أسطورة عراقية في هذا الزمن أسمه كامران

محمد الكحط
2020 / 12 / 11

أسطورة عراقية في هذا الزمن
أسمه كامران

بقلم: محمد الكحط
عندما تتجسد صفات في إنسان لتكون شخصية شعبية جماهيرية وتتفوق على الشخصيات السياسية الحالية التي رغم البهرجة والإعلام والتلميع ومهما كانت إيجابية، يتطلب منا التوقف والتأمل فيها.
هذا الشخص الذي أتحدث عنه، لم أعرفه أو التق به، لكنني فوجئت بالكم الهائل من الكتابات عنه والتي تعكس طيبته وعطاءه والذي نثر الحب في كل مكان حل فيه، هكذا إنسان جمع كل خصال القيم الإنسانية وجمالها و بهائها في تعامله مع الآخرين، هكذا إنسان أصبح نادراُ اليوم، لا أتحدث عن خيال، بل عن شخص أعتبره أسطورة عراقية في هذا الزمن الردئ، شخص وحد جميع العراقيين الذين عرفوه في حبه، وتحمل الكثير من الآلام وقسوة الحياة، وأعطى الكثير من الحب والتسامح والود الذي ليس له حدود.
تابعت أصابته بفايروس كورونا ورقوده في المستشفى من خلال دعاء أصدقائه وزملائه من الشمال الى الجنوب، وما كتبوه عنه وأملهم بأن ينجو من هذه الجائحة، واستغربت ما قرأته، لكن القدر أراد أن ينهي سيرة حياة هذا الإنسان مع زميله الذي رافقه في المستشفى والذي أبى أن يبقى دون صديقه الوفي فغادرا الحياة معاً..... أما بعد إعلان وفاتهما، فقد ضجت مواقع الإنترنيت بالحزن الكبير والألم الشديد على فقدان هذا الإنسان وزميله، بكاه العرب قبل الكرد، والصغير قبل الكبير وزميلاته قبل زملائه، لقد جسد هذا الإنسان بسلوكه وحدة الشعب العراقي بصدق، وليس كما يدعي السياسيون القومجيون والذين يدعون الأيمان وغيرهم زورا وبهتاناً، كان انتماؤه واحدا للشعب العراقي وللعراق، كيف حصل كل ذلك، ومن هذا الإنسان الذي لم تذكره الفضائيات ولا الجهات الرسمية بشيء.


انه إنسان بسيط ذو سلوك راق، إنه المهندس الزراعي كامران حميد عثمان (أبو شوان) مواليد كركوك عام 1964 متزوج وله 3 أولاد و3 بنات خريج كلية زراعة جامعة بغداد قسم التربة مهندس في زراعة أربيل توفي 28/11/2020، دخل جامعة بغداد كلية الزراعة في العام الدراسي 1984-1985، وتخرج في العام الدراسي 1988-1989، وزميله واجد فاتح.. قسم الارشاد..وكامران حميد خريجي سنة 1989 كلية الزراعة جامعة بغداد كلاهما من كركوك انتقل كامران بعدها الى اربيل.
وبين 1964 حيث ولادته و2020 حيث وفاته بنى كامران له صرحا كبيرا من المحبة في نفوس كل من عرفه غرس حب الشعب الكردي لإخوانه في الوطن، وزرع صورا رائعة للتآخي الحقيقي بعيداً عن الحساسيات والحقد والمنافع والمحسوبيات، لأنه يعرف أن جلادهم واحد، مهما كانت هويته، أما هم جميعا أبناء وطن واحد، وتاريخ واحد ومستقبل واحد، فلا عجب أن يقيم له زملاؤه في بابل وفي مدن أخرى مجالس عزاء.
لقد كتب عنه الكثيرون، صفحات لا عد لها إذ أنقل لكم بعضها لتعكس بعض ما غرسه هذا الإنسان فيهم... لأترككم في جولة من تلك الكتابات لتتعرفوا عليه أكثر.

فقد كتبت أحدى زميلاته ژاله عبد الكريم ((أرقد بسلام، لقد اتعبك غدر الزمان، ارقد بسلام، لقد تحملت هموم الحياة بما يكفي لقد حان الآن أن تترك كل المتاعب، عفوا قد تخونني ذاكرتي في جمع ذكرياتي مع الأخ كاكه كامران ولكن بحكم صداقتي الأخوية معه منذ أيام الكلية وقربي منه ومن عائلته أحببت أن أكتب ولو نبذة مختصرة عن صديقكم وأخوكم، تعرفت عليه في الصف الأول شابا مثقفا واعيا رزينا ورجلا بمعنى الكلمة بالرغم من صغر عمره كان يبتسم بهدوء ليداري مجموعة من المشاكل، كان كلامه قليلا، عرفت بأنه يتيم الأم، والوالد متزوج من زوجة أخرى ونادرا ما يرجع إلى أهله مثل بقية الطلبة أو يعود بحقيبة فارغة دون مأكولات، لأنه بلا أم حنون، وبعد سنة استشهد أخوه عن عمر ٢٢ تقريبا حيث كان پيشمه رگه ويحارب النظام البائد، وبذلك عرفت سر ابتسامته الهادئة وقبل إكمال الكلية استشهد أخوه الثاني في فاجعة الأنفال، انقطعت الأخبار بيننا بعد التخرج في سنة ١٩٩٨ وبسبب الظروف السياسية السيئة في كركوك انتقلت مع زوجي إلى أربيل وشاءت الصدف أن أتعين في دائرة الزراعة، وفي اليوم الأول من دوامي أرى كاكه كامران في نفس الدائرة، فرحتنا كانت كبيرة بأن التقي بزميل الكلية وإعادة ذكريات الكلية، وعلمت منه بأنه متزوج ويربي عائلة اخيه الشهيد وأولاده الثلاثة وأبوه وزوجة أبوه، فكان يعمل ليلاً ونهاراً لإعالة ثلاث عوائل، وبعد فترة توفى والده بعد أن رعاه كأي أبن بار ويتقي الله لأن والده كان كبير السن ومصابا بالشلل ومقعدا، ثم أعتنى بزوجة أبيه حتى وفاتها، كان يقول انها زوجة ابي واحتراما لتربة ابي احترمها حتى وفاتها. تكفل بتربية أبناء اخيه حتى زواجهم، ولكن وكأن الدنيا استكثرت راحته في الحياة، فقد أصيبت زوجته ام شوان بمرض السرطان وبقيت في الفراش بسبب المرض سبع سنوات، كان يأخذها كل شهر إلى سوريا لأخذ جرعة العلاج الكيمياوي حتى وفاتها، وتركت له أربعة أطفال أكبرهم كان في الكلية حيث كان لهم الأم والأب، ولم يشتك أبدا ويواجه كل ذلك بابتسامته الهادئة دائما كان يردد (( شاسوى ژاله))، ثم تزوج من أم باران وهي الفترة القصيرة الذي ارتاح فيها وانتم عرفتموه، عفوا للإطالة ولكن كتبت القليل جدا بحق شهامة ورجولة صديقنا العزيز، من المواقف التي تشهد له، في السنوات الماضية عندما انقطع عنا دفع الراتب من قبل الحكومة ولم يبق سوى أيام لقدوم العيد، تبرع هو بدفع رواتب دائرتنا كاملة من جيبه الخاص لحد ما وزعت الرواتب بعد العيد، لأنه شعر بحاجة الموظفين الى مال للعيد، هكذا كان كاكه كامران، لذلك اقول رحلته كانت قصيرة ولكن مليئة بالشهامة والرجولة، بعد وكت يا صاحبي على فراقك والله الدائرة ما تسوى من غيرك))
وكتب زميله جاسم كماش ما يلي ((جميعنا نقف وقفة حداد وقفة ألم وغصة، ووداع تمنينا أن لا يحدث.. لم تكن جبلا شامخا معطاءً لأنك أبن الشمال بل كنت عبق الهور وهدوء البادية وماء الرافدين، لم تكن صديقا أو أخا حقيقيا شريفا ونزيها فقط، وانما كنت رمزا وطنيا نفخر به جميعا... يا بهجة كلية الزراعة وروحها وجوهرها.. يامن جعلت من ماضينا حاضرا جميلا سعدنا به.. نم قرير العين لتدفئ جسدك الطاهر تربة العراق، ولتسمو روحك زرقة السماء، روحك التي ستطوف ذاكرتنا ماحيينا.. ( كاميران))..))
أما زميله ماهر فكتب ((لحظة سماع خبر رحيلك عنا أظلمت الدنيا وفارقت البسمة الوجود... فارقتنا جسدا يا صديقي لكنك لم تفارقنا روحا...رحلت عنا باكرا في عمر الورود... ونحن أحوج أليك، برحيلك عنا تركت جرحاَ غائراَ لن يداويه الف طبيب، كم هو مؤلماَ ذلك الفراق...وكم هي جارحة لحظات الوداع...فقد الأحبة يترك في النفس انكسارا...لكن الموت الحقيقة الكبرى لا تقبل الجدل. .. ارتجف القلم ودمعت العين وغص الحلق وتلعثمت العبارات على فقدانك يا أعز صديق لكن طيفك سيبقى معنا لطالما في الحياة وجود، كيف لنا أن ننسى من أحتضن أبناءنا في الجبال والأهوار بكل حنان، كيف ننسى من أستقبلنا بروح الأخ الصادق، كيف ننسى من رافقنا في رحلاتنا ولن يتركنا ما دمنا قربه، رحمك الله يا أخي وطيب ثراك، نم قرير العين وارتاح من الدنيا وهمها واترك لنا العذاب والحسرة والألم على فراقك والملتقى عند عزيز مقتدر)).
ليلى العيثاوي كتبت ((بأي كلام اعزي أهلك وأعزي نفسي بأي العبارات وكلماتك وضحكك ورقصك وحفاوتك وسؤالك لازال يعيش بكل زاوية في عقلي كيف لنا ان ننساك وكيف لنا ان نقصد مدينتك وانت لست فيها هل هو قدرنا ان يغادرنا الاحباب مسرعين لاحول ولا قوة الا بالله انا لله وانا اليه راجعون خسارتنا بك لن تعوض ابدا ابدا)).
أما زميله الآخر وريا قره داغي يقول ((بعد اصابتي بمرض كورونا اللعين وتحسن حالتي فتحت الفيس لأطمئن على أخبار زملائي، وجدت ان كل الكروبات الزراعية متوشحة بالسواد والحزن على الزميلين العزيزين كاك كامران والأخ واجد فاتح رحمهما الله، لقد سبب هذا الخبر الأليم والحزين في انتكاسه في صحتي واحتجت ٢٤ ساعه لاسترد قواي لأكتب تعزيه لهما الذكر الطيب وعزاؤنا هو هذا الكم الهائل من محبيهم......)).
وزميل آخر يكتب وهو علي طه ((بدأت أتيقن الآن ان موعده.. صار وغدا حلما.. موعد اتصاله بعد الحادية عشر على الماسنجر بشكل شبه يومي منذ اكثر من عام .. لنتحدث عن زميل او عن منشور او قضية تشغله عن الزملاء أو ترتيب للقاء او سفرة متلهف هو عليها كما مثل كل مرة...الآن أنظر للهاتف أقول ماذا لو يتصل أبو شوان.. كل حرف تكلمنا فيه كان جميلا وخاصة ما قاله لي هو طوال آلاف من الدقائق وعشرات من الساعات التي تكلمنا فيها معا.. الا عبارة قالها لي في الشهر السادس الماضي تقريبا.. تعجبت منها واقلقتني..والله شاهد على ما اقول علي.. قال "انا قلق من هذا الوباء" قلت له ابو شوان .." كلنا قلقين" يجيب لا ..أشعر أن هذا الامر مراح يعدي على خير عليّ..... الله يرحمك ويرحمنا ويصبرنا على فراقك)).
وكتب زميله الآخر حسين جابر أحمد ((لا زالت الايام تبكينا... و ما برحت عنا الآلام تكوينا ...فقدانك اوجعنا، فباتت حتى الدموع لا تعبر عن ألمنا... صديقي وحبيبي العزيز لك الجنات الفساح، وعسى الله ان يلتقينا بك.. رحمك الله وأسكنك جناته)).
كما كتب زميله ماجد فيادي ((أعزي نفسي ورفاقي بفقدان الرفيق النصير الشيوعي المهندس الزراعي كامران، نتيجة إصابته بفايروس كورونا لك مني الذكر الطيب ومواساتي لعائلتك وذويك.)).
وكتب زميله حسن أمين ((مقتطفات من ذكرياتي مع كاك كامران صاحب روح الدعابة ونشر أثير الفكاهة في ارجاء مملكتنا الصغيرة في القسم الداخلي ذات مقلاة واحدة مع صحنين وقدرتين، صاحب الخطوة الواثقة رصانة العمر المبكر في تنظيم ساعاتنا بعد اليوم الدراسي، حرصك في الالتزام بمواعيد الطعام وتجهيز المائدة كان يدهش الكل، كل يوم عندما كنت أعود تكون قد حضرت الطعام الذي كان إما باذنجان مقلي او تمن ومرگه، مع صغر سنك كنت لنا الأب الروحي، وقارك أجبرني ان انحني لك واناديك ب كاك كامران مع تقارب أعمارنا، حياتنا لم تكن كالرقص على الورود ولكنك كنت تقهر الظروف في تنظيم حياة يومك حتى في امتلاكك لقميصين لكنهما كانا دائما مغسولين ومكويين، كنت دائما الملاذ الذي نلجأ اليه مع ان حياتك لم تكن سهلة لكن روحك الطيبة وتفانيك في إسعاد كل من كان حوالك حتى في ذاك الحين يجبرنا ان نصنع لك هيكلا من الطيبة والتضحية والتفاني، كان دائما يتملكني من خلال صمتك ونظراتك الحائرة إحساس شديد انك كنت تعتصر من ألم ما، الى ان عرفت أن لك شهيدين، من الپيشمرگة، عشت كريما كبيرا راقيا ووافتك المنية كريما بين احبابك.))
وكتب عنه زميله يوسف الساقي ((اللهم أرحم أعزاء لنا رحلوا وقلوبنا متعلقة بهم . زرناك وكعادتك تستقبلنا بابتسامة عريضة وقلب يطير فرحا بلقاء الأحبة، ولم يكن لدينا شيء نهديه لروحك غير الدعاء بالرحمة والمغفرة وثواب سورة الفاتحة)) .
أما علي طه فناجى زميل كامران الذي رحل معه واجد ((أبيت ان تترك كامران يغادر وحده غادرتنا معه لا بعده وتركتمونا للوجع.. صباح لا خير فيه ..وكسرة ظهر لا توصف يا خوية يا واجد .. الله يرحمك ونعزي انفسنا والزملاء بكم يا ورودا ذبلت قبل الأوان)).
وفي كلمات يعتصرها الألم أنشجت زميلته كاله طالب قائلة ((زملائي ...زميلاتي لا تبكوا انتم على العزيز الغالي.... دعوني أبكي انا وحدي ..فالقصة كاملة عندي كنا صغار جدا عندما زارتنا الدموع ولم ترحل..... لم نكن نفهم سبب اجتياح الأحزان لنا. كنا صغاراً وكل يوم يصل الى مسامعنا خبر استشهاد عزيز أو اعدام مناضلين، والانفال..... والاغتيالات.. كنا ندعي ان يكون الخبر كذبا ولم يستجب دعاؤنا، كنا صغارا لدرجة لم نفهم هل هم على خطأ أم صواب عندما يسيرون في هذا الطريق ويتركوا لنا الأشواك ..كبرنا وكبرت معنا الهموم، لازلت أتذكر وجهك عندما تعود من منظمة البعث وقد صفعك المسؤول البعثي وتبقى آثار الصفعة الى الدرس السادس على وجهك الوردي..لا زلت أتذكر كم كنا مرعوبين وانت تسلمني كتيب عن الأفكار المتحررة للمرأة....لا زلت اتذكر الكثير من الأوجاع التي عشناها معا، رأيت في وجهك الفرح لأول مرة وانت تتزوج بأم شوان كنت سعيدا معها، لكن الأقدار لم ترض بسعادتك، لازلت اتذكر كلماتك وانت حائر بأبنك الصغير وهو يبكي لأمه الراحلة، عندما كنت أراك تضحك وترقص مع الزملاء كنت اشعر بشيء غريب هل هذا انت...؟ كان يجب ان أعرف أن الضحكة قصيرة وعمرها شهور وليست اكثر، لماذا كنت مستعجلا الرحيل فلا زال أمامك الكثير ..كيف استطاعت الأرض ان تحضنك وانت في ذمتك باران وبارين، وعدتهم بالرجوع ولم وتفعل وما كان طبعك ان تخالف الوعد، أضفت جرحا عميقا الى جروحي.. زملائي... زميلاتي أعطوني عيونكم لأبكي على كامران فما عادت مدامعي تكفي..)).
وكتبت زميلته منتهى جاسم وهي باكية ((لم يكن باستطاعتي منذ خبر رحيلك عنا ان أكتب بأناملي نعيك وأرثيك ولكن رأيت انني أخون الذكريات وأخون صداقتنا واخوتنا ولأنني اشتقت لروحك الطيبة.. مو وكتها تروح مو بعده النهار.. وبعده ما خلّص حجينه.. لا ولا صاح القطار)) يا راحل من غير وداع. قلبي يعتصره الألم ودمعي يسابقني في الرثاء. وحسب الرحيل فراق وأنين وبكاء.......وتنهي حديثها بالقول (بكتك القلوب قبل العيون)

وبعد ما قرأتموه عما كتبه زملائه... إلا ترون معي بأن كامران يستحق لقب أسطورة عراقية في زمن للأسف ردئ قلّ فيهِ الجمال والبراءة والطيبة والصدق والمحبة....
أي مأثرة تركت فيهم يا كامران......لك المجد والخلود والذكرى العطرة أيها الإنسان الرائع.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا