الاقتصاد السياسي الماركسي دليل البشرية نحو مجتمع – المستقبل – نحو الشيوعية (2)

خليل اندراوس
2020 / 12 / 4


إن كتاب ماركس "رأس المال" هو المؤلف الرئيسي الذي احدث انقلابا حقيقيا في الآراء بصدد تطور المجتمع البشري، وأقام الاقتصاد على أساس علمي.

ومع كون "رأس المال" مؤلفا فلسفيا وتاريخيا إلا أنه مكرس في الدرجة الأولى لتعليل النظرية الاقتصادية، واكتشاف القانون الاقتصادي لتطور الرأسمالية: قانون القيمة الزائدة.



قبل نشر كتاب "رأس المال"، نشر ماركس كتاب "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" عام 1859، وهذا الكتاب في الأساس تحليل مادي جدلي للرأسمالية والنظرية الكمية للنقود، بواسطة نقد كتابات أبرز المؤسسين النظريين للرأسمالية في ذلك الحين". الاقتصاديون السياسيون يشار إليهم اليوم بالاقتصاديين الكلاسيكيين، آدم سميث (1727 – 1790) وديفيد ريكاردو (1772 – 1823) هم أبرز ممثليهم، والكثير من فحوى كتاب "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" أدرجها ماركس لاحقا في رائعته، كتاب "رأس المال" (المجلد الاول) الذي نشر في عام 1867، وتعتبر مقدمة كتاب "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" لماركس بأنها تدوين متماسك لإحدى نظريات ماركس الرئيسية:

التفسير الاقتصادي للتاريخ واختصار الفكرة يقول بأن العوامل الاقتصادية –طريقة إنتاج الناس لضروريات الحياة– تحدد نوع السياسات والأيديولوجيات التي يمكن ان تكون في المجتمع، وتشكل مجموع علاقات الإنتاج هذه البنيان الاقتصادي للمجتمع، أي تشكل الأساس الحقيقي الذي يقوم فوقه صرح علوي قانوني وسياسي وتتماشى معه أشكال اجتماعية، فأسلوب إنتاج الحياة المادية هو شرط العملية الاجتماعية والسياسية والعقلية والثقافية للحياة بوجه عام، ليس وعي الناس الذي يحدد وجودهم، ولكن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم.



كتاب "رأس المال" ذو الأبعاد الموسوعية حقا، درس فيه ماركس الرأسمالية كتشكيلة اجتماعية اقتصادية حية، تتميز بعلاقات اقتصادية معينة، وبتناحر الطبقتين الأساسيتين المتضادتين: البروليتاريا والبرجوازية، وبالبناء السياسي الفوقي البرجوازي الواقف في حراسة مصالح طبقة رأس المال، وبالأفكار البرجوازية عن الحرية والمساواة، وبالسمات البرجوازية في مجال الأسرة والمعيشة، وغير ذلك...

لقد اعتبر ماركس كتاب رأس المال، قضية حياته بأسرها، وعمل في تأليفه 40 عاما تقريبا، منذ أربعينيات القرن التاسع عشر وحتى وفاته عام 1883. وفي حياة ماركس لم يصدر سوى المجلد الأول من الكتاب في عام 1867، في حين بقيت المجلدات الأخرى غير منجزة، وهنا يجدر الإشارة بأن إنجلز أبدى مساعدة ضخمة في تأليف وإصدار رأس المال. وبعد وفاة ماركس، كرس إنجلز أحد عشر عاما للعمل الجاد في مجال استكمال وإعداد المجلدين الثاني والثالث للنشر، وصدر المجلد الثاني من رأس المال عام 1885، والمجلد الثالث في عام 1894، وقد قيّم لينين تقييما عاليا هذا العمل الهائل، وكتب أن المجلدين الثاني والثالث من رأس المال، هما من عمل الاثنين ماركس وإنجلز (راجع لينين المؤلفات الكاملة المجلد 2، ص 12). ولم يتمكن إنجلز من إعداد المجلد الرابع من كتاب رأس المال للنشر، إذ أنه توفي في عام 1895، ونشر هذا المجلد منه للمرة الاولى في خلال أعوام 1905 – 1910 من قبل كارل كاوتسكي، الذي أدخل "التعديلات" على نص المجلد كما يحلو له، محرفا بذلك أهم أحكام الماركسية، ولذلك قام معهد الماركسية اللينينية لدى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي خلال فترة 1954 – 1961، بإعداد وإصدار المجلد الرابع من رأس المال (في ثلاثة كتب)، وحافظ على كل ذلك الثراء النظري الذي تتضمنه مخطوطات ماركس.



إن المجلد الأول من كتاب رأس المال مكرس لتحليل عملية إنتاج الرأسمالية، والمجلد الثاني لعملية تداول الرأسمالية، والمجلد الثالث لتحليل الانتاج الرأسمالي ككل، والمجلد الرابع "نظريات القيمة الزائدة" – يشكل القسم التاريخي والتاريخي الانتقادي والتاريخي الأدبي لكتاب ماركس الجليل. وإن تسمية رأس المال الفرعية: "نقد الاقتصاد السياسي" تتطابق بالكامل مع مضمونه.

في كتاب رأس المال كشف ماركس عن قانون حركة التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الرأسمالية، وقام بشكل علمي جدلي بنقد الاقتصاد السياسي البرجوازي، وهذا ما كان يتطابق بالكامل مع مهمة ماركس: تسليح البروليتاريا نظريا في نضالها ضد البرجوازية، وعن حق وصواب وصف إنجلز رأس المال بأنه القذيفة الرهيبة التي أطلقت على رأس البرجوازية. وهنا اذكر ما كتبه ماركس في مقدمة الطبعة الفرنسية للكتاب:

"إلى المواطن موريس لاشاتر:

أيها المواطن العزيز..

استحسن فكرتك في صدد إصدار ترجمة "رأس المال" على شكل أجزاء تصدر دوريا.

فالمؤلف يصبح على هذا الشكل أسهل منالا بالنسبة للطبقة العاملة، وهذا الاعتبار الحاسم بالنسبة لي.

ذلك هو وجه الميدالية، ولكن هناك جانب خلفي أيضا: فطريقة البحث التي استخدمها، والتي لم تستخدم قبل الآن في المسائل الاقتصادية تجعل من الصعب جدا قراءة الفصول الأولى، وثمة خشية من أن الجمهور الفرنسي الذي يتطلع بلهفة إلى النتائج النهائية ويتوق إلى معرفة الصلة التي تربط المبادئ العامة بالمسائل التي تشغل باله مباشرة، سيفقد اهتمامه بالكتاب إذا شرع بالقراءة ولم يتمكن على الفور من مواصلتها.



ولا أستطيع أن أساعد هنا إلا بشيء واحد: تنبيه القارئ المتعطش للحقيقة وتحذيره منذ البداية من هذه الصعوبة، ليس في العلم طريق واسع وممهد، ولا يستطيع بلوغ ذراه المشرقة سوى ذاك الذي لا يخشى عناء تسلق مسالكه الوعرة.

تقبل ايها المواطن العزيز اخلاصي الاكيد".

لذلك اتوجه إلى كل قارئ متعطش لمعرفة مبادئ الماركسية وخاصة الاقتصاد – السياسي الماركسي، أن لا يخشى عناء تسلق مسالك العلم والمعرفة الوعرة لكي يصل إلى ذراه المشرقة الثورية العلمية.

وفي مقدمة الطبعة الانجليزية كتب إنجلز يقول: "غالبا ما يطلقون على رأس المال في القارة تسمية "توراة الطبقة العاملة"، وأن احدا ممن يعرفون الحركة العمالية لن ينكر أن الاستنتاجات الواردة في رأس المال تغدو أكثر فأكثر ومن يوم إلى آخر المبادئ الأساسية للحركة العظيمة للطبقة العاملة، ليس في ألمانيا وسويسرا فحسب، بل ايضا في فرنسا وهولندا وبلجيكا وامريكا، وحتى في إيطاليا وإسبانيا، وأن الطبقة العاملة في كل مكان تعترف بأن هذه الاستنتاجات هي التعبير الأدق عن وضعها وعن امانيها".

وهنا اذكر بأن اللغة الروسية هي أول لغة أجنبية ترجم إليها كتاب رأس المال عام 1872، ونحاول أن نحدد بإيجاز السمات المميزة لموضوع الاقتصاد السياسي الماركسي وهي:

أولا: إن الاقتصاد السياسي الماركسي لا يدرس الجانب التكنيكي للإنتاج (فهذا موضوع العلوم الطبيعية والتكنيكية)، بل يدرس الجانب الاجتماعي للإنتاج، وهو لا يدرس الإنتاج المادي بحد ذاته، بل العلاقات الاجتماعية بين الناس في مجال الإنتاج، والنظام الاجتماعي للإنتاج، بما في ذلك علاقات التوزيع والتبادل والاستهلاك، أي في جميع أطوار تجديد إنتاج الخيرات المادية.



ثانيا: يدرس الاقتصاد السياسي الماركسي في كتاب رأس المال العلاقات الانتاجية بارتباط وثيق وتفاعل مع تطور القوى المنتجة، ولكن الاقتصاد السياسي الماركسي لا يدرس القوى المنتجة من وجهة النظر التكنيكية، بل في وحدتها وتفاعلها مع العلاقات الإنتاجية، أي من وجهة نظر مكانها في أسلوب الإنتاج. فالماكينة مثلا هي بحد ذاتها أداة عمل معينة ولا تعتبر مقولة اقتصادية، ولكن إذا نظرنا إليها كموضوع للملكية، فإن استخدامها في الانتاج يرتبط بعلاقات اقتصادية معينة بين الناس يدرسها الاقتصاد السياسي الماركسي.

ثالثا: يدرس الاقتصاد السياسي الماركسي العلاقات الانتاجية والبناء التحتي الاقتصادي للمجتمع بتفاعلها ليس فقط، مع القوى المنتجة بل كذلك مع البناء الفوقي الذي يعلو على البناء التحتي الاقتصادي، وعلى الرغم من أن البناء الفوقي يتحدد بالبناء التحتي الاقتصادي، إلا أنه يمارس بدوره تأثيرا معاكسا على البناء التحتي الاقتصادي، مما يؤدي إلى الإسراع أو الإبطاء في تطوره، فمثلا، رأسمالية الدولة الاحتكارية المعاصرة تتدخل بنشاط في العلاقات الإنتاجية من أجل تشديد استغلال الكادحين وتخفيف التناقضات بين العمل ورأس المال، وتوحيد مواقع النظام الرأسمالي، ومن الطبيعي أنه بدون الفهم العميق لجوهر وأشكال هذا التدخل يستحيل استجلاء الكثير من الظواهر العميقة في اقتصاد وسياسة المجتمع الرأسمالي المعاصر.

رابعا وأخيرا: إن الاقتصاد السياسي الماركسي هو علم تاريخي يدرس المجتمع المتطور باستمرار، وهو يوضح سنن انتقال المجتمع البشري من أحد أساليب الانتاج إلى غيره، ويعالج العلاقات الإنتاجية للرأسمالية، وغيرها من المجتمعات التناحرية القائمة على أساس استغلال الإنسان للإنسان، في نشوئها وتطورها وانحطاطها وهلاكها.

إن الاقتصاد السياسي الماركسي يدرس أساليب الإنتاج المختلفة الخمسة التي يعرفها التاريخ ويدرس كيف يجري التطور من الدرجات الدنيا للإنتاج الاجتماعي إلى درجاته العليا، وكيف تنشأ وتتطور وتزول الأنظمة الاجتماعية القائمة على أساس الاستغلال، ويظهر كيف أن مجمل سير التطور التاريخي يحضّر انتصار الاشتراكية والشيوعية، وأن محاولات عرقلة السير التقدمي لتطور المجتمع البشري او إرجاعه إلى الوراء محكوم عليها بالفشل المحتوم، وكتاب رأس المال ليس مجرد دراسة أساسية لأسلوب الإنتاج الرأسمالي، بل هو في واقع الأمر موسوعة اقتصادية سياسية حقيقية تتضمن الأحكام الجذرية التي تتسم بها جميع التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية.

الاقتصاد السياسي الماركسي يدرس القوانين الاقتصادية التي تحكم إنتاج وتوزيع وتبادل واستهلاك الخيرات المادية في المجتمع البشري في مختلف درجات تطوره، ويدرس النظام الاقتصادي للإنتاج الاجتماعي، والبناء التحتي الاقتصادي للمجتمع الذي يشكل الأساس للآراء السياسية والفلسفية والأيديولوجية والحقوقية والجمالية وغيرها من الآراء والاعتقادات، ولذلك فهو يعتبر الأساس المنهجي للعلوم الاجتماعية والاقتصادية (التاريخ، تاريخ الاقتصاد الوطني، السياسة الاقتصادية، الاحصاء، العلوم الاقتصادية التطبيقية، العلوم الحقوقية وغيرها) التي يملك كل منها موضوع دراسته.



إن كافة هذه العلوم تدرس بالاعتماد على الاستنتاجات النظرية للاقتصاد السياسي، الظواهر الاقتصادية الجارية في الاقتصاد الوطني وفي فروعه على حدة، والتجليات الملموسة للقوانين الاقتصادية، وتضع إجراءات ملموسة في مجال تنفيذ السياسة الاقتصادية، وتؤلف نظرية ماركس الاقتصادية المضمون الرئيسي للماركسية. إن الاقتصاد السياسي الماركسي يضيء الطريق أمام البشرية أجمع نحو ذرى التقدم الاجتماعي، هو الاقتصاد السياسي العلمي الوحيد والثابت والثوري حتى النهاية.

تؤكد الماركسية أن في المجتمع البرجوازي الرأسمالي حيث كل شيء يشترى ويباع، تتمتع النقود بقوة هائلة، وبالنقود يمكن شراء أية بضاعة، وتلبية أية نزوة، وتغدو عرضة للبيع والشراء قيمًا معنوية، كالشرف والحب والضمير، ويولد الركض وراء النقود والإجرام والمذابح والنهب والخلاعة، ومن يمتلك النقود بإمكانه ان يبرر أية جريمة يرتكبها، وإن السعي نحو الاثراء هو الذي يقود نشاط صانعي الاسلحة من ممثلي المجمع الحربي الصناعي، الذين لا تردعهم أهوال الحروب الدموية المدمرة.

وترتبط سلطة النقود في المجتمع البرجوازي بكونها يمكن أن تتحول إلى رأسمال، إلى وسيلة لاستغلال عمل العمال المأجورين، وإلى مصدر للأرباح والإثراء. وكما كتب ماركس في كتاب رأس المال المجلد الأول الجزء الاول ص 484: "إذا كان الأسلوب الرأسمالي للإنتاج يعتبر من جهة، ضرورة تاريخية لتحول عملية العمل إلى عملية اجتماعية، فإن الشكل الاجتماعي لعملية العمل هو، من جهة أخرى، أسلوب يستخدمه الرأسمال لاستغلال هذه العملية على نحو أكثر ربحا بواسطة زيادة قوتها المنتجة".

وكما قال إنجلز: "إن كل خطوة الى الامام ينتج عنها خطوة الى الوراء، لأن كل ازدياد في الإنتاج والرفاهية والمدنية عند فريق من المجتمع يشترط ازدياد استغلال سائر أعضاء المجتمع وازدياد شقائهم، ولقد غير مجتمع الطبقات نفسية الإنسان تغييرا قويا، ولهذا لم يكن روسو مخطئا حين جعل "المجتمع مسؤولا" عن "فساد الطبيعة الانسانية"، إذ أن نتيجة استغلال الإنسان للإنسان، حرمان المستغَل من الحصول على ثمرة عمله، وهكذا يفصل الإنسان عن عمله، فإذا فصل الإنسان عن عمله فصل بذلك عن نفسه، لأن النشاط الإنتاجي والمبادرة المبدعة، إنما هما من خصائص الإنسان التي تجعله إنسانا، وبينما يحرم المستغَل مما أنتجه يستولي المستغِل على ما لم ينتجه، وهكذا ينفصل الوعي عن نفسه، لأنه لا يمكنه تحقيق غاياته بحرية.

كما أن وعي المستغِل ينفصل عن نفسه، لأن الكذب قد حل فيه، ولأنه لا يمكنه الاعتراف بغاياته بحرية، وكل من هذين الوعيين يعكس الاستغلال بطريقته، هذا الانقسام في الوعي على نفسه، هو ما يسمى بفقد "البراءة البدائية"، أو ما سماه هيغل: "مصيبة الوعي"، وبدلا من أن يكون الإنسان نفسه غاية نشاطه المنتج، فإننا نجد على العكس ان الغاية والوسيلة منفصل كل منهما عن الآخر، وذلك لأن الفئة التي تكون وسيلة الإنتاج في المجتمع (وهي الأكثرية – الطبقة العاملة) ليست غاية هذا الإنتاج، بل إن غاية هذا الإنتاج (وهي الأقلية – طبقة رأس المال) ليست وسيلة.



وكان ماركس وحده وعلى حق عندما دلل ان الإحياء لا يمكن ان يأتي من الدعاية الأخلاقية او الفلسفة، ولا تشريع اسبارطي، ولا من ثورة عامة، بل من إزالة الاستغلال الطبقي، ذلك لأن نهاية المجتمع الطبقي الرأسمالي، وانقسام الإنسانية على نفسها يستطيع إعادة الانسجام إلى الإنسان، وإلى حرية الإنسان والإنسانية والمجتمع الاشتراكي، ليس ككلمة بل كواقع موضوعي، هي فجر الإنسانية الحقة.

وهنا لا بد وأن نذكر شرح ووصف ماركس في كتاب رأس المال "للاتجاه التاريخي للتراكم الرأسمالي" بهذه العبارات المشهورة: "إن انتزاع ملكية المنتجين المباشرين يتم بأشد الوسائل همجية وبلا شفقة وبدافع من أحط المشاعر وأحقرها وأشدها تفاهة وتكالبا، فالملكية الخاصة المكتسبة بعمل المالك (عمل الفلاح والحرفي) والقائمة -اذا جاز التعبير- على اندماج الشغيل الفردي المستقل مع أدواته ووسائله للعمل تريحها الملكية الخاصة الرأسمالية التي ترتكز على استثمار قوة عمل الغير التي تعتبر مع ذلك حرة شكليا.. أما من يتعرض الآن لانتزاع ملكيته، فليس هو العامل الذي يدير بنفسه استثماراته، بل الرأسمالي الذي يستثمر العديد من العمال. إن انتزاع الملكية هذا، يتم بفعل القوانين الملازمة للإنتاج الرأسمالي نفسه عن طريق تمركز الرساميل، إن رأسماليا واحدا يقضي على الكثيرين أن امثاله، وإلى جانب هذا التمركز، أي انتزاع بعض الرأسماليين ملكية عددا كبيرا من أمثالهم، يتطور الشكل التعاوني لعملية العمل على نطاق أوسع أكثر فأكثر، كما يتطور تطبيق العلم على التكنيك تطبيقا فطنا ومتعقلا، واستثمار الارض استثمارا منهجيا، وتحويل وسائل العمل إلى وسائل عمل لا يمكن استعمالها إلا استعمالا مشتركا، وإدخال جميع وسائل الإنتاج داخل حلبة الاقتصاد باستعمالها كوسائل إنتاج لعمل اجتماعي مركب، وجر جميع الشعوب إلى شبكة السوق العالمية، وفي الوقت نفسه، تتطور الصفة العالمية للنظام الرأسمالي، ومع التناقض المستمر لعدد دهاقنة رأس المال، الذين يغتصبون ويحتكرون جميع منافع عملية التحول هذه، يزداد عبء البؤس والظلم والاستعباد والانحطاط والاستثمار، ولكن يزداد أيضا سخط الطبقة العاملة التي تتثقف وتتحد وتتنظم بفعل آلية عملية الإنتاج الرأسمالي نفسها.

وهكذا يصبح احتكار الرأسمال قيدا لأسلوب الإنتاج الذي نشأ مع هذا الاحتكار وفي ظله، إن تمركز وسائل الإنتاج وجعل العمل اجتماعيا ينتهيان إلى حد أنهما لا يعودان يتطابقان مع غلافهما الرأسمالي، فينفقع. إن الساعة الأخيرة للملكية الخاصة الرأسمالية تدق. إن مغتصبي الملكية تنزع منهم ملكيتهم" (رأس المال، المجلد الاول، وكذلك ورد هذا الاقتباس في كتاب لينين – بعض خصائص تطور الماركسية التاريخي ص 24 – 43).

إن الاقتصاد السياسي الماركسي يستخلص باستنتاجاته حتمية تحول المجتمع الرأسمالي إلى مجتمع اشتراكي بصورة تامة، وعلى وجه الحصر من القانون الاقتصادي لحركة المجتمع الحديث. إن عملية جعل العمل اجتماعيا، والتي تتقدم بسرعة متزايدة وتجري بآلاف الأشكال، والتي تتجلى بوضوح خاص خلال نصف القرن الذي انقضى على وفاة ماركس في تنامي الصناعة الكبيرة والكارتيلات والسنديكات والتروستات الرأسمالية، وفي التزايد الهائل لمقادير رأس المال المالي وقوته، ذلك هو الأساس المادي الرئيسي لمجيء الاشتراكية الذي لا مناص منه" (لينين – بعض خصائص تطور الماركسية التاريخي – ص 50).

** المراجع:

كتاب رأس المال
أصول الفلسفة الماركسية – جورج بوليتزر
ماركس إنجلز مختارات
رأس المال لكارل ماركس – فرانسيس وين
بعض خصائص تطور الماركسية التاريخي – لينين
مبادئ ما هو الاقتصاد السياسي – ايلين وموتبليف