دور الجمهور في ترشيد الخطاب الدينى

رياض حسن محرم
2020 / 12 / 30

لقد مرّت مصر "تحديدا" عبر تاريخها الحديث بالكثير من التغيرات في الذهنية الدينية نقلتها أكثر من مرّة في اتجاهات متعارضة ومتضاربة أحيانا، واعتمد ذلك بالضرورة على نظم الحكم التى تسيدت في حقب مختلفة، في عهود الملكية والحقبة الناصرية وفى زمنى السادات ومبارك، وبعد المرحلة الليبرالية التي عمت مصر والمنطقة العربية خلال النصف الأول من القرن العشرين، لم تؤدِ عملية التحديث الممتدة عبر حوالى قرنين إلى التمييز بين مجال السلطة السياسية والمجال الديني للأفراد والجماعات، أو الفصل بينهما، بل أدت إلى هيمنة الدولة على "الدين الرسمى" ودمجها لمؤسساته الدينية أو الشعبية (الأزهر والأوقاف) داخل بنيتها البيروقراطية، على نحو جعل من خطابها الديني تابعاً لخطاب الدولة، كما لم تنتج عملية التحديث لقيام دولة علمانية بالمفهوم الحداثي الليبرالي، إذ إن البيروقراطية ظلت وفية للتراث الفقهي الإسلامي، الذي تم دمج أصوله والكثير من أحكامه عبر التشريعات المتراكمة داخل المدونات القانونية اللامتناهية، فقد نجحت تيارات "الإسلام السياسي" في التشكيك في دور المؤسسات الدينية المحسوبة على الدولة " الأزهر والإفتاء والأوقاف"، واستطاعت ان تنتج فقها موازيا ساد الساحة الشعبية واستطاع أن يزيح الفقه الرسمي ويعتبره في الأغلب فقه الحاكم، تم ذلك تحت سمع الدولة وبصرها على مدى ما يقرب من قرن، وقد كان لسقوط دولة الخلافة في أنقرة على يد نظام علمانى معاد للرؤية الدينية وتدخل دور الدين في الحكم الدور الأساسى لما وصلنا اليه، ان المؤسسات الدينية الرسمية تلعب أدواراً متعددة، تشمل الانخراط في قطاعات الأوقاف، والبر والإحسان، والإرشاد، وتفسير النصوص الدينية، والتعليم، والصلاة، وقانون العائلة، والإعلام المرئي والمسموع، كما تتعرّض سلطة الأصوات الدينية الرسمية على نحوٍ مطّرد إلى التحدي من قِبَلْ أطراف غير رسمية. (بعض هذه الأطراف توجد كليّاً خارج الهياكل الرسمية)، لكن بعضها الآخر قد يجد ملاذاً في أجزاء تتمتع بقدر من الاستقلال الذاتي في المؤسسات الدينية، مايضيف مزيداً من التعقيد على المشهد الديني في العديد من البلدان، بالنسبة إلى أولئك الذين يسعون إلى إنزال الهزيمة بالإيديولوجيات المتطرّفة، فإن التحالف مع الأنظمة السلطوية ومؤسساتها الدينية يبدو خياراً جذّابا. لكن هذه المقاربة، عبر طرحها توقعات غير واقعية حول ماتستطيع الأنظمة ومؤسساتها أن تفعل "أو ماهي مستعدة لفعله"، وأيضاً عبر استنساخ الاستراتيجية التي غالباً ماتَهزُم نفسها بنفسها بسبب اعتمادها على أدوات السيطرة السلطوية لمكافحة الحركات والأفكار المُنشقة والمُتمردة، لن تقدم شيئاً سوى أوهام الحلول.
أن المشاعر والتحيزات الدينية لدى النخب السياسية والبيروقراطية (الإنتليجنسيا) لعبت دوراً في التأكيد على "تدين" الدولة، بل وعلى دورها في ممارسة رقابة دينية وأخلاقية على المجتمع. وبشكل ما، كانت الدولة مسؤولة عن تفشي الظاهرة الأصولية في المجتمع، حيث أفسحت المجال في العقود الأربعة الأخيرة أمام تيارات "الإسلام السياسي" لتقوم بعملية "أسلمة" واسعة النطاق للمجال العام، بينما اقتصر دور الدولة على المجالين الأمني والسياسى، وقد أدت ثورة 30 يونيو 2013 في مصر، وما تلاها من تداعيات ومواجهات بين الدولة المصرية وقوى الإسلام السياسي المعارضة لإقصاء جماعة الإخوان عن الحكم، أقول أدت إلى ازدهار الحديث عن "التجديد الديني". ودار هذا الخطاب حول نقد أطروحات الإسلام السياسي، ومحاولة تقديم "الإسلام السني الوسطي" المطعم بالطابع القومي المصري باعتباره الإسلام الصحيح في مواجهة "الإسلام السياسي" الذي تميز بالانحراف العقدي والفكري، فضلاً عن الإرهاب والعنف، ووصل الأمر برئيس الدولة أن يطالب ب "ثورة دينية" لا مجرد تجديد أو إصلاح للخطاب الدينى، إن هذه الحالة، التي زاد منها تراجع وضعف الدولة المصرية ككل في الأعوام العشرين الأخيرة على وجه خاص، أدت إلى حالة من جمود الفكر الديني العام في مصر، وهو الجمود الذي أنتج هيمنة قراءات محافظة رسمية وغير رسمية للدين؛ وبالتالي تقتضي الثورة الدينية، سواءً كانت تستهدف مراجعة النصوص المنتجة للأصولية أو ما وراء ذلك من قضايا دينية، مراجعة الدولة لدورها الديني ولعلاقتها بالمؤسسة الدينية، فالدولة يجب ان توجه فقط، بينما لا تضع مؤسساتها الدينية في علاقة تبعية، فيما ينبغي على هذه المؤسسات أن تقوم بفتح المجال الديني على قراءات أكثر تحررية وتقدمية للدين من دون أن تستند لسلطة الدولة أو لهيمنة المؤسسة، وقد تميزت حركة الإصلاح الديني في مصر بنخبويتها الشديدة، وضعف انتشارها الاجتماعي ومن ثم تأثيرها الفعلي، وعندما تمت ترجمتها إلى حركات اجتماعية سرعان ما استولت عليها حالة "التسيُس" بما أدخلها في صراع مزمن مع الدولة (بدأت جماعة الإخوان كامتداد لفكر الإصلاح الديني وانتهت إلى طائفة سياسية متصارعة مع الدولة)، كما أن المجال العام في مصر يكاد أن يخلو من حركات اجتماعية أو ثقافية ضاغطة تضع الإصلاح الديني أو الثقافي على رأس أولوياتها، ممثلة في الفكر الليبرالى أو اليسارى، وبالتالي تتسع قضية الإصلاح الديني الشامل لتصبح مسؤولية المجتمع ككل لا الدولة أو مؤسساتها فقط.
لكن علينا "ونحن نتفحص الحالة العامة على المستوى العالمى"، أن نجد ان الغرب الحديث يتقدم فى العلوم والتكنولوجيا بالترافق مع عودة للتدين فى المجتمعات الغربية، يقترن ذلك بنمو "اليمين الشعبوى" في تلك المجتمعات، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وقد لوحظ أن الدين يعود بقوة، ليصبح أكثر حضورا فى المجال العام بعاداته وطقوسه وروحانياته الخاصة والعامة، لكن الجديد فى هذا الأمر، أن يكون االقرن "الحادى والعشرين" هو العودة للدين وانبعاث المارد اللاهوتى من جديد، هناك مؤشرات كثيرة تدل عليه أبرزها أن هناك نقدا عاليا ومرتفعا ضد العلمانية لصالح الدين، وقد لوحظ أننا في بلدان الربيع العربى قد اكتشفنا أن العامل الدينى المحرك والثورى وتهميش العامل العلمانى، فعالمنا العربى والإسلامى قد سيطرت عليه حالة من الإرتداد السريع للتدين الشكلى،(ظهر ذلك جليا في نتائج الإستفتاءات والإنتخابات التشريعية). لكن المتابع للدول التى قامت على العلمانية "في الغرب" يلاحظ أيضا سقوط أقنعة بعض السياسيين الغربيين ليظهر خلفها رجال دين متعصبون (نتائج الانتخابات فى ألمانيا وفرنسا) ، كما ان الموقف من أزمة المهاجرين والإسلاموفوبيا، والموقف من الحجاب.... إلخ. وعلينا أن ندرك أن هذه الأمور لا تعنى اليوم ولا فى المستقبل سقوط العلمانية التى سفكت هذه البلاد دماء غزيرة لتحقيقها ضد سيطرة المؤسسة الدينية، ولكن تعنى أن هناك تناغما جديدا بين الدينى والعلمانى، وعلينا أن نعى التأثير المتبادل بين الشرق المحافظ والغرب الديموقراطى، ان الحديث عن افتراقهما الحدّى هوحق يراد به باطل، فالغرب لم يعد هو الغرب المستعمر فقد أصبح هو مركز العالم وما عداه هامشى، وهم يصوغون عقل العالم اليوم من خلال التواصل الاجتماعى وغيره من الوسائل الحديثة والنموذج الذى وصلوا إليه فى الغرب "المسيحية كدين والحداثة كنهضة علمية وصناعة وقومية متعالية ومتوارثة من زمن الرومان"، هو النموذح الذى سيترك بصمته على الحياة عموما، فالغرب ما زال هو الذى يقرر ويقود.
اذن نحن فى حاجة إلى دين يحقق الحاجات الروحانية ويحافظ على المتطلبات العلمانية، ويتأتى ذلك من خلال صناعة الدين من أعلى من موقع السلطة بحيث تحدد السلطة نوعية الدين مع سيطرة على الخطاب الدينى الإعلامى الذى يوجه الجمهور وغالبا ما تقوم السلطة بحماية هذا النمط بتشريعات قانونية وأنظمة تضمن بقاءه وانتشاره، يتواكب ذلك مع صناعة الدين من أسفل وذلك من خلال المؤسسات المجتمعية وتهميش صناعة الدين من الخارج "نماذج معملية مصنوعة في صوب حرارية معقمة"، تلك هي حقائق لا تقبل التأويل.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب