الألغام السوفياتية المنفجرة... وتلك القابلة للانفجار

محمد سيد رصاص
2020 / 10 / 9




في يوم 7 تموز/ يوليو 1923، أصدر قوميسار- مفوّض (ثمّ عام 1946 استُبدل اللقب بوزير) القوميات في الاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين قراراً بضمّ منطقة ناغورني قره باغ إلى أراضي أذربيجان التي كانت منذ 12 آذار/ مارس 1922، جزءاً من «الجمهورية الاشتراكية السوفياتية الفدرالية لعموم القفقاس (القوقاز)»، والتي كانت تمتدّ بين بحرَي قزوين والأسود، وتضمّ أيضاً أرمينيا وجورجيا وأبخازيا. تأخّرت السيطرة البلشفية على أذربيجان، حتى عام 1920، وعلى أرمينيا إلى عام 1921، فيما جيورجيا التي أقام فيها منافسو البلاشفة، أي المناشفة، حكماً منفصلاً عن موسكو، منذ عام 1918، فإنّ السيطرة البلشفية عليها، في شباط/ فبراير 1921، قد قادها اثنان من الجورجيين بقيادة الحزب البلشفي، وهما سيرغو أوردجينيكدزه وستالين. عند طرح فكرة إنشاء جمهورية عموم القفقاس، في صيف 1921، عارضها بلاشفة جورجيا الذين جرفتهم الموجة القومية التي اجتاحت الكثير من مناطق روسيا القيصرية، بعد ثورتَي شباط/ فبراير وتشرين الأول/ أكتوبر 1917، بحكم القمع الروسي المديد أثناء حكم القياصرة، مثل أوكرانيا التي أقام القوميون فيها جمهورية عام 1918. وقد كان المناشفة في جمهوريتهم الجورجية يعبّرون عن القومية الجورجية، أكثر ممّا يعبّرون عن خلافاتهم حول الماركسية، والتكتيك الثوري، وبنية الحزب التي قادت إلى انشقاق عام 1903، بينهم وبين البلاشفة. فرض الجورجي ستالين على أبناء قوميّته ما أراد، لصالح المركز، وعندما قام بخطوته تجاه ناغورني قره باغ، كان يفعل بالمثل تجاه الأرمن الذين لم يكونوا موافقين على أن يكونوا جزيرة في بحر آذري، وغير متّصلين برياً بأرمينيا، ويبدو أنّهم كانوا يحدسون بأنّ تلك الجمهورية القفقاسية لن تعمّر طويلاً، وهو ما حصل عند تفكيكها إلى جمهوريات، أذربيجان وأرمينيا وجورجيا عام 1936، مع الدستور السوفياتي الجديد، وربما كانوا يفكّرون بأنّ «تجربة تمازج الشعوب السوفياتية» لن تنجح، وبأنّ القوميات ستقوم من جديد، إن انهارت التجربة السوفياتية. في عام 1988، مع بوادر الانحلال السوفياتي التي مثّلتها تجربة بيريسترويكا ميخائيل غورباتشوف، كانت ناغورني قره باغ، أول انفجار للغمٍ سوفياتي قديم نائم، عندما أعلن الأرمن هناك انفصالهم عن جمهورية أذربيجان. مع تفكّك الاتحاد السوفياتي، في 26 كانون الأول/ ديسمبر 1991، دخلت جمهوريتا أذربيجان وأرمينيا في حرب لفترة 1992 ـــــــ 1994، بسبب قضية ناغورني قره باغ، التي انتهت بهدنة بعدما سيطر الأرمن على كامل منطقة ناغورني قره باغ، والشريط البرّي الذي يصلها بجمهورية أرمينيا. في عام 2006، أُجري استفتاء في ناغورني قره باغ، أتت نتائجه لصالح دستور يشرّع استقلال ناغورني قره باغ، وهو ما لم يتم الاعتراف به دولياً. في يوم 27 أيلول/ سبتمبر 2020، اشتعلت ناغورني قره باغ من جديد، في حرب أذربيجانية مع أرمن ناغورني قره باغ، ومع جمهورية أرمينيا، ضمن استقطابات تضمّ روسيا وإيران وفرنسا مع الأرمن، وتركيا مع أذربيجان، مع حياد أميركي.
هنا، يجب الرجوع إلى الوراء: كان ستالين، عام 1913، أول بلشفيّ يدرس مشكلة القوميات، وبسبب ذلك عيّنه لينين في منصب مفوّض القوميات (المفوضية كانت اختصاصاتها تشمل القوميات غير الروسية) عام 1917. كانت فكرة تجاوز القوميات تعمّ الماركسيين، وهي كانت أساسية عند البلاشفة في ظلّ الفسيفساء التي تمثّلها روسيا القيصرية، وقد كان لافتاً أن يتولّى الأمر واحد من أقلية قومية غير روسية، وهو الآتي من القفقاس الذي يمثل خليطاً فسيفسائياً كبيراً من القوميات، لا يضاهيه سوى البلقان، حيث كذلك كان يتراكب القومي مع الديني (الأذربيجان المسلمون مع الأرمن المسيحيين، الصرب الأرثوذكس مع الكروات الكاثوليك، والأخيران ضدّ البوسنة المسلمين). بسبب جمهورية القفقاس الفدرالية، اقترح مفوّض القوميات ستالين فكرة إنشاء الاتحاد السوفياتي، كاتحاد ما فوق قومي وهو ما تمّ، في 30 كانون الأول/ ديسمبر 1922، وربما كان حلّ تلك الجمهورية القفقاسية، في 5 كانون الأول/ ديسمبر 1936، وتفكيكها إلى عناصرها المكونة إرهاصاً مبكراً، بيوم 26 كانون الأول/ ديسمبر 1991، عندما تمّ حلّ الاتحاد السوفياتي كتجربة أممية ما فوق قومية.
كذلك، في عام 2014، انفجر لغم سوفياتي آخر: لمناسبة الذكرى الثلاثمئة لانضمام الأوكران إلى الدولة الروسية القيصرية، عام 1654، اقترح السكرتير الأول للحزب الشيوعي السوفياتي، نيكيتا خروتشوف، في عام 1954، نقل شبه جزيرة القرم من أراضي جمهورية روسيا السوفياتية إلى أراضي جمهورية أوكرانيا السوفياتية، للتعبير عن «تآخي الشعوب»، وعن تحقّق الوصول إلى أممية سوفياتية ما فوق قومية. كان خروتشوف روسياً تولّى منصب مسؤول الحزب الشيوعي في جمهورية أوكرانيا (1938 ــــــ 1949)، أثناء الحرب مع الألمان، وقاد المقاومة الشيوعية هناك، ولكنّه بالتأكيد لم ينسَ أنّه بالتوازي مع أغلبية أوكرانية، وقفت ضد الألمان، فإنّ بقايا القوميين الأوكران ــــــ الذين أقاموا دولة، بين عامي 1918 ــــــ 1921 ـــــــ قد تعاونوا مع النازيين، وكانت لهم قاعدة اجتماعية قوية استيقظت مع الاحتلال الألماني. أراد خروتشوف، بخطوة، عام 1954، تأكيد قوة الدولة السوفياتية، بعد عام من وفاة ستالين، من خلال الإيحاء بتجاوز الجروح الروسية ـــــــ الأوكرانية. عندما أطيح في شباط/ فبراير 2014، عبر ثورة شعبية برئيسٍ أوكراني موالٍ لموسكو، قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإعلان ضمّ أحادي لشبه جزيرة القرم إلى روسيا، رغم أنّ وثيقة فكّ الاتحاد السوفياتي تتضمّن الاعتراف المتبادل بالحدود القائمة للجمهوريات السوفياتية الـ15، في يوم 26 كانون الأول/ ديسمبر 1991. لم يكتفِ بوتين بذلك، بل حرّك الروس في الشرق الأوكراني (ومعظمهم سكنوا هناك في الفترة السوفياتية، وهم يشكّلون 17% من سكّان أوكرانيا) في أعمالٍ مسلّحة مدعومة من موسكو، قادت إلى فقدان كييف السيطرة على قسم كبير من الشرق الأوكراني. كانت الأزمة الأوكرانية، وما زالت، من أكبر الأزمات الدولية التي يواجهها العالم الآن، مع خطط أميركية ـــــــ أوروبية لاستقطاب أوكرانيا، ضمن منظومة «حلف الأطلسي» والاتحاد الأوروبي (هي وبيلاروسيا، حيث الاضطرابات الأخيرة ضدّ الرئيس لوكاشينكو، ومع دول البلطيق السوفياتية السابقة: أستونيا ــــــ لاتفيا ـــــــ ليتوانيا، المنضمّة إلى «حلف الأطلسي») لإنشاء حاجز جغرافي ـــــــ سياسي، يمنع تواصل روسيا مع القارة الأوروبية، حيث يجب عدم نسيان الرأي الأوروبي، عند أنصار الثورة الفرنسية، في عامي 1789 و1848، وعند كارل ماركس، عن شبح القيصر الروسي المهدّد للثورات، ولا رأي اليمين الأوروبي الغربي، عن شبح الشيوعية، في فترة 1945 ـــــــ 1980.
يمكن لقضيتي ناغورني قره باغ، وشبه جزيرة القرم ومعها الشرق الأوكراني، أن تتضمّنا تأكيداً على رأي مراكز أبحاث عديدة في الغرب الأميركي ــــــ الأوروبي، بأنّ «العالم سينشغل لنصف قرن مقبل بتداعيات التفكّك السوفياتي، عام 1991». هناك ألغام سوفياتية قابلة للانفجار، مثل الأراضي التي اقتُطعت من بولندا، عام 1939، إثر معاهدة ستالين مع هتلر والتي تبلغ مساحتها 179 ألف كيلومتر مربع، وتمّ ضمّها إلى الاتحاد السوفياتي، وهي الآن ضمن أراضي جمهوريات أوكرانيا وبيلاروسيا وليتوانيا. في بولندا ما بعد الحقبة السوفياتية، يعتبر الكثير من القوميين هناك أنّ تلك الأراضي هي أراضٍ بولندية مسلوبة. هناك، أيضاً، المشكلة الكامنة الآن بين رومانية وجمهورية مولدافيا السوفياتية السابقة، حول منطقة بسارابيا التي ضمّها ستالين إلى الاتحاد السوفياتي، عام 1940، إثر تلك المعاهدة السوفياتية مع الألمان، وكانت رومانيا قد ضمّت بسارابيا من روسيا، عام 1918، فيما كان القياصرة الروس قد أخذوها، عام 1812، من العثمانيين. هناك ألغام ديموغرافية سوفياتية، مثل نسبة السكّان الروس المرتفعة في جمهوريات سوفياتية سابقة، مثل كازاكستان 30%، ولاتفيا 30%، وأستونيا 26%، وقرغيزيا 13% (أرقام «روزنامة العالم»، الصادرة في نيويورك، عام 2010)، يمكن أن تنفجر أو يتم استعمالها من موسكو، مثلما حصل في الشرق الأوكراني، منذ عام 2014.
كتكثيف: التجربة السوفياتية تدلّ على فشل الحل «الما فوق قومي»، مثل التجربة العثمانية، والتجربة اليوغسلافية. مثال انفصال باكستان الشرقية عن الغربية، عام 1971، يدل أيضاً على ذلك. عندما تعامل الشيوعيون، ومزجوا الماركسية مع القومية، لبناء برنامج من أجل التحرّر الوطني من السيطرة الأجنبية، ومن أجل التوحيد القومي، نجحوا، كما حصل في الصين وفييتنام. تجربتا ماوتسي تونغ وهوشيه مينه، هما تجربتان ناجحتان بخلاف تجربة لينين ــــ ستالين. لهذا السبب، لم يكن مصيرهما مثل الماركسية السوفياتية التي انهارت عام 1991.