البيروقراطية قاتلة الثورات (2-2)

خليل اندراوس
2020 / 10 / 10


وهذه الانظمة هي شكل من اشكال الايديولوجيات اليمينية العنصرية الشوفينية والبيروقراطية المتطرفة، وهذا يجعلنا نقول بان الفاشية وهتلر لم يموتا بل تركا من يكمل طريقهما. ان علماء الاجتماعي خادمي الطبقة البرجوازية يحاولون تبرير عملية تعزيز البيروقراطية، التي تتميز بها الرأسمالية المعاصرة، ويستشهدون عادة بازدياد تعقد تنظيم الادارة، وبضرورة اقامة التسلسل المراتبي وكذلك العقلانية والانتظام فيها من جراء ذلك. وهكذا يماثلون بين البيروقراطية وبين مبدأ التنظيم والقيادة، ولكن في جميع مراحل المجتمع البشري كانت ضرورة تنظيم ادارة مختلف مجالات الحياة الاجتماعية قائمة وستظل قائمة ابدا، بينما شكلها المشوه – سيادة البيروقراطية – ظهر في المجتمع الطبقي وسيزول مع زوال الفوارق الطبقية التناحرية، في عصرنا الحاضر يقترح بعض ممثلي علم الاجتماع البرجوازي اجراءات معينة ضد اصطباغ المجتمع الرأسمالي بالصبغة البيروقراطية، منها تعزيز الرقابة "الدمقراطية"، الحاق الموظفين باختصاصيين تكنوقراطيين، ويتقدمون ببرنامج لتحسين العلاقات الشخصية بين الناس والمناخ الاخلاقي النفساني يرتكز على مفهوم "العلاقات الانسانية".

ولكن ما يسمى بالرقابة "الدمقراطية" في المجتمع الرأسمالي كما تؤكد الماركسية ليست الا شأنا ظاهريا لأن التفاوت الاقتصادي يقوّض الحرية ويجعل غالبية المواطنين احرارا بشكل اسمي بحت. لذلك، فقط عن طريق تغيير البنية الرأسمالية نستطيع الوصول الى الدمقراطية الحقيقية الخالية من الصراع الطبقي والبيروقراطية أي المجتمع الشيوعي.



وذلك لأن العلاقات الاجتماعية الرأسمالية ترتبط، من حيث جوهرها بالذات، ارتباطا لا انفصام لعراة بتنظيم الادارة تنظيما منافيا للدمقراطية، ولهذا لا بد لأزمة الدمقراطية البرجوازية ان يصاحبها اشتداد البيروقراطية اكثر فأكثر، وتعزيز جهاز الدولة البوليسي البيروقراطي، وانماء جهاز الموظفين المميز، الواقف فوق الجماهير، وفي هذه الاحوال تقوي الجماهير الكادحة النضال ضد نظام الرأسمالية العسكري البيروقراطي وتجهد لِدك البيروقراطية واقامة الدمقراطية الحقيقية، وهذا ما نشاهده الآن من مظاهرات واحتجاجات في الولايات المتحدة ضد النظام الرأسمالي العنصري البوليسي البيروقراطي اليميني الفاسد والذي قد يؤدي الى حرب اهلية، ولكن نحن نعلم بانه لا يمكن اقامة السلطة الشعبية الحقيقية التي تتنافى مع البيروقراطية الا مع قيام الثورة الاشتراكية والانتقال الى الاشتراكية وبناء الشيوعية. فان اقامة الملكية الاجتماعية وتصفية الاستثمار تخلقان الاساس لأجل وحدة المصالح العامة والخاصة الشخصية لأجل تصفية انفصال هيئات السلطة والادارة عن الشغيلة.



ان تحطيم آلة الدولة البرجوازية يعني تصفية نظام الادارة البيروقراطية، ويوضع جهاز الدولة الجديدة وهيئاتها في خدمة الشعب. كتب ماركس: "لا يمكن القضاء على البيروقراطية الا اذا اصبحت المصلحة العامة مصلحة خاصة في الواقع"، و"اذا اصبحت المصلحة الخاصة مصلحة عامة في الواقع" (ماركس انجلز المؤلفات، الطبعة الروسية المجلد الاول ص – 272). ولكن استئصال بقايا السمات البيروقراطية في الادارة لا يجري اوتوماتيكيا مع تحطيم آلة الدولة البرجوازية بل يتطلب العمل المنتظم والهادف، حول هذا الموضوع كتب لينين في كتابه "حول اشراك الجماهير في ادارة الدولة – ص 171 – 172" ما يلي:

"ان مكافحة البيروقراطية الى النهاية، مكافحتها حتى النصر التام، لا يمكن القيام بها الا اذا اشترك جميع السكان في ادارة البلاد. وفي الجمهوريات البرجوازية لم يكن هذا مستحيلا وحسب، فالقانون نفسه كان يمنعه. ان افضل الجمهوريات البرجوازية مهما كانت دمقراطية توجد فيها آلاف العقبات التشريعية التي تحول دون اشتراك الشغيلة في ادارة الدولة، ولقد فعلنا بحيث لا تبقى هذه العقبات قائمة عندنا، ولكننا لم نتوصل بعد الى ان تتمكن الجماهير الكادحة من الاشتراك في ادارة البلاد، فعلاوة على القانون، يوجد ايضا المستوى الثقافي الذي لا يمكن اخضاعه لأي قانون، وبسبب هذا المستوى الثقافي المنخفض نرى ان السوفييتي التي هي بواسطة برنامجها، منظمات للحكم بواسطة الشغيلة، هي في الواقع هيئات للحكم من اجل الشغيلة، بواسطة الفئة المتقدمة من البروليتاريا لا بواسطة الجماهير الكادحة. وهنا نواجه مهمة لا يمكن انجازها الا اثر عمل تثقيفي وتربوي طويل، وهذه المهمة في منتهى الصعوبة اليوم بالنسبة لنا، لأن فئة العمال التي تحكم رقيقة الى اقصى حد، الى حد لا يصدق، كما سبق وأشرت مرارا فيجب ان نتلقى النجدة.



ان جميع الدلائل تشهد على هذا الاحتياط ينمو في داخل البلاد، هناك عطش شديد الى المعرفة ونجاح التعليم المكتسب في اغلب الاحيان خارج المدرسة رائع جدا، وروعة نجاح تعليم الجماهير الكادحة لا تدع مجالا لأي شك.

ان هذا النجاح لا يدخل في أي نطاق مدرسي، ولكنه هائل، وكل شيء يحمل على الاعتقاد بانه سيكون لنا في المستقبل القريب احتياطي هائل يحل محل ممثلي الفئة البروليتارية الرقيقة المنهوكين جدا، ولكن وضعنا الحالي هو على كل حال، لفي منتهى الصعوبة في هذا الصدد. لقد غُلبت البيروقراطية على امرها، وازيح المستثمرون ولكن المستوى الثقافي لم يرفع بعد، ولهذا يحتل الدواوينيون مناصبهم السابق، ولن يكون في المستطاع زحزحتهم الا بتنظيم البروليتاريا والفلاحين على نطاق اوسع بكثير مما حتى الآن، وبتطبيق تدابير ترمي الى اشتراك العمال في ادارة البلاد تطبيقا فعليا في آن واحد. وهذه التدابير تعرفونها جميعكم في نطاق صلاحية كل من مفوضيات الشعب، ولن اتوقف عندها.

ومن مفارقات التاريخ صعوبة محاربة البيروقراطية واستمرار الدواوينيون في السلطة، بعد وفاة لينين لم تنجح، واستمر عدم اشتراك العمال في ادارة الدولة تطبيقا فعليا، وهكذا اصبحت الاحزاب الشيوعية الحاكمة في الدول الاشتراكية سابقا بما في ذلك الاتحاد السوفييتي من اعتى قلاع البيروقراطية التي حذر منها ماركس ولينين، وهذا ما قتل الروح الابداعية والتجديد والادارة الاقتصادية المتطورة من قبل الطبقة العاملة مما ادى الى انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية بشكل تراجيدي كارثي.

فالعدو الخطير للثورات الاجتماعية التي تُحدث القفزة النوعية نحو مجتمع المستقبل، المجتمع الشيوعي هي البيروقراطية التي قد تكون قاتلة هذه الثورات، لقد فشل تطبيق وممارسة الاسلوب اللينيني الحزبي في عمل هيئات الحزب والدولة، وفشل النضال ضد البيروقراطية، كالتقيد الشديد بالشكليات والمماطلة وتقديم البيانات والنجاحات الفارغة من المضمون الخ..



وفشلت ترقية ادارة المجتمع الاشتراكي من اجل توفير المقدمات لأجل الانتقال الى الادارة الذاتية الاجتماعية الشيوعية، طبعا هذا بالاضافة الى الفشل الاقتصادي، يكفي ان نذكر ما قاله لينين بانه "لا يمكن للاشتراكية ان تنتصر على الرأسمالية الا اذا اصبحت انتاجية المجتمع الاشتراكي ضعفي انتاجية المجتمع الرأسمالي" وهنا ايضا كان الفشل الكبير.

** المراجع

ماركس انجلز – المؤلفات – المجلد الاول
لينين المؤلفات الكاملة المجلد الاول – ص 44
لينين – حول اشراك الجماهير في ادارة الدولة
معجم الشيوعية العلمية