ترامب ليس مجرد مرحلة عابرة

رياض حسن محرم
2020 / 10 / 30

سواء بقى دونالد ترامب لأربع سنوات قادمة، أم حل محله فى البيت الأبيض حاكم ديموقراطى، فإنه يمكننا القول بثقة أن ترامب هو تعبير دقيق عن مرحلة جديدة، وتغيرات عميقة على الجانب الأمريكى، هى مرحلة الشعبوية الوطنية التى ما زالت فى مرحلة صغودها، ان تاريخ الشعبوية فى أمريكا يعود الى عهد قديم، فمنذ ستينيات القرن الماضى والحزب الجمهورى فى امريكا يضم تيارات فكرية متنوعة، تبلورت بوضوح مع إقرار قوانين الحقوق المدنية التى منحت حقوقا مساوية للسود. وعلى رأس تلك التيارات يأتى المحافظون الاقتصاديون (فيما يتعلق بالضرائب وقطاع الأعمال) والمحافظون الاجتماعيون (ممن يؤيدون وبشدة شكل العائلة التقليدى ويعادون الإجهاض) والمحافظون الجدد (ممن يدفعون لاستخدام القوة والحروب الخارجية)، وضم كذلك المعارضين لدور متضخم للحكومة الفيدرالية. وتاريخيا تبنى الحزب الجمهورى أفكارا وقيما تقليدية محافظة سواء الاجتماعى منها أو ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية، بوصلة الحزب التى رأسها خبراء كثيرون كيمين الوسط منذ ستينيات القرن الماضى وحتى الآن، ومثّل العام 2008 نقطة تحول هيكلية فى تركيبة الحزب الجمهورى، فقد خرجت إرهاصات التيار اليمينى عمليا وبقوة الذى شهد حدثين تاريخيين، ساهما فى ضخ دماء جديدة فكرية وتنظيمية للشعبويين وهو ما سهل من وصول التيار الشعبوى والذى نجح ترامب فى امتطاء قيادته. ففى هذا العام، وقعت الأزمة المالية العالمية التى بدأت بسوق العقارات الأمريكية، وأثر ذلك على ملايين المواطنين ممن فقدوا وظائفهم أو بيوتهم، أو الاثنين معا. وظهرت مرارة كبيرة من سياسات العولمة والحروب والتجارة الحرة والميكنة والاقتصاد الرقمى، كما ساهم الصعود الاقتصادى للصين فى مضاعفة مخاوف فئة عمال المصانع وعمال المناجم على مستقبلهم الوظيفى.
وارتبط العام 2008 كذلك بوصول أول رئيس أسود، باراك أوباما، إلى البيت الأبيض، ومثل ذلك تذكيرا للأغلبية البيضاء، خصوصا الرجال منهم، أن التهديدات النظرية بفقدان سيطرتهم التاريخية على الحياة السياسة الأمريكية قد بدأت بالفعل. وكان رد الفعل متمثلا فى الوقوع فى حضن حركة حزب الشاى المحافظة والمتطرفة حتى بمعايير الحزب الجمهورى. هاجم حزب الشاى أوباما، وتبنى سياسات وخطابا يؤجج العنصرية والتعصب والإسلاموفوبيا. ومثل صعود ترامب كذلك غضبا واضحا لما شهدته أمريكا من تغيرات اجتماعية وديموغرافية فى النصف قرن الأخير تمثل فى هجرة الملايين من الكاثوليك من دول أمريكا الوسطى والجنوبية، وهجرة ملايين أخرى غير مسيحية وعلى رأسهم مسلمين من دول آسيوية كالصين والهند ودول الشرق الأوسط.
ويرفض الكثير من المتعصبين البيض البروتستانت الاعتراف بواقع أمريكا الجديد، ويرون فى التغيرات تلك تهديدا وجوديا لهم ولأمريكا التى فى مخيلتهم الجمعية. ولم تكفِ خطابات ترامب العنصرية والفاشية المتطرفة ضد كل ما هو غير مسيحى أبيض، كى لا يثنى الجمهوريين عن اختياره لتمثيلهم، بل يبدو أنها كانت السبب المباشر والأهم فى فوزه الكبير، واكتساحه كرمز ممثلا للملايين من الغاضبين على اتجاه أمريكا السريع نحو مزيد من التنوع العرقى والدينى واللغوى.
لقد تبنى ترامب خطابا سياسيا ديماجوجيا يهز عواطف المواطنين من أجل كسب ولائهم. ولا يُدعم الخطاب الشعبوى الترامبى متلقيه بمعلومات دقيقة، أو بيانات صحيحة يمكن التحقق من مصداقيتها، إذ إنها تتجاهل عقل المواطن، وتتجه إلى عواطفه وغرائزه بصورة مباشرة.
وقد أظهرت السياسات التى اتبعها ترامب حتى الآن التزاما جادا بشعبوية يمينية أمريكية جديدة فى مظهرها راسخة فى طبيعتها سواء تعلق الأمر بالشأن الداخلى أو السياسة الخارجية، واجتاحت تلك الموجة أوروبا أيضا، أو أولا، فإنه يحظى ساسة شعبويون فى مختلف بلدان أوروبا بإقبال متزايد، إذ إن عدد المؤيدين لهم في ارتفاع مستمر ويفوزون في الاستحقاقات الانتخابية، ويمكن تعداد ما أحدثه ترامب فى الوقع الأمريكى، وربما من الصعب جدا أو من المستحيل اعادة العجلة للوراء، على رأسها:
1- أعاد التوازن لملف التجارة الدولية مع أمريكا بإعادة الملكية الفكرية والتصنيع إلى الولايات المتحدة.
2- وقف ترامب ضد مبدأ ارضاء ذات المواطن، مبدأ اللذة المفرطة التي دمرت أوروبا وأمريكا، هذا المبدأ الذي جعل الانسان يعيش بعيداً عن الالتزامات المهنية والاخلاقية، لا يريد تحمل المسؤولية، يحب الكسب السريع السهل. تحت مسميات الحريات الشخصية يتنصل من التزاماته الاخلاقية والانسانية والاجتماعية والاسرية والوطنية نتذكر حركات مثل « الهيبيز » في الـسبعينات من القرن الماضي، علّمت الشباب كيفية التخلي عن واجباتهم الوطنية والاجتماعية كرفض المشاركة فى حروب امريكا الخارجية، وكانت بوابة لانتشار الادمان، الحشيش والمخدرات التي انتشرت في جميع انحاء العالم. إن مبدأ ارضاء الشارع دمر الغرب وجعله بيئة خصبة للإسلام المتشدد الاصولي الذي سيطر على أحشاء أوروبا وأمريكا الداخلية.
3- انهاك الارهاب الاسلامي بشقيه السني والشيعي… لقد أجبر السعودية على أن تُغّير سلوكها 180 درجة من داعم وممول رئيسي للإرهاب إلى مقاوم للإرهاب… وايضاً ضرب الإرهاب الشيعي والمليشيات الموالية لإيران ضربات موجعة لم تحدث في تاريخها منذ مجيئ الخُميـني.
4- مواجهة تغول الصين (من وجهة نظر الشعبويين)…. الصين منافس غير شريف لا يلتزم بقواعد المنافسة في الدول الرأسمالية ولا بقوانين التجارة العالمية، ومن السهولة والخطورة أن تتحول من منافس الى عدو. فهي دولة شمولية قمعية يحكمها أكبر حزب شيوعي في العالم، ليست لديها قيم الدول الأوروبية ولا حضارة بجودة وروعة الحضارة الغربية وهو ما يروق لكثير من الكيانات الاستبدادية في المنطقة، إذ على عكس التركيز الغربي والأمريكي التقليدي بالضغط على تلك الدول لتحقيق المعايير الليبرالية والديموقراطية، فإن الصين تمثل نموذحا سهل الانقياد اليه.
5- ملف الهجرة والحدود مع المكسيك المثير للجدل في أمريكا لأكثر من ثلاث عقود لم يتناوله أي رئيس سابق. اهتم به الرئيس ترامب بشكل غير مسبوق بضبط الهجرة واستقبال الكفاءات فقط وصَرّحَ بأن أمريكا تشبعت بالمهاجرين غير الشرعيين.
6- ملف إسرائيل والعرب… تعامل بواقعية مع « الصراع العربي الإسرائيلي المفتعل » وحَوّل القضية الفلسطينية من قضية إقليمية مزمنة إلى قضية داخلية محلية منهكة كقضية إقليم الباسك وكتالونيا وقضية كشمير والأكراد وناغروني كاراباخ! وبهذا العمل الجبار وضع حداً لهذه القضية التي انهكت كاهل العرب والعالم لأكثر من سبعين عاماً، واستنزفت الارواح والطاقات والوقت والاموال. كما جَذَبَ الدول العربية نحو معاهدات سلام مع إسرائيل, وجاءت الإمارات والبحرين لتكون من أوائل الدول التي وقعت على اتفاقية السلام والسودان بعدهما…. هذا الملف يُحسَب لترامب ولم يقم به أي رئيس سابق.
7- تَحييد كوريا الشمالية، أوعلى الاقل تبريد العداء الملتهب بينهما وجعل الجلوس على طاولة واحدة والتفاوض معها أمراً ممكنا.
8- ملف حروب أمريكا المجانية دون ان يتحمل احد تكاليفها، وتحمّل العبء الاكبر في ميزانية حلف الناتو (ما يقرب من 70 في المئة من مجمل النفقات)، وجعل دور أمريكا فقط هى الحماية بأجر أو مقابل، واعتبر ان انفاق الأموال بلا حدود (7 تريليونات دولار فى حرب العراق وحدها) جزء من الماضى لن يعود.
9- تخليه عن الإتفاقيات التى تشكل عبئا على الإقتصاد الأمريكى كاتفاقية المناخ والحد من الأسلحة النووية وغيرها.
إن لطبقة الوسطى التي تشعر بالتهديد على امتيازاتها فى امريكا ساعدت هناك ترامب على إحراز فوزه الانتخابي، فليس الفقراء جدا هم من صوتوا لترامب، بل هي أصوات أشخاص من وسط المجتمع. وهؤلاء الأشخاص يشعرون في الغالب أنهم لم يعودوا يعرفون وطنهم. وبعضهم يخشى الانهيار الاجتماعي وآخرون يعارضون أمريكا المتنوعة والمفتوحة، ثم يأتي شخص مثل ترامب يتجاهل جميع القواعد القائمة ويعطي الانطباع بأنه يريد العمل من أجل أن تكون "أمريكا أولا"، فمن الصعب تجاهل كل تلك التغييرات فى الواقع الأمريكى.

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار