المثالي لاختبار خطاب الهيمنة، حيث جرت وقائع صفقة القرن وتمريرها عبر استغلال التناقضات التي فجرتها أصلا "المسألة الأوربية" عربيا، في مرحلة الاستعمال في القرن الماضي وما قبله.
وكانت ذروة التدافع بين "المفصلية الثقافية" العربية الثورية الكامنة وبين "المسألة الأوربية" ومتلازماتها، في عدة محكات أبرزها إعادة إنتاج مشروع ثورات الميادين في مدن أوربا وأمريكا مع الموجة الأولى من الثورات العربية مطلع العقد الثاني من القرن الجديد، وكذلك مع انتفاضة الأمريكان الأفارقة ضد العنصرية الأمريكية العام الماضي.
لذا تشكل ضد ترامب في أمريكا ذاتها تحالف غير معلن مضاد لـ"المسألة الأوربية" ومتلازماتها العنصرية والثقافية والفكرية، يمينها ويسارها كمؤشر لظهور "عالم ما بعد المسألة الأوربية" يصطف إلى جانب "المفصلية الثقافية" العربية الكامنة، التي كانت واضحة وجلية في تخطيها لمتلازمات "المسألة الأوربية" حينما أصرت كتلتها الرئيسية على رفض شعارات اليمين واليسار العربيان، اللذان هما رد فعل لـ"المسألة الأوربية" التاريخية.
ما حدث بالأمس واقتحام أنصار ترامب لمبنى الكابيتول الأمريكي، كان نتيجة للاستقطاب الذي قاده ترامب والذي فجر تناقضات "المسألة الأوربية" القديمة، فأبرز تعاليها العنصري الذي يختبأ خلف رطانات كثيرة، قد يظن البعض أن المسألة شكلية، وأن شعارات الديمقراطية الليبرالية ستحل الأمر وتتجاوزه سريعا.
لكن الحقيقة التي لا يريد أن يراها الجميع والتي ستحمل لهم المفاجاة يوما، بأن المشكلة تكمن في بنية "المسألة الأوربية" ومتلازماتها الكلية التي انتهت قدرتها وصلاحيتها على احتواء التطور البشري، وأن تجاوز "المسألة الأوربية" إلى عالم ما بعدها أصبح قريبا.
وربما يكون للذات العربية دور كامن باعتبارها تختلف عن المشروع الصيني، لأن المشروع الصيني ما زال يكبل نفسه بالقول بالانتماء لـ"المسألة الأوربية" وثنائياتها المتعارضة بين الليبرالية والماركسية، رغم أن بنيته الاقتصادية لا تنتمي للمفاهيم الماركسية.
خصوصية الذات العربية في "مفصليتها الثقافية" الكامنة، وأن كتلتها الجامعة تتجاوز بوضوح ومباشرة شعارات "المسألة الأوربية" كلية.
وتبقى الكلمة للزمن والتطور البشري ليحدد صلاحية الأشياء والأنماط البشرية الكامنة والسائدة، ومدى قدرتها على الاستمرارية من عدمه، وموعد إزاحة السائد وظهور الكامن.

يتبقى فقط الإشارة إلى أن هناك بحث موسع لي قيد النشر بعنوان:

" ما بعد المسألة الأوربية: كورونا كـ"مفصلية ثقافية" للذات العربية"
Post European Question: Corona as a Cultural Articulation for the Arab subject

وأنني أعمل منذ فترة على تحويل البحث إلى كتاب ودراسة موسعة

وآمل ان تصدر قريبا أيضا.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية