الإستقلال ليس صندوق عجائب

سلامة محمد لمين عبد الله
2020 / 10 / 11

إذا سألنا أيَّ إنسانٍ صحراويٍّ عن هدفهِ المنشودِ، و طموحاتهِ و أحلامهِ في الحياةِ، فإنَّه سيذكرُ لنا، من بين الأشياء التي سيذكرُها، و ربّما أهمُّ شيءٍ عنده، أنّه يريدُ الإستقلالَ الوطنيَّ و بناءَ الدّولة الصّحراويّة المستقلِّة على كامل ترابِ وطنِه، الصحراء الغربية. إنّها مسألةٌ لا يوجد جدالٌ حولَها. لكنْ يجب على الكثيرين منَّا التخلي عن الفكرة السّائدة على نطاق واسع، و هي أنَّ الإستقلالَ الوطنيَّ هو شيءٌ يشبه صندوقَ العجائب. يعني: الإعتقادُ السّاذجُ الموجود عند البعض منّا، المتمثل في أنّنا، بمجرّد أنْ ننالَ إستقلالَنا الوطني، و نتمكنّ من السيطرة على أرضنا و مياهنا و أجوائنا و ثرواتنا، و بعد الفرح العارم بنشوة النّصرِ، و الإحتفالِ بالإنجاز العظيم؛ ثمّ نفتحُ صندوقَ العجائب، سيصيبُنا الذّهولُ لِما تراهُ أعينُنا من نفائسٍ ثمينةٍ، و كنوزٍ برّاقةٍ، وعجائبَ و معجزاتٍ، و أشياءٍ جميلةٍ خياليّةٍ يعجز اللّسَانُ عن وصفها. فتتحققُ، حينذاك، كلُّ أحلامِنا و طُموحاتنا، و تتجسّدُ كلُّ أمانينا و آمالنا، و تُحلُّ كلُّ مشاكلنا؛ و تنتهيٍ، إلى الأبد، آلامُنا و معاناتُنا؛ و نعيشُ في أمنٍ و سلامٍ و وئامٍ و رفاهيّةٍ و إزدهارٍ و سعادة دائمةٍ.

هذا النّوعُ من "الإستقلال" هو شيءٌ لا يوجد في الواقع. لأَنّ كلَّ دولِ و شعوب العالم التي سبقتنا، بما فيها تلك التي بلغت مرتبةً عاليّةً من التّطوّر في شتى المجالات، و تملكُ الوسائلَ و الإمكانيات الهائلة، لم تحرزْ إستقلالاً كهذا، بما يمثله من حرّيّة و عدالة و أمن و رقيٍّ، مثلما كانت تحلمُ به في البداية.

يجب علينا إدراكُ أنَّ ما سننالُه من الحريّة و الكرامة و العدالة، و ما سننعمُ به من السّلم و الأمن و الوئام و الإستقرار، في الدولة المستقلة، هو ذلك الشيء الذي يجبُ أنْ نكرِّسَه و نعملَ على تحقيقه في مختلف جوانب حياتنا الرّاهنة. و لنْ نبلغَ المرامي التي نسعى إلى تحقيقها، إلا بقدر المجهود الذي نبذلُه، و التنازل الذي نقدّمُه، و صفاءِ الرّؤيةِ التي نرسمُها، و نبل المقاصد و السلوكات و القيّم التي توجِّهُ عملَنا. إنّ عالم اليوم لا يوجد فيه شيءٌ بالمجان، و لا تستطيع أيٌّ أمّة أن تأخذَ لنفسها إلا ما تستحقُّ، و ما هيّ أهلٌ له. نحنُ لا نستطيع أنِ نطلبَ من العالم أن يقدم لنا إلا ما نستحقهُ و نثَمِّنُه بالفعل، وما نؤمنُ به حقَّاً، و نتعلّق به، و نعملُ كلَّ ما في وسعنا من أجل تحقيقه في حياتنا اليوميّة. نحنُ لن نكونَ أكثر تنظيما، و لا أَكثرَ عدلا و إنفتاحا و تسامحا، و لا أكثر حريّة و ديمقراطية، من وضعنا الحالي؛ و لن تسود بيننا الأخلاقُ الحميدة، و القيّمُ الحضاريّة؛ ما لم نبادر الآن، و دون مُماطلةٍ، و بنيّة حسنة، و بتوظيف كلِّ ما نملكه من خبرة و إمكانيات، بوضع اللّبِنات الأساسية لما نطمح أنْ نكونَه غداً.

نحنُ نستطيعُ الآن، تحديد نوع الأشياء التي نريد الحصول عليها في المستقبل، التي نتمنىّ أن يضُمّها صندوق العجائب الذي نسميه "الإستقلال". إنَّها الأشياءُ الجميلةُ، النبيلةُ، الواضحةُ، البرّاقةُ؛ التي تهفو إليها قلوبُنا، و تشتاقُها نفوسُنا. هذا التصوّر يساعدنا على بَلوَرة نموذجٍ واقعيٍّ في حياتنا المُعاشة. قد يكون نموذجا متواضعا و بدائيّاً، و يفتقر إلى الكثير من الوسائل و الشروط الضرورية، و قد يبدو للبعض أشبه باللّعبة، أو التمثيل؛ لكنّه نموذجٌ مصغّرٌ يعكسُ نوَايانا و يعبّرُ عن أحلامنا و طموحاتنا. فهو نموذجُنا الخاصُّ بنا، المناسبُ لنا، المثاليُّ، المتميّز،ُ الفريدُ؛ الذي لا يستطيعُ المغربُ أنْ يُحاكيَّه.