ماركس من المثالية الى فلسفة مادية جدلية مكتملة

خليل اندراوس
2020 / 11 / 21


ساهم كارل ماركس في مؤلفاته بقسط عظيم في مختلف العلوم الاجتماعية، وما قام به ماركس هو انقلاب ثوري، حيث قدم الاجوبة العلمية الفلسفية، لما طرحه الفكر الطليعي للبشرية.

وبدون التقليل من اهمية مآثر ماركس في تطوير مختلف العلوم الاجتماعية، ولكن يجب القول انه عمل بصورة رئيسية في دراسة الاقتصاد السياسي. والى جانب ماركس، مؤلف كتاب "رأس المال" كان يقف على الدوام نصيره وصديقه المخلص إنجلز الذي وضع مؤلفات بارزة اسهمت في نشوء الاقتصاد السياسي الماركسي، مثل "وضع الطبقة العاملة في انجلترا" و "اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" و "ضد دوهرنج" وغيرها. وأبدى إنجلز لماركس مساعدة عظيمة حقا عند تأليف "رأس المال" واعداده للنشر.



وهنا لا بد ان اذكر ما قال لينين عن ماركس وإنجلز: "وقد دافع ماركس وإنجلز بكل حزم عن المادية الفلسفية وبينا مرارا عديدة ان الانحرافات عن هذا الاساس أيا كانت، خاطئة بصورة فادحة، ووجهات نظرهما معروضة بأكثر ما يكون من الوضوح والتفاصيل في مؤلفي إنجلز: "لودفيغ فورباخ" و"دحض دوهرنج"، اللذين هما على غرار "البيان الشيوعي"، من عداد الكتب التي يجب ان تكون دائما بين يدي كل عامل واعٍ" (لينين – بعض خصائص تطور الماركسية التاريخي – ص 15)، وكاتب هذه السطور يقترح على الهيئات والمؤسسات التقدمية وعلى الاحزاب الشيوعية العمل على اعادة طبع هذه الكتب وكذلك طبع كتاب "رأس المال" ونشرها بين يدي كل شيوعي وكل عامل واعٍ، لكي نحافظ على هذا الاساس الفلسفي المادي الجدلي التاريخي وعلى مبادئ الاقتصاد السياسي الماركسي، ولكي نكافح ضد الانحرافات عن هذا الاساس، لأن الانحراف عن هذا الاساس هو عمل خاطئ "بصورة فادحة". ولا بد ان نذكر ايضا بان كتاب كارل ماركس "رأس المال" يصنف عند البعض على انه عمل في الاقتصاد، الا ان كارل ماركس لم يلتفت الى دراسة الاقتصاد السياسي الا بعد سنوات كثيرة من الكدح في مجالي الفلسفة والادب.



وهذان الاساسان الفكريان هما ما شكل دعامة مشروع كتابة "رأس المال"، كذلك تجربة الاغتراب التي خاضها ماركس شخصيا فهي التي اضفت القوة على تحليل نظام اقتصادي يغرّب البشر عن بعضهم بعضا وعن العالم الذي يقطنونه، ذلك العالم الذي تستعبدهم فيه قوة رهيبة هي قوة رؤوس الاموال والسلع الفاقدة للحياة.

ولنذكر ايضا بان كارل ماركس نفسه كان شخصا خارجيا منذ لحظة ولادته في 5 ايار عام 1818 صبيا يهوديا في مدينة ترير التي يغلب عليها الطابع الكاثوليكي ضمن دولة بروسيا، كانت ديانتها الرسمية هي البروتستانتية الانجيلية، وعلى الرغم ان ارض الراين كانت قد ضمت الى فرنسا خلال الحروب النابوليونية، الا انها عادت لتُدمج في بروسيا الامبراطورية قبل ثلاث سنوات من ولادة ماركس، وبذلك بات اليهود في ترير خاضعين لمرسوم يحرم عليهم ممارسة المهن الاختصاصية، فكان على والد كارل هنريش ماركس ان يتحول الى اللوثرية كيما يتاح له العمل كمحام، ولا عجب ان كارل ماركس الشاب راح يطيل التفكّر في مسألة الاغتراب.



وقد كتب ماركس في مقالة مدرسية في السابعة عشرة من عمره: "لا يسعنا على الدوام ان نتخذ المهنة التي نحسب انها تناسبنا، فعلاقاتنا في المجتمع تبدأ بالتبلور الى هذا الحد او ذاك قبل ان تحتل ذلك الموقع الذي يتيح لنا ان نحدد هذه العلاقات".

وهذا الاغتراب تعاني منه الاقلية العربية الفلسطينية، صاحبة هذا الوطن – الفردوس المفقود – فلسطين كنتيجة للعديد لا بل العشرات من القوانين التي تميز بشكل عنصري ضد الاقلية الفلسطينية داخل اسرائيل وعلى رأس هذه القوانين التي تخلق الشعور بالاغتراب لدى كل انسان فلسطيني يعيش على تراب وطنه هو قانون يهودية الدولة، ودولة تمارس الاحتلال والاستيطان والحصار ضد ابناء شعبه. وكان والد ماركس قد شجع ابنه على ان يقرأ بنهم. "وكانت سنوات ضم الراين الى بروسيا قد رسخت لدى والد ماركس هنريش ميلا الى النكهات الفرنسية في السياسة، والدين، والحياة، والفن، وقد وصفته احدى حفيداته بانه "فرنسي" حقيقي من القرن الثامن عشر يعرف عن ظهر قلب كلا من فولتير وروسو الخاصين به".

اما الناصح المخلص الآخر لماركس على الصعيد الفكري فكان صديق والده البارون لودفيغ فون ويستفالن، الموظف الحكومي المثقف والليبرالي الذي عرّف ماركس على الشعر والموسيقى (وعلى ابنته جيني فون ويستفالن، زوجة ماركس المقبلة). ففي نزهاتهما الطويلة معا كان البارون يتلو مقاطع من هوميروس وشكسبير لا يلبث رفيقه الشاب ماركس ان يحفظها عن ظهر قلب، ليستخدمها لاحقا كتوابل اساسية في كتاباته" (رأس المال لكارل ماركس – سيرة – فرانسيس وين ص: 18-19). بما في ذلك كتاب "رأس المال"، كما راح ماركس في حياته الراشدة يعيد اداء تلك النزهات السعيدة مع زوجته جيني فون ويستفالن عبر القائه مشاهد من شكسبير ودانتي وغوته بينما يقود عائلته باتجاه هامستد هيث في نزهات ايام الاحد، ولذلك نجد ماركس في كتابه رأس المال يقتبس اقوال العديد من الادباء كما يحصل حين يتكلم رأس المال ذاته بلسان شايلوك (في المجلد الاول من رأس المال، وكما يورد ماركس خطبة من تيمون الاثيني عن الذهب بوصفه "عاهرة مبذولة للجميع"، تتلوها خطبة من أنتيغون لسوفوكليس (المال: المال اسوأ ما اخترعه الانسان/ ذلك ما يخرب المدن، ويطرد البشر من بيوتهم/ ويفسد الانفس النبيلة ويغويها/ الى طريق العار والشنار..) اما الاقتصاديون بما لديهم من نماذج ومقولات فات زمانها فيشبههم ماركس بدون كيخوتة الذي دفع ثمن تصوره الخاطئ ان الفروسية الجوالة تتلاءم بالقدر ذاته مع جميع اشكال المجتمع الاقتصادية.



لذلك نستطيع ان نقول بان مطامح ماركس الباكرة كانت مطامح ادبية، وقد كتب – وهو لا يزال طالبا يدرس القانون في جامعة برلين – ديوانا من الشعر، ومسرحية شعرية، بل ورواية عنوانها "سكوربيون وفيليكس" لكنه اقر بالهزيمة بعد هذه التجارب: وكتب يقول: فجأة، كأنما بلمسة سحرية – بل كانت اللمسة في البداية ضربة ساحقة – وقع بصري على عالم الشعر الحقيقي النائي مثل ارض الجن النائية، وتقوضت ابداعاتي جميعا وتلاشت.. أسدلت ستارة، وتمزق قدس اقداسي إربا وكان لا بد من تنصيب آلهة جديدة".

وعانى ماركس نوعا من الانهيار وأمره طبيبه بان يلجأ الى الريف في استراحة طويلة، استسلم خلالها اخيرا لصوت هيغل الفيلسوف والذي كان إرثه موضع خلاف شديد بين التلاميذ من أقران ماركس والمحاضرين، وبعد ان حصل ماركس على شهادة الدكتوراه بعد تقديم اطروحته الجامعية حول فلسفة ابيقور، ومغادرته الجامعة تحولت افكار ماركس من مثالية هيغل الى المادية من المجرد الى الفعلي.

كتب ماركس حول هذا الموضوع ما يلي: "يرى هيغل ان عملية التفكير، هذه العملية التي يحولها حتى تحت اسم الفكرة الى ذات مستقلة هي "الديميورج" (الخالق، الصانع) للواقع.. اما انا فإني ارى العكس: ان المثالي ليس سوى المادي منقولا الى دماغ الانسان ومحولا فيه" (رأس المال، المجلد الاول، تذييل للطبعة الثانية).

وحول تحول ماركس من المثالية الى المادية يكتب لينين ما يلي: "عندما تخرج ماركس من الجامعة اقام في مدينة بون حيث كان يأمل بالحصول على منصب استاذ في الجامعة، ولكن السياسة الرجعية التي كانت تسلكها الحكومة حيث أقصت عام 1832 لودفيغ فورباخ عن منصبه كاستاذ، وعادت في سنة 1836 فرفضت من جديد السماح له بالعمل في الجامعة، ومنعت في سنة 1841 الاستاذ الشاب برونو باور من القاء محاضرات في بون، هذه السياسة الرجعية اضطرت ماركس الى العدول عن النشاط الجامعي".



في ذلك الوقت كان تطور افكار الهيغلية اليسارية يجري سريعا جدا في المانيا، وكان لودفيغ فورباخ قد اخذ، منذ 1836 على الخصوص، يوجه النقد الى علم اللاهوت ويتجه نحو المادية التي احرزت الغلبة نهائيا عنده في سنة 1841 (كتاب "جوهر المسيحية") وفي سنة 1843 ظهر كتابه "الاحكام الاساسية لفلسفة المستقبل".

لقد كتب إنجلز فيما بعد حول هذين المؤلفين لفورباخ فقال: "كان يجب ان يكون الانسان قد تحسس بنفسه الأثر التحريري لهذين الكتابين.. فلقد اصبحنا نحن" (أي الهيغليين اليساريين بمن فيهم ماركس) "دفعة واحدة، من اتباع فورباخ" (إنجلز "لودفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الالمانية الكلاسيكية ص – 227). "ولكن ماركس لم يتوقف عند مادية القرن الثامن عشر، بل دفع الفلسفة خطوات الى الامام، فأغناها بمكتسبات الفلسفة الكلاسيكية الالمانية، ولا سيما بمكتسبات فلسفة هيغل، الذي قاد بدوره الى مادية فورباخ، وأهم هذه المكتسبات، الديالكتيك، أي نظرية التطور بأكمل مظاهرها وأشدها عمقا، وأكثرها بعدا عن احادية الجانب، نظرية نسبية المعارف الانسانية التي تعكس المادة في تطورها الدائم"(لينين بعض خصائص تطور الماركسية التاريخي – ص 15 – 16).

"وقد عمق ماركس المادية الفلسفية وطورها، فانتهى بها الى نهايتها المنطقية ووسع نطاقها من معرفة الطبيعة الى معرفة المجتمع البشري. ان مادية ماركس التاريخية كانت اكبر انتصار احرزه الفكر العلمي، فان البلبلة والاعتباط اللذان كانا سائدين حتى ذلك الحين في النظرات الى التاريخ والسياسة، قد حلت محلها نظرية علمية روعة في التناسق والتجانس والانسجام، تبين كيف ينبثق ويتطور من شكل معين من التنظيم الاجتماعي ومن جراء نمو القوى المنتجة، شكل آخر، ارقى – كيف تولد الرأسمالية من الاقطاعية مثلا" "وكما ان معرفة الانسان تعكس الطبيعة القائمة بصورة مستقلة عنه، أي المادة في طريق التطور، كذلك تعكس معرفة الانسان الاجتماعية (أي مختلف الآراء والمذاهب الفلسفية والدينية والسياسية، الخ) نظام المجتمع الاقتصادي. ان المؤسسات السياسية تقوم كبناء فوقي على اساس اقتصادي، فاننا نرى مثلا، كيف تقوم مختلف الاشكال السياسية للدول الاوروبية العصرية بدور ادوات لتعزيز سيطرة البرجوازية على البروليتاريا. ان فلسفة ماركس هي مادية فلسفية مكتملة، اعطت الانسانية والطبقة العاملة بخاصة، ادوات عظيمة للمعرفة". (لينين بعض خصائص تطور الماركسية التاريخي ص – 16) "بعدما أكد ماركس ان النظام الاقتصادي يشكل الاساس الذي يقوم عليه البناء الفوقي السياسي، اعار انتباهه اكثر ما اعاره لدراسة هذا النظام الاقتصادي، ومؤلف ماركس الرئيسي "رأس المال" مكرس لدراسة النظام الاقتصادي في المجتمع الحديث، أي الرأسمالي" (لينين نفس المصدر ص 16-17).

"لقد تكون الاقتصاد السياسي الكلاسيكي ما قبل ماركس في انجلترا، وكانت اكثر البلدان الرأسمالية تطورا، فان آدم سميث ودافيد ريكاردو اوللذان درسا النظام الاقتصادي كانا قد سجلا بداية نظرية القيمة – العمل، وواصل ماركس عملهما، فعلل هذه النظرية بدقة وطورها بصورة منسجمة وبين ان قيمة كل بضاعة منوطة بوقت العمل الضروري اجتماعيا لانتاج هذه البضاعة" (لينين نفس المصدر ص 17)، "ان نظرية القيمة الزائدة تشكل حجر الزاوية في نظرية ماركس الاقتصادية" (لينين نفس المصدر ص 17).



يقول ماركس في مقدمة كتابه "رأس المال": "ان الهدف النهائي لهذا الكتاب هو الكشف عن القانون الاقتصادي لحركة المجتمع القائم حاليا"، أي المجتمع الرأسمالي، البرجوازي فدراسة علاقات الانتاج في هذا المجتمع المحدد تاريخيا، من حيث نشوئها وتطورها وزوالها، ذلك هو مضمون مذهب ماركس الاقتصادي". (لينين المختارات المجلد – 5 ص 343)، وكان الاقتصاد السياسي شأنه شأن القسمين المكونين الآخرين للماركسية (مصادر الماركسية هي الفلسفة الالمانية، والاقتصاد السياسي الانجليزي، والاشتراكية الفرنسية وهذه المصادر هي في الوقت نفسه اقسامها المكونة الثلاثة) قد نشأ ليس خارج تاريخ تطور المجتمع البشري، بل خلفا شرعيا لأفضل ما ابدعته البشرية في القرن التاسع عشر (الفلسفة الالمانية والاقتصاد السياسي الانجليزي والاشتراكية الفرنسية).

فقط مادية ماركس الفلسفية ومذهب ماركس الاقتصادي دلت البروليتاريا على الطريق الواجب سلوكه للخروج من العبودية الفكرية وعبودية طبقة رأس المال، وفقط من خلال النضال الطبقي يمكن احداث التراكمات التقدمية الكمية وبعد ذلك احداث القفزة الكيفية، احداث الثورة الاجتماعية وبناء مجتمع المستقبل مجتمع حرية الانسان والانسانية المجتمع الشيوعي.

مراجع:

- لينين – بعض خصائص تطور الماركسية التاريخي

- لينين المختارات المجلد – 5

- رأس المال لكارل ماركس – سيرة لفرانسيس وين

- مبادئ ما هو الاقتصاد السياسي – ايلين ومونيليف