الاقتصاد السياسي الماركسي دليل البشرية نحو مجتمع – المستقبل – نحو الشيوعية –

خليل اندراوس
2020 / 11 / 28

عند وضع الاقتصاد السياسي عالج ماركس وإنجلز بصورة انتقادية واستخدما على نحو ابداعي ومن مواقع البروليتاريا الثورية إنجازات الفلسفة البرجوازية الكلاسيكية الألمانية وديالكتيك غيورغ هيغل ومادية فورباخ.

ونشوء الاقتصاد السياسي الماركسي انطوى على أهمية حاسمة من خلال نشر الفهم المادي الجدلي وتطبيقه على تطور المجتمع البشري. وقد تجاوز مؤسسا الشيوعية العلمية الطابع التأملي المحض لنظرة فورباخ إلى العالم، وكان مهمًا جدًا لماركس وإنجلز مبدئيا إظهار أنه لا يكفي تفسير العالم ماديا، بل من الضروري أيضا تغييره.



وانعكس هذا الحكم على نحو رائع في الاقتصاد السياسي الماركسي، الذي تضيء استنتاجاته العلمية الطريق المؤدية إلى تغيير العالم ثوريا. ومن المواقع المادية عالج ماركس وإنجلز بصورة انتقادية الديالكتيك المثالي لهيغل وأوقفاه "على قدميه بعد أن كان يقف على رأسه"، وخلافا لهيغل، طبق ماركس وإنجلز الديالكتيك ليس على تطور "الروح المطلق" و"الفكر المطلق"، بل على تطور العالم الموضوعي، وكتب ماركس أن طريقته الديالكتيكية لا تختلف عن طريقة هيغل فحسب، بل هي نقيضها مباشرة (ماركس إنجلز المؤلفات المجلد 23 ص 21).

ولا يعترف الديالكتيك المادي بأي شيء أبدي لا يتغير، ويقر بضرورة حلول الجديد الأكثر تقدمية بدلًا من القديم. وتطبيقا على الاقتصاد السياسي يعني ذلك أنه يستحيل اعتبار أي قانون اقتصادي وأية مقولة اقتصادية ثابتين لا يطرأ عليهما التغيير، بل يجب دراستهما في الحركة المستمرة، طبقا للتطور الدائم للحياة الاقتصادية الواقعية، علما بأن مصدر هذه الحركة لا يكمن في قوى خارجية غيبية، بل في وحدة وصراع تلك الاضداد القائمة في أساس كل ظاهرة اقتصادية وفي مجمل النظام الاقتصادي للمجتمع.



وإذ وحّد ماركس وإنجلز على نحو ابداعي الفهم المادي للعالم مع الطريقة الجدلية الديالكتيكية في تحليل الظواهر الاجتماعية، فقد دحضا التصور المثالي عن المجتمع الذي تكوّن على مر القرون، ووضعا التاريخ الحقيقي لتطور المجتمع البشري، وأوضحا الدور الحاسم فيه للجماهير الشعبية صانعة الخيرات المادية، وتتمثل الخاصية المميَّزة للطريقة المادية الديالكتيكية الجدلية في ثوريتها ووجهتها الانتقادية، وان تعليل الطريقة الديالكتيكية – الجدلية المادية وتطبيقها بمهارة في "رأس المال" وغيره من مؤلفات ماركس وإنجلز، يشكلان قسما مكونا للانقلاب الثوري الذي أحدثاه في الاقتصاد السياسي.

إن لينين، المتابع العظيم لقضية ونظرية ماركس وإنجلز، قد طور الاقتصاد السياسي الماركسي ونهض به إلى درجة جديدة في الظروف التاريخية الجديدة. وبالاعتماد على أسس الفلسفة الماركسية استخدم لينين بصورة رائعة الطريقة المادية الديالكتيكية لتحليل الرأسمالية في أعلى وآخر مراحلها، أي مرحلة الامبريالية. إن مؤلفات لينين التي جاءت بمرحلة جديدة في تطوير الاقتصاد السياسي الماركسي، هي تكملة مباشرة لكتاب "رأس المال" لماركس.



إن نشوء الماركسية – اللينينية كان انعطافا ثوريا في تاريخ الفكر الاجتماعي الفلسفي الاقتصادي السياسي، ولكن الماركسية – اللينينية هي في الوقت ذاته استمرار مباشر وتطور مباشر لمنجزات الفكر الاجتماعي في ميادين الفلسفة والاقتصاد السياسي والاشتراكية. وهي عبارة عن نظرية علمية متكاملة، متناسقة تنطوي على الاقسام المكونة الرئيسية الثلاثة: أ- الفلسفة – المادية الديالكتيكية والتاريخية. ب- الاقتصاد السياسي. ج- الشيوعية العلمية ان جميع الاقسام المكونة للماركسية اللينينية تتخللها جملة من الافكار الرئيسية الرائدة، وفي عدادها ترد المادية المنسجمة أي الموقف المادي من جميع ظاهرات الواقع (بما فيه المجتمع) والطريقة الديالكتيكية – الجدلية لمعرفة هذه الظاهرات، وجميع الأقسام المكونة للماركسية اللينينية يلازمها روح نقادة، فعالة، ثورية وطابع خلاق.

يكتب ماركس في كتاب رأس المال ما يلي: "ولقد انعكست ثورة عام 1848 القارية على انجلترا ايضا، فالناس الذين كانوا لا يزالون يدعون بالأهمية العلمية ولم يكتفوا بدور السفسطائيين والمتملقين الاذلاء للطبقات السائدة سعوا لأن يوفقوا الاقتصاد السياسي للرأسمال مع مطالب البروليتاريا التي لم يعد بالإمكان تجاهلها، ومن هنا جاء المذهب التوفيقي التافه الذي يمثله على افضل نحو جون ستيوارت ميل، وما ذلك سوى افلاس الاقتصاد السياسي البرجوازي، الأمر الذي برهن عليه بصورة رائعة المفكر والناقد الروسي العظيم ن. تشيرنيشيفسكي في مؤلفه "دراسات في الاقتصاد السياسي (حسب بيل)، (كارل ماركس – كتاب رأس المال الجزء الاول – تذييل الطبعة الثانية ص 22) ويستمر ماركس ويقول:

"وهكذا لم ينضج الأسلوب الرأسمالي للإنتاج في المانيا الا بعد ان تكشف طابعه التناحري في انجلترا وفرنسا خلال المعارك الصاخبة للصراع التاريخي، علما بأنه كان لدى البروليتاريا الالمانية وعي طبقي نظري أوضح بكثير مما لدى البرجوازية الألمانية، فما كادت تنشأ هنا الظروف التي بدأ فيها الاقتصاد السياسي البرجوازي ممكنا كعلم، حتى أصبح مستحيلا من جديد". ويتابع ماركس ويقول: "وانقسم ممثلوه، والحالة هذه الى معسكرين: فبعضهم من العمليين العقلاء الساعين إلى الربح انضووا تحت راية باستيا، الممثل الأكثر تفاهة، ولذلك والأكثر حقا للتبريرية الاقتصادية المبتذلة، واقتفى الآخرون، المعتزون عزة الأساتذة بكرامة علمهم، اثر جون ستيوارت ميل في محاولته التوفيق بين ما لا يمكن التوفيق بينه، وبقي الألمان في مرحلة انحطاط الاقتصاد السياسي البرجوازي، كما في مرحلته الكلاسيكية، مجرد تلامذة معجبين بالخارج ومقلدين له وباعة متجولين صغارًا لمنتجات البيوتات الأجنبية الكبيرة.



إن خصائص التطور التاريخي للمجتمع الألماني تنفي إمكانية أية صياغة أصيلة للاقتصاد السياسي البرجوازي، ولكنها لا تنفي إمكانية نقده، وبما أن هذا النقد يمثل بوجه عام طبقة معينة، فهو لا يمكن أن يمثل سوى تلك الطبقة التي تتلخص رسالتها التاريخية في تحقيق الانقلاب في الاسلوب الرأسمالي للإنتاج وتصفية الطبقات نهائيا، أي انه لا يمكن أن يمثل سوى البروليتاريا".

"لقد حاول العلماء وغير العلماء من ممثلي البرجوازية الالمانية أن يقضوا على "رأس المال" بالصمت في البداية، مثلما تمكنوا من ذلك فيما يتعلق بكتبي السابقة، ولكن عندما لم يعد هذا التكتيك يستجيب لظروف الزمن، نشروا بذريعة نقد كتابي عددا من النصائح بغية "تهدئة الضمير البرجوازي"، إلا أنهم واجهوا في الصحافة العمالية – انظر على سبيل المثال، مقالات يوسف ديتزغن (المقصود هنا مقالة يوسف ديتزغن "كارل ماركس، رأس المال" نقد الاقتصاد السياسي" هامبورغ 1867" المنشورة في "الجريدة الاسبوعية الدمقراطية).

لقد ظهرت ترجمة روسية رائعة لـ "رأس المال" في بطرسبورغ ربيع 1872، والطبعة التي صدرت ب 3000 نسخة قد نفدت الآن تقريبا. ويستمر ماركس في تذييل الطبعة الثانية لكتاب رأس المال ص – 27 ويقول: "إن طريقتي الديالكتيكية من حيث أساسها لا تختلف عن طريقة هيغل وحسب، بلا وتناقضها بصورة مباشرة، وبالنسبة الى هيغل فإن عملية التفكير، التي يحولها حتى تحت اسم الفكرة إلى ذات مستقلة، هي ديميورغ (خالق، مبدع) الواقع الذي لا يشكل سوى مجرد مظهر لتجليها الخارجي، أما عندي فعلى العكس، فالمثالي ما هو إلا مادي منقول إلى رأس الانسان ومُحوَّل فيه". ويستمر ماركس ويقول: "لقد انتقدت الجانب الصوفي من ديالكتيك هيغل قبل حولي 30 عاما حينما كان هذا الديالكتيك لا يزال على الموضة، بيد انه عندما كنت منهمكا في كتابة المجلد الاول من "رأس المال" شرع المقلدون (المقصود هنا الفلاسفة البرجوازيون الالمان بوخنر، لانغه، دوهرينج، فيخنر وغيرهم، د.خ)، الصاخبون المتصنعون والتافهون للغاية الذين يلعبون الدور الأول في ألمانيا المعاصرة المثقفة يستهينون بهيغل، مثلما كان المقدم موزيس مندلسون في عهد ليسنغ يستهين بسبينوزا ك "كلب ميت"، لذلك اعلنت عن نفسي بصراحة أنني تلميذ لهذا المفكر العظيم، وحتى أنني عمدت في بعض مواضع الفصل المتعلق بنظرية القيمة إلى محاكاة طريقة هيغل في التعبير، وإن الطابع الصوفي الذي ارتداه الديالكتيك على يدي هيغل لم يحل إطلاقا دون ان يكون هيغل بالذات أول من قدم تصويرا شاملا وواعيا للأشكال العامة لحركته، فالديالكتيك يقف على رأسه عند هيغل، بينما ينبغي ايقافه على قدميه بغية الكشف عن اللب العقلاني تحت القشرة الصوفية".



"لقد أصبح الديالكتيك بشكله الصوفي موضة المانية، لأنه بدا وكأنه يمجد الاوضاع القائمة، وان الديالكتيك بشكله العقلاني لا يثير لدى البرجوازية وأيديولوجيتها المتحذلقين الجامدين سوى الحقد والذعر، اذ أنه يتضمن الى جانب الفهم الايجابي لما هو موجود فهم نفيه ايضا وهلاكه المحتوم، وينظر إلى كل شكل مجسد من خلال الحركة وبالتالي من خلال جانبه العابر ايضا، والديالكتيك لا يعبد أي شيء وهو انتقادي وثوري من حيث جوهرة ذاته". (كارل ماركس تذييل الطبعة الثانية – كتاب رأس المال المجلد الاول الجزء الاول ص 27 – 28).

ولأن كتاب "رأس المال" لم يمجد" "الاوضاع القائمة" أثار لدى طبقة رأس المال "الحقد والذعر" بسبب كونه دراسة جدلية مادية للاقتصاد السياسي للمجتمع الرأسمالي، هذه الدراسة التي "لا تعبد أي شيء" وكون هذه الدراسة أي كتاب "رأس المال" لماركس "هو انتقادي وثوري من حيث جوهره ذاته".

فالديالكتيك الجدلي المادي التاريخي لماركس والذي يتجلى في كتاب رأس المال لا يعرف الحدود في تطور الطبيعة والمجتمع، ولا يعترف بأي شيء أبدي لا يتغير، ويقر بضرورة حلول الجديد الاكثر تقدمية محل القديم، وتطبيقا على الاقتصاد السياسي يعني ذلك أنه يستحيل اعتبار أي قانون اقتصادي وأية مقولة اقتصادية ثابتين لا يطرأ عليهما التغيير، بل يجب دراستهما في الحركة المستمرة طبقا للتطور الدائم للحياة الاقتصادية الواقعية، علما بان مصدر هذه الحركة لا يكمن في قوى خارجية غيبية، بل في وحدة وصراع تلك الاضداد القائمة في أساس كل ظاهرة اقتصادية وفي مجمل النظام الاقتصادي للتشكيلات الاجتماعية الاقتصادية سابقا وللمجتمع الرأسمالي في عصرنا الحالي.

وإذ وحد ماركس وإنجلز على نحو إبداعي الفهم المادي للعالم مع الطريقة الديالكتيكية في تحليل الظواهر الاجتماعية دحضا التصور المثالي عن المجتمع الذي تكون على مر القرون، ووضعا التاريخ الحقيقي لتطور المجتمع البشري، وأوضحا الدور الحاسم فيه للجماهير الشعبية صانعة الخيرات المادية، وتتمثل الخاصية المميزة للطريقة المادية الديالكتيكية في ثوريتها ووجهتها الانتقادية، وعلى سبيل المثال فلدى دراسة العلاقات الإنتاجية الرأسمالية، يعالج الاقتصاد السياسي الماركسي بصورة انتقادية هذه العلاقات وكذلك يعالج النظريات الاقتصادية البرجوازية المطابقة لها، ويظهر الدور الخدمي لهذه الاخيرة بوصفها مدافعة عن الرأسمالية.

الطريقة الديالكتيكية المادية والتي قام ماركس وإنجلز بتطبيقها بمهارة فلسفية علمية في كتاب "رأس المال" وغيره من المؤلفات، يشكلان قسما مكونا للانقلاب الثوري الذي احدثاه في الاقتصاد السياسي. ولينين المتابع العظيم لقضية ونظرية ماركس وإنجلز استخدم بصورة رائعة الطريقة المادية الديالكتيكية في تحليل الرأسمالية، في أعلى وآخر مراحلها، أي مرحلة الامبريالية.



يتضمن كتاب "رأس المال" لماركس مادة واقعية ضخمة من تاريخ مصر وبابل واليونان وروما والهند، والصين والمانيا وفرنسا وانجلترا والدول الاوروبية الاخرى. وانطلاقا من مبدأ وحدة ما هو تاريخي وما هو منطقي موضوعي درس ماركس العلاقات الاقتصادية للرأسمالية على خلفية تاريخية عريضة معتمدا على تحليل المواد الواقعية الضخمة، ويكمن في التعليل التاريخي لنظرية ماركس الثورية أحد الاسباب الرئيسية لصحتها وبالتالي لجبروتها واكتمالها ايضا، فبعد ان درس ماركس بصورة انتقادية مؤلفات الاشتراكيين الطوباويين العظام أمثال شارل فوريه وروبرت اوين وغيرهم، تقدم بثلاثة احكام جديدة مبدئيا هي:

إن وجود الطبقات لا يرتبط سوى بأشكال تاريخية محددة للإنتاج الاجتماعي.
إن الصراع الطبقي يفضي حتما الى ديكتاتورية البروليتاريا.
إن هذه الديكتاتورية بحد ذاتها ما هي سوى الطريق نحو القضاء على الطبقات والانتقال الى المجتمع اللاطبقي، لقد حول ماركس وإنجلز الاشتراكية من طوباوية إلى علم.
لقد استخدم ماركس لدى وضع نظريته الاقتصادية مؤلفات ممثلي الاقتصاد السياسي البرجوازي الكلاسيكي، وخاصة مؤلفات آدم سميث ودافيد ريكاردو، كانت محاولات استيعاب وقائع الحياة الاقتصادية قد ابتدأت منذ وقت طويل، فقد كان المصريون واليونانيون والهنود والشعوب الاخرى على معرفة بتلك المقولات الاقتصادية كالبضاعة والتبادل والنقد والسعر والفائدة التسليفية والربح التجاري وغيرها.

وانعكس كل ذلك في المواعظ والقوانين والوصايا والمؤلفات العلمية والادبية، ومن الممكن ايجاد معطيات وافكار رائعة عن الاقتصاد مسجلة على أوراق البردى المصرية وفي شرائع حمورابي ملك بابل وفي القوانين الهندية القديمة، و"الاوديسا" وغيرها من مؤلفات الشاعر الاغريقي هوميروس ومؤلفات الفلاسفة الاغريقيين كسينوفون وأفلاطون وأرسطو وغيرهم.

ومع نشوء الرأسمالية وتطورها، واتساع السوق نشأ الاقتصاد السياسي المعبّر عن مصالح الطبقة البرجوازية الوليدة، والتجارة والعمليات النقدية كانتا النمط البرجوازي الذي نشأ في البداية، وليس في الانتاج، ولذلك لم يكن من قبيل الصدفة ان المركنتلية كانت أول نظرية في الاقتصاد السياسي البرجوازي وكانت تعبر عن مصالح الرأسمال التجاري. وانبثق هذا الاتجاه في الفكر الاقتصادي البرجوازي في اوائل القرن السابع عشر. وانتشر في ايطاليا وانجلترا وفرنسا ومن ثم في روسيا بعد مضي بعض الوقت وكان الممثلون الاساسيون للمركنتيلية هم: ستافورد، مين (انجلترا) وسيرا (ايطاليا) ومونكريتين (فرنسا)، وذاد عن افكار المركنتلية في روسيا كل من اوردين – ناشيكين وبوسوشكوف.

لقد أعار المركنتليون الأهمية الحاسمة في الاقتصاد للتجارة، والشكل الرئيسي للثروة كان يتمثل برأيهم في النقد والذهب، واستخدمت تسمية "الاقتصاد السياسي" للمرة الأولى من قبل المركنتلي الفرنسي انطوان دي مونكريتين عام 1615 في كتابه "مبحث في الاقتصاد السياسي"، وجرى اشتقاق تسمية علم "الاقتصاد السياسي" من الكلمات الاغريقية بمعنى politicos بمعنى حكومي او اجتماعي وoikos بمعنى البيت وتسير شؤون البيت و"نوموس" بمعنى قاعدة، قانون وهذه الكلمات مجتمعة تعني "قوانين اقتصاد الدولة".



تطور الاقتصاد السياسي البرجوازي لاحقا في مؤلفات الفيزيوقراطيين فرانسوا كين، وان روبير جاك تيورغو وغيرهما الذين نقلوا مركز ثقل البحث الاقتصادي من مجال التداول إلى مجال الانتاج وبذلك أرسى الفيزيوقراطيون الأساس لتحليل الانتاج الرأسمالي، ويرتبط تقدم الاقتصاد السياسي البرجوازي في هذه المرحلة باسمي الانجليزي وليم بيتي والفرنسي فرانسوا بيير بواغيلبير اللذين تقدما للمرة الاولى بنظرية القيمة الناجمة عن العمل، وكان مؤسسي الاقتصاد السياسي البرجوازي الكلاسيكي الذي بلغ اعلى درجات تطوره في مؤلفات الاقتصاديين الانجليزيين آدم سميث ودافيد ريكاردو.

لقد عبر ممثلو المدرسة الكلاسيكية في الاقتصاد السياسي البرجوازي عن مصالح البرجوازية في تلك المرحلة التاريخية التي كانت البرجوازية فيها طبقة صاعدة تناضل ضد الاقطاعية وعندما لم تكن قد ظهرت بعد التناقضات بين العمل المأجور والرأسمال، وخلافا للمركنتيليين انتقل ممثلو الاقتصاد السياسي البرجوازي الكلاسيكي من وصف الظواهر الاقتصادية السطحية، المرتبطة بسياسة الدولة التجارية والضرائبية الى دراسة الانتاج والسنن الداخلية لتطوره ودرسوا بصورة رئيسية الانتاج الصناعي، وبرهنوا على ان الانتاج المادي بالذات (بغض النظر عن الفرع) والعمل يعتبران المصدر الرئيسي "لثروة الشعوب" وأرسو بذلك اساس نظرية القيمة الناجمة عن العمل، وطبقا لنظريتهم فان مقدار قيمة البضاعة التي يجري تبادلها بتناسب معين ببضاعة اخرى، انما يتحدد بالعمل المنفق على انتاجها.

تمكن اقتصاديو المدرسة الكلاسيكية للاقتصاد السياسي البرجوازي وبالدرجة الاولى آدم سميث ودافيد ريكاردو، من الكشف عن القوانين الداخلية "الطبيعية" لتطور الانتاج الرأسمالي والشروع بإيضاح المصدر الفعلي لثراء الرأسماليين والتجار واصحاب المصارف والملاكين العقاريين، ونجم عن نظريتهم ان هذا المصدر هو عمل العمال في المانيفاكتورات والمصانع والفبارك الرأسمالية وفي الحقول والمزارع، وسار شوطا ابعد من الآخرين في هذا المجال دافيد ريكاردو الذي تنتهي المدرسة الكلاسيكية بمؤلفاته الاصلية، واظهر ريكاردو البنية الطبقية للمجتمع البرجوازي واشار الى تضاد المصالح الاقتصادية للبروليتاريا البرجوازية على الرغم من أنه اعتقد ان ذلك هو "نظام طبيعي".

ولكن نظرا للمحدودية البرجوازية التي كان يتصف بها سميث وريكاردو فقد كانا يعتبران ان الرأسمالية هي النظام الاجتماعي الأبدي والوحيد السديد والكامل، والذي يتفق مع طبيعة الانسان على أتم نحو، ولم يكن بإمكانهما ان يصلا الى فهم طابعها العابر تاريخيا والجذور الاجتماعية والآفاق للصراع الطبقي.

والانقلاب في العلم الاقتصادي السياسي البروليتاري الثوري قام به ووضعه ماركس في كتابه رأس المال ومؤلفاته الاخرى، لقد قام ماركس وإنجلز مؤسسا الشيوعية العلمية على نحو جديد، ومن وجهة نظر الطبقة العاملة، الطبقة الطليعية والثورية حتى النهاية، أهم قضايا النظرية الاقتصادية وحددا علميا موضوع الاقتصاد السياسي، لقد قام ماركس وإنجلز باستخدامهما للمنهج الديالكتيكي المادي بفرز ودراسة العلاقات الاقتصادية بين الناس الكامنة في اساس جميع علاقاتهم الاجتماعية، فالماركسية هي دليل البشرية نحو عصر تاريخي جديد، نحو مجتمع المستقبل، المجتمع الشيوعي.

يبرز إنجلز بصورة خاصة اكتشافين جليلين لماركس أتاحا له امكانية وضع الماركسية وتحويل الاقتصاد السياسي الى علم ووضعه في خدمة الطبقة العاملة الاكثر طليعية في المجتمع. انهما اولا: الفهم المادي للتاريخ وثانيا: نظرية القيمة الزائدة. وسمى لينين نظرية القيمة الزائدة بأنها حجر الزاوية في الماركسية، فالقيمة الزائدة هذه في مجرى التداول الرأسمالي هي بعينها التي تتحول الى رأسمال بوصفه علاقة إنتاج اجتماعية خاصة محددة تاريخيا، إن نظرية القيمة الزائدة التي اوضحت آلية الاستغلال الرأسمالي قد رسمت الخط الفاصل الرئيسي بين النظرية الاقتصادية للماركسية التي تتضمن البرهان العلمي على حلول النظام الاجتماعي الجديد أي الاشتراكية بصورة حتمية محل الرأسمالية.

واكتشف ماركس القوانين الاقتصادية لنشوء الرأسمالية وتطورها وهلاكها، وأظهر أن مجمل سير تطور الرأسمالية والصراع الطبقي يوفر المقدمات المادية والذاتية للثورة الاشتراكية. وان نمو الانتاج الآلي الكبير وازدياد تعداد وتنظيم الطبقة العاملة – حفارة قبر البرجوازية يجعلان هذه الثورة حتمية لا مفر منها. وبذلك قدم ماركس التعليل الاقتصادي والسياسي للحتمية التاريخية لهلاك الرأسمالية وانتصار الاشتراكية، وان إيضاح الدور التاريخي العالمي للبروليتاريا بوصفها حفارة قبر الرأسمالية وبانية المجتمع الاشتراكي، هو الأمر الرئيسي في نظرية ماركس.

ومنذ نشر كتاب "رأس المال" لماركس، قدم تاريخ الحركة العمالية في جميع البلدان في العالم عددا لا يحصى من الوقائع الجديدة التي تبرهن على صدق النظرية الماركسية. وفي عالمنا المعاصر هناك اهمية خاصة للنضال الأيديولوجي الاقتصادي السياسي ضد طبقة رأس المال العالمي والصهيونية وطبقة رأس المال الكومبرادور - الوسيط وخاصة في العالم العربي وضد الاوتوقراطية والدواوينية – البيروقراطية والانتهازية والمفسدين والفساد داخل قوى اليسار، من اجل الظفر بالحرية الاجتماعية والسياسية والعمل من اجل الظفر بالسلطة – سلطة الطبقة العاملة وحلفائها من جماهير الشعب الواسعة والشعوب المضطهدة، يجب ان لا يقتصر نضال الطبقة العاملة على النضال من اجل تغيير الظروف الاقتصادية بل العمل على إحراز نجاحات ومكاسب سياسية كمية تراكمية كأساس لإحداث القفزة الاقتصادية السياسية – الثورة الاجتماعية والوصول الى السلطة، وهذا لا يمكن ان يتحقق بدون التطوير الفكري الماركسي اللينيني للطبقة العاملة سياسيا ايديولوجيا وعلى تنظيمها السياسي الحزبي وهذه هي المهمة الاساسية للأحزاب الشيوعية.

"ينبغي لنا ان نُعد رجالا لا يكرسون للثورة امسياتهم الحرة وحسب، بل حياتهم كلها أيضا، ينبغي لنا ان تنشأ منظمة على قدر من الكبر بحيث يمكن فيها اجراء تقسيم دقيق للعمل بين أنواع نشاطنا على اختلافها". (لينين – من مقال المهمات الملحة لحركتنا).

لذلك على قوى وأحزاب اليسار الحقيقي إنشاء منظمات من الكبر لكي تقوم بنشاطات سياسية فكرية اجتماعية ثقافية لتعميق التواصل مع الطبقة العاملة وجماهير الشعب الواسعة، إن مصلحة الشعوب النضال من اجل الدمقراطية الثورية الشعبية، وفنزويلا وبوليفيا وكوبا مثل على ذلك، وما يجري في هذه الدول يعتبر خطوة اولى نحو الاشتراكية والتي "ليست سوى اقرب خطوة الى الامام من احتكار رأسمالية الدولة، أو بتعبير آخر ان الاشتراكية ليست سوى احتكار رأسمالية الدولة الذي تم توجيهه في صالح الشعب بأسره ولم يبق بالتالي احتكارا رأسماليا" (لينين الكارثة المحدقة وكيف نحاربها ص 40).

ففي عصرنا الحالي هدف الإمبريالية العالمية الاستمرار في الحفاظ على بقاء دول العالم الثالث، كدول بيروقراطية دواوينية رجعية، بعيدة كل البعد عن الديمقراطية الحقيقية، تابعة للإمبريالية العالمية وخاضعة لسياستها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وكذلك استغلال خلق الصراعات الدينية، من أجل الهيمنة والسيطرة على الوعي الجماعي للشعوب، وتهميش مفاهيم الصراع الطبقي وحرية الشعوب المضطهدة.

من هنا أهمية نشر الفكر والفلسفة الماركسية في صفوف الطبقة العاملة وجماهير الشعب الواسعة.

(يتبع)