صيحة لا معنى لها طبقيا

مصطفى بنصالح
2020 / 10 / 20

صيحة تطلب من السلطة التزام الحياد في معركة عمالية دامت لشهور دون أن تصل لحل يرضي العمال ويوقف الطرد الذي لحق بالعديد من رفاقهم.
فالصيحة كانت طلبا من أحد المكاتب النقابية المسؤولة عن تأطير إحدى المعارك النقابية العمالية بمدينة طنجة، هذه المعركة التي تميزت بالصمود وطول النفس، رغم القمع والتجويع والحصار واستغلال ظروف الجائحة المتفشية..
فلم يكن من سبيل لجميع التيارات الديمقراطية والتقدمية، على اختلاف مشاربها، سوى احتضان المعركة والتضامن مع العمال ضحية هذه المؤامرة التي رمت بالعشرات منهم إلى الشارع وإلى جحيم البطالة والجوع.
بعض النزعات النرجسية التي رافقت هذه المعركة العمالية منذ انطلاقها، ارتأت شن خطة شعواء ضد جميع المتضامنين، عبر التلميح أو التشكيك الصريح في صدق نواياهم وفي خطواتهم النضالية التضامنية.. الشيء الذي يمكن أن يرخي بضلاله السلبية على السير العادي للمعركة حتى تحقيق مطالبها المشروعة، المتمثلة في إرجاع كافة العمال المطرودين إلى عملهم دون قيد أو شرط. بحيث حاول أصحاب هذه النزعات الصبيانية، منذ انطلاق المعركة الاستحواذ على زمامها ومنع أي من المتضامنين الاقتراب منها وفق صيحة "أنا وحدي نضوي البلاد"..! وهي نظرة انتهازية لا علاقة لها بالمنظور النضالي العمالي الذي يهدف دائما إلى تطوير المعارك العمالية وإلى الرفع من الوعي العمالي وإلى نشر ثقافة التضامن والصمود في صفوف العمال اعتمادا على الإضرابات العامة المحلية على مستوى المدينة، وعلى الإضرابات العامة الوطنية في القطاع المعني، وهكذا دواليك، إلى الإضراب العام الوطني والشمولي.. وحين تكون الظروف غير ملائمة لإنجاح هذا الأسلوب النضالي المثالي، فيجب شرح أسباب هذا العجز بكل الموضوعية اللازمة عوض رمي الجميع بأقبح النعوت.
فمعركة عمال شركة أمانور، لم تكن هي الأولى ولا الأخيرة دفاعا عن مصالح العمال والعاملات، وعن حقهم في الانخراط النقابي.. فالصراع الطبقي جار على قدم وساق داخل المجتمع وداخل جميع المؤسسات الاقتصادية وفي داخل المجتمع وداخل جميع المؤسسات الاقتصادية وفي القلب من جميع المناطق الصناعية، في مواجهة مستمرة وحثيثة ضد الرأسمال من شتى الجنسيات، بحيث لم يتوقف عمال وعاملات النسيج والخياطة والأسلاك وتعليب الأسماك وتركيب السيارات.. عن النضال عن هذا الحق وصيانته رغم أساليب الطرد والتعسف والقمع، التي تترصدهم باستمرار منعا لهذا الحق.
فالواجب التضامني مع العمال في معركتهم المشروعة هذه واجب نضالي مبدئي لا يجب أن تشوش عليه مثل هذه الحسابات السياسية الطبقية والانتهازية في نفس الوقت، حسابات لا مبدأ لها سوى الترويج "للقدرات الخارقة للقبيلة ومركزها، في احتضان النضال العمالي.."!
وبعيدا عن هذا الوهم، تبقى مهمتنا كمناضلين عماليين هي السعي الدائم لتطوير الوعي الطبقي وسط الطبقة العاملة وداخل الأوساط الشعبية العامة، وحين تتاح الفرصة لخوض نضالات اقتصادية من هذا الحجم، ندربها على التنظيم والتضامن والتنسيق، وعلى الوحدة النضالية النقابية.. حيث يجب علينا كمناضلين بذل الجهد الكافي لتوفير الدعم المادي والمعنوي من جميع الجهات الديمقراطية والتقدمية نصرة لهاته النضالات، دون تشكيك أو تشهير بهويتها النضالية المحدودة السقف والأفق.. فليس المطلوب منا في خضم هكذا معارك البحث عن مناضلين شيوعيين ماركسيين لينينيين لقياس مدى التضامن والمساندة لمعركة عمالية من هذا الشكل والحجم، إذ المطلوب هو مشاركة جميع المناضلين الديمقراطيين والتقدميين دعما لهذه المعركة العمالية، ويكفي الانتباه للعديد من الأصوات الحرة التي تعج بها المنظمات السياسية والنقابية والجمعوية في الساحة، والمنخرطة في دعم ومساندة جميع المعارك العمالية والشعبية، دون تحفظ.
فمن وجهة نظرنا نبدي كل التضامن والمساندة لهذه المعركة العمالية المشروعة، ونطالب جميع الاتجاهات اليسارية الحرة بالمزيد من الدعم والمساندة حتى تحقيق المطالب وعلى رأسها إرجاع المطرودين والاعتراف بالمكتب النقابي المنتخب.. ودون هذا ليس سوى هراء في هراء، ولن يتعدى رياضة الصيد في الماء العكر ووهم البطولات الكارطونية الصبيانية..

ملاحظة لها علاقة بصلب الموضوع

في سياق هذه المعركة أصدر المكتب النقابي لعمال شركة أمانور بيانا بتاريخ 26 غشت 2020 "ندد فيه بكافة أشكال التآمر على العمال ودعا السلطات المحلية إلى التزام الحياد.." وقد أثارتني بشدة هذه الصياغة الغريبة والبليدة في نفس الآن، وهي تطالب بحياد السلطة خلال معركة طبقية قحة، وداخل مغرب لا يعترف أصلا بالحريات والحقوق واستقلال القضاء والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان..الخ والحال أن النزعة إياها التي حاولت الاستفراد بدعم هذه المعركة باعتبارها معركة طبقية مصيرية ليس لعمال أمانور وفقط، بل لهذه المجموعة السياسية بالذات، والتي لم تتوقف عن تخوين جميع التيارات الديمقراطية والتقدمية ونعتها بالتآمر والتخاذل والبيروقراطية والمتاجرة بهموم الشعب الكادح، في محاولة صبيانية لوضع نفسها "كبديل جذري" للمرحلة.!
فاللغة الطبقية السليمة تؤمن أشد الإيمان بأن جهاز الدولة جهاز قمع طبقي لا يحتمل الحياد، تستعمله الطبقة الحاكمة أو التحالف الطبقي الحاكم لإحكام سيطرتها على الطبقات الشعبية المحرومة من حقوقها، وفي مقدمة هذه الطبقات وهذه الفئات الشعبية توجد الطبقة العاملة منتجة فائض القيمة.. لذا يصعب على المناضلين "الثوريين الجذريين" القبول بهكذا وصفات تلتمس الحياد من سلطات تخصصها القمع والبطش والدفاع عن الرأسمال.. حيث كان الواجب يقتضي اتخاذ صياغة ملائمة تساعد على تثقيف العمال وعلى الرفع من وعيهم ليصبح وعيا اشتراكيا ناضجا للقضاء على الرأسمالية نهائيا، وليس إصلاح حالها ونصحها بتلطيف عملية الاستغلال الجارية على قدم وساق.

شتنبر 2020

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول