من أجل ممارسة الماركسية كي لا -نصل إلى الضلال والخطأ-

خليل اندراوس
2020 / 11 / 14


الماركسية وتطور ماهية الانسان

الأمة والعلاقات القومية تشكل جانبًا هامًا من الفلسفة الماركسية وفي عصرنا الراهن، عصر الامبريالية المتوحشة تكتسب المسألة القومية أهمية بالغة، وخاصة في الصراع الايديولوجي والذي يزداد حدة الآن بين القوى الرجعية التي تخدم طبقة رأس المال العالمي والكومبرادوري – الوسيط في دول الجنوب خاصة في دول الاستبداد العربي الرجعي، والأحزاب والمؤسسات التقدمية اليسارية، ممثلة الطبقة العاملة والدول المضطهدة.

وفي هذا الصراع الايديولوجي تكتسب المسألة القومية ومشكلات العلاقة بين الطبقي والأممي والقومي أهمية بالغة. أعداء الماركسية، هذه الفلسفة الجدلية الثورية التقدمية الانسانية يعملون بشتى الوسائل السياسية والثقافية والاجتماعية لإثبات حتمية تصادم الأمم والشعوب والديانات، ويعملون بكل الوسائل وخاصة في عصرنا الراهن من أجل تأجيج وزيادة حدة الصدامات والصراعات والحروب بين الدول والشعوب، وما يجري في الشرق الأوسط من صراعات وحروب بين الدول وحروب أهلية، مثل ما يجري في ليبيا وسوريا واليمن لأكبر مثل على ذلك.



وكل هذا يجري أيضًا من أجل التأثير السلبي والرجعي على أذهان الملايين من البشر والطبقات المضطهدة بل المسحوقة في دول الجنوب خاصة العالم العربي، ومن أجل تهميش وتحييد الصراع الطبقي والعمل على تعتيم دور الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية في تأجيج هذه الصراعات. وهذا التلاحم بين قوى الثالوث الدنس يؤدي إلى تشويه الطابع الجدلي التقدمي الانساني الوطني للفكر الماركسي، متناسين، بل يعملون بشتى الوسائل من أجل الغاء المفاهيم الوطنية التقدمية وإلغاء الفكر الذي يقول بأن القومي الحقيقي هو الأممي الحقيقي، والأممي الحقيقي هو القومي الحقيقي، بالإضافة الى ذلك يعمل الثالوث الدنس – الولايات المتحدة واسرائيل ودول الاستبداد العربي وعلى رأسهم السعودية بالتعاون مع الامبريالية والصهيونية على تأجيج الصراعات الدينية ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط بل وعالميًا.

والحرب التي كانت تدور بين أذربيجان وأرمينيا في منطقة ناغورنو كاراباخ وتدخل اسرائيل التي تدعم أذربيجان بالسلاح وتركيا التي ترسل المرتزقة بالآلاف من سوريا ساحة الحرب في أذربيجان لأكبر مثل على ذلك. وتصريحات ماكرون قريب آل روتشيلد العنصرية والمرفوضة أدت الى ردود فعل منها انساني حضاري مقبول يسعى الى التقارب بين الشعوب والديانات، ولكن أيضًا ظهرت ردود فعل تخدم الفكر الرجعي الديني الأصولي، وتخدم الثالوث الدنس مثل تصريحات "الدوس بالرجل على الخد الأيمن والأيسر.. والخ.. بدون ان يدرك هذا الشخص "الذكي" لا بل ويتغاضى عن واقع وجود أقدام جيوش الدول الامبريالية وخاصة الولايات المتحدة التي تدوس الوطن العربي وخاصة في قطر والسعودية ودول الخليج العربي لا بل الأمريكي بالإضافة الى كون هذه الامة العربية تفقد فردوسها فلسطين من خلال مؤامرات التطبيع والنوم في سرير واحد مع الامبريالية، متولهين بالصهيونية.



فالفكر الماركسي اللينيني يؤكد دائمًا على ضرورة تعميق الصراع الطبقي وأهمية ارتباطه بحركات التحرر الوطني، ويؤكد أيضًا على حتمية انهيار النظام الامبريالي الاستعماري وانهيار أنظمة الاستبداد الرجعي خادمة طبقة رأس المال الكومبرادوري عالميًا وفي منطقة الشرق الأوسط، وسقوط المأفون ترامب والترامبية في الانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة هو سقوط لسياسات الاستبداد والغطرسة والعنصرية اليمينية في الولايات المتحدة، وأتمنى أن يأتي ذلك اليوم ونرى سقوط اليمين الاسرائيلي وسقوط الايديولوجية الصهيونية العنصرية الشوفينية وسقوط الوهابية وأتباعها من أنظمة فاسدة وحركات وأفراد خادمة لها، فليكن مصير كل هؤلاء مزبلة التاريخ.

وهنا أودّ ان اذكر أهمية النضال التقدمي القومي الأممي الحقيقي من خلال أحزاب شيوعية، تعمق تواصلها مع جماهير الشعب الواسعة من أجل تعميق التقارب والتواصل بين الشعوب والطبقات المسحوقة والتصدي لكافة تجليات العصبية القومية والعنصرية والشوفينية والتعصب الديني بكل أشكاله، وخاصة مفاهيم الشعب اليهودي "المختار" الذي يذكرني بمفاهيم الشعب الآري "الأرقى".



وفي الفترة الأخيرة صمود الصين وروسيا وايران وفشل المؤامرة على سوريا وصمود كوبا وفنزويلا وبوليفيا وفشل مؤامرة تمزيق سوريا، وصمود الشعب العربي الفلسطيني وسقوط الترامبية، دليل على وجود سبل وطرق وسياسات وممارسات ومفاهيم تؤدي الى الاخوة الصادقة بين الشعوب، ومن ثم تقاربها ووحدتها في مجتمع المستقبل، مجتمع حرية الانسان والانسانية.

وهنا اذكر ما قاله لينين: "حين نسير على طريق الماركسية نقترب أكثر فأكثر من الحقيقة الموضوعية (دون ان نستنفدها أبدًا)، اما عندما نسير على أي طريق آخر فليس بوسعنا الوصول الا إلى الضلال والخطأ".

لذلك علينا ان نتعمق ونتمسك بالطريق الأحمر – طريق الفلسفة الجدلية المادية التاريخية – الماركسية – اللينينية التي تعلمنا بأن كل شيء في العالم يمر بعملية تطور، وتعلمنا كيف نفهم ونفسر هذا التطور بطريقة مادية جدلية. وقد جاءت اكتشافات ماركس العلمية عن قوانين التطور بتطبيق مفاهيم المادية الجدلية، وهذا هو السبب في ان الماركسية وحدها التي تستطيع ان تقدم تفسيرًا علميًا للتطور وان تشير الى طريق المستقبل، والماركسية تعلمنا كيف نفهم التغير والتطور في الطبيعة وفي المجتمع بطريقة مادية تاريخية جدلية، وكيف نصبح بالتالي سادة المستقبل.

ان العالم المعاصر يثبت على نحو قاطع صحة قول الماركسية، بأن صيرورة الانسان والمجتمع عملية ديالكتيكية موحدة، فلا صيرورة للإنسان بدون صيرورة المجتمع وبالعكس، ان وحدة صيرورة الانسان والمجتمع هي التي تتيح فهم الطبيعة الاجتماعية لماهية الانسان واي اجتماع بشري بكل خصوصيات تطورهما الروحي، وهذا التفسير العلمي الماركسي الجدلي لماهية الإنسان ومختلف الجماعات البشرية يتناقض مع مصالح طبقة رأس المال، ولذا فإن ايديولوجيي النظريات البرجوازية النخبوية والعنصريين والشوفينيين خاصة اليمين العنصري الشوفيني الصهيوني المسيحي والصهيونية، وأصحاب الفكر الأصولي الديني بكل أشكاله، ينفون الماهية الاجتماعية للإنسان ولأشكال اجتماع البشر، وهم يسعون لتبرير تفاوت الناس والأعراق والطبقات والأمم وحتى الديانات انطلاقًا من تفاوت مزعوم في التركيب البيولوجي والتكوين النفسي وحتى الديني، ولهذا الغرض يشوه ايديولوجيو طبقة رأس المال انجازات العلوم، الأمر الذي تدل عليه الموجة الجديدة من العنصرية النفسانية والبيلجة (ابتذال البيولوجيا) واليوجينيا الجديدة في البلدان الرأسمالية المتطورة، وخاصة الولايات المتحدة وهذه المفاهيم العنصرية ادت الى وصول العنصري الشوفيني المدعوم من الصهيونية المسيحية والصهيونية العالمية الى رئاسة الولايات المتحدة، وفشله في الانتخابات الأخيرة لا يعني نهاية الترامبية العنصرية الشوفينية بل الفاشية، فأمثال هؤلاء يكملون درب هتلر.



في أعمال ماركس وإنجلز نجد العديد من الملاحظات المنهجية الهامة بالنسبة للحل الصحيح لمشكلة العلاقة بين البيولوجي والاجتماعي، التي غدت مثارا للجدل في عصرنا الحاضر، ففي مساهمة في نقد فلسفة الحق الهيغلية ينوه ماركس بأن ماهية "الشخصية المتميزة ليست في لحيتها (ولا في عمامتها او ثوبها د.خ) ولا في دمها، ولا في طبيعتها البدنية المجردة، وانما في كيفيتها الاجتماعية" (ماركس – إنجلز المؤلفات المجلد – 1 ص 242). وفي رسالة إلى ماركس بتاريخ 19 تشرين الثاني عام 1844 يقول انجلز: "علينا الانطلاق من "الأنا"، من الفرد التجريبي، الجسدي، ولكن لا لكي نتوقف عند ذلك، بل لكي نرتقي منه الى "الانسان" (المصدر السابق المجلد 27. ص12) و"الارتقاء الى "الانسان" – هذا يعني ان طبيعة الانسان ذاتها نتاج للتاريخ، وقد نوه ماركس في "موضوعات عن فورباخ" بانه يتعذر ادراك ماهية الانسان في حال النظر اليه كفرد معزول، مجرد عن مجرى التاريخ، ويرتبط مع الآخرين بعرى محض طبيعية. وهنا اعطى ماركس التعريف الرائع لماهية الانسان: "ليست ماهية الانسان شيئًا مجردًا، ملازمًا للفرد الواحد، فهي في حقيقتها جملة العلاقات الاجتماعية كافة" (المصدر السابق المجلد 3 ص 3)، وتؤكد الفلسفة الماركسية، بخلاف "فلاسفة" طبقة رأس المال الذين ينشرون الأفكار العرقية او العنصرية بان الفوارق العرقية لا تمس ماهية الانسان التي تتأثر بالحياة الاجتماعية السائرة في طريق التطور الجدلي التاريخي نحو الأرقى والأفضل.

ان العنصرية سيكولوجية وايديولوجية وممارسة، ترتكز على تصورات وافكار مناوئة للعلم ومعادية للإنسان والانسانية، وتؤكد على التفاوت البدني والنفسي بين الأعراق البشرية، وعلى جواز وضرورة سيطرة العرق "الأعلى" على الأعراق "الدنيا"، والامبريالية والصهيونية تستخدم العنصرية على شكل واسع. والعنصرية التي ظهرت منذ المجتمع العبودي قد استخدمت لإثبات "طبيعية" سيطرة الأسياد على العبيد، وفي العصور الوسطى – سيطرة "الأشراف" على "العامة" و"سواد" الشعب، ومنذ عصر التراكم الأولي للرأسمال راحت تبرر الاستعمار والاستغلال البشع، حتى والابادة الجماعية للهنود في امريكا الشمالية والجنوبية، وللزنوج في افريقيا ولشعوب كثيرة في جنوب آسيا واستراليا، وفي عصر الرأسمالية تستخدم العنصرية مذاهب الداروينية الاجتماعية والمالتوسية واليوجينية ("تحسين النسل") و"صراع الحضارات" و"نهاية العالم" وتجسد تفاعل العنصرية وهذه التيارات على اشد صورة خطرا ووحشية في الفاشية والصهيونية والأبارتهايد، ان كافة اشكال العنصرية التي ولّدها الرأسمال الاحتكاري العالمي الامبريالي والصهيوني تستخدم لتأجيج العداء العرقي والقومي والديني ولإذكاء النزاعات واشعال الحروب المدمرة وفي عصرنا الحالي ما يجري من حروب عدوانية تقوم بها اسرائيل بدعم امريكي في منطقة الشرق الاوسط لأكبر دليل على ذلك.



فالنازية التي اعتبرت "العرق" الجرماني الآري عرقًا "أعلى" اشعلت نار الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945، وذلك بهدف تحقيق فكرتها الخرقاء حول بسط سيطرة "أمة الاسياد" على العالم كله.

اما الصهيونية التي تنطلق من نظرية "الشعب المختار" الباطلة والرجعية فتزعم ان يهود العالم كله يشكلون أمة واحدة لها حق خاص في "أرض الميعاد". وتجمع بين الصهيونية والفاشية نفس الايديولوجية اللا انسانية نفس السياسة العنصرية والعدوانية نفس ممارسة الابادة الجماعية والتطهير العرقي، وإذا كان النازيون طبقوا سياسة الابادة العنصرية حيال اليهود، وطبقتها الامبريالية الامريكية في الفيتنام والسلفادور، فان صهاينة اسرائيل يطبقون الابادة الجماعية، الهتلرية النمط بالذات حيال الشعب الفلسطيني. وهنا لا بد وان نذكر بأن العداء للسامية تزرعه البرجوازية والصهاينة ضمنًا زرعًا واعيًا، وذلك كشكل متطرف من الشوفينية العصرية وعلى هذا الحال تكون الصهيونية ومعاداة السامية وجهان لعملة واحدة ولذا فليس من الصدفة ان يصرح مرارًا زعماء الصهاينة (جابوتينسكي غولدمان هرتزل وغيرهم) بأن معاداة السامية حليف لهم ضروري ونافع.

إن رفع بعض الأعراق الى مصاف الأعراق العليا كما فعلت الصهيونية بالنسبة ليهود العالم كله والنازية بالنسبة للجرمان كافة قد استند قبل كل شيء الى بيلجة الماهية البشرية (وحدة الدم) وان استخدمت أيضًا، ولا تزال تستخدم الدوافع الدينية (من قبل الصهاينة) وبواعث اخرى غيرها (ولا سيما "الروح الخاصة"). ومع كل هذا تأتي الانظمة الرجعية العربية وتمارس سياسة التطبيع مع الاحتلال والاستيطان مع من يتنكر للحقوق العادلة للشعب الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين، ما فعلته هذه الأنظمة الرجعية العربية كالإمارات والبحرين والسودان وبالخفاء السعودية هي خيانة وطعنة في ظهر الشعب الفلسطيني، ولكن التطور التاريخي وصمود الانسان الفلسطيني وآخر مثل على ذلك الأسير ماهر الأخرس دليل على ان ماهية الإنسان التقدمي الوطني الأممي لا بدّ وأن تنتصر، أما الصهيونية فمصيرها مزبلة التاريخ.

المراجع:
أصول الفلسفة الماركسية جورج بوليتزر.
مدخل الى المادية التاريخية موريس كورنفورت.
ماركس إنجلز مختارات.
نظرية الأمة في الماركسية اللينينية – كالتاختشان.