الاستلاب السلطوي: القدس والمنسلخون عنها باسم السلطة

حاتم الجوهرى
2020 / 10 / 5

على مدار الخمس سنوات الماضية، رصدت مجموعة من النخب العربية والمصرية التي تبنت خطاب الاستلاب للآخر الصهيوني الذي خرج به يوسف زيدان للمرة الأولى في نهاية عام 2015، وقسمت هذه النخب إلى ثلاثة تصنيفات في علاقتها بخطاب الاستلاب ومرجعيته وأهدافه، إلى: استلاب ديني، واستلاب علماني، واستلاب سلطوي.
وقد قدمت في مقالين سابقين نموذجين للاستلاب الديني والعلماني، الاستلاب الديني اخترت له نموذجا من مصر هو أحمد صبحي منصور، والاستلاب العلماني اخترت له نموذجا من الأردن هو سليمان الطراونة، أما الاستلاب السلطوي فسأختار له نموذجا من السعودية (الصحفي صالح الفهيد). وأقصد بالاستلاب السلطوي النخب التي تبنت خطاب الانسلاخ عن القدس بدافع التقرب للسلطة وبحثا عن المزيد من الصعود والترقي الذاتي.
مع الإشارة إلى أنني أتعمد في التدليل على أنواع الاستلاب الثلاث التنويع في النماذج ودولها، وعدم الاكتفاء بالإشارة للنماذج المصرية كما كنت أفعل في الخمس سنوات الماضية (مع زيدان ومراد وهبة وسعد الدين إبراهيم وأخيرا أماني فؤاد)، تأكيدا الآن على شيوع حالة الاستلاب وخطابها في الوطن العربي كله، وأن المقاربة التي أسس لها يوسف زيدان وسُمِحَ له من قبل جزء ما في المؤسسة المصرية، بالخروج بها على الناس للتعامل مع صفقة القرن وتمرير احتمالاتها وضغوطها، أصبحت الآن سردية كبرى، وصلت لمستوى الدول بعد توقيع الإمارات والبحرين اتفاقية مع "إسرائيل".
لكن يجدر التنويه -بديهيا- إلى أن الأنواع الثلاث لخطاب الاستلاب محققة وموجودة في الحالة المصرية بالطبع، دينيا وعلمانيا وسلطويا..

الاستلاب السلطوي
صالح الفهيد: رجال مشروع "نيوم"

صالح الفهيد هو صحفي وإعلامي سعودي يكتب في عدد من المنابر الصحفية، ارتبط اسمه بملف صفقة القرن وخطاب الاستلاب الذي قدمه يوسف زيدان، على خلفية دعم التوجه السعودي الجديد مع صعود الأمير محمد بن سلمان السياسي في المملكة في يونيو من عام 2017 وليًّا للعهد، وما صاحبه من مشاريع اقتصادية مستقبلية ربطها البعض بالتطبيع مع "إسرائيل" وقبول صفقة القرن وتمريرها.
بل ربط البعض بين إعلان محمد بن سلمان عن مشروع مدينة نيوم في أكتوبر من العام نفسه 2017، الذي سيمتد عبر مصر والأردن، وبين الصفقة ووجود "إسرائيل" شريكًا غير معلن بعدُ في المشروع، من ثم كان تبني صالح الفهيد لخطاب الاستلاب للآخر والانسلاخ عن الذات الذي قدمه يوسف زيدان، ضمن سياق الاستلاب السلطوي تقربًا للسلطة الجديدة في السعودية، وطمعًا في الصعود الذاتي والترقي.
خاصة أنه بعد الإعلان عن اتفاقية سلام بين الإمارات و"إسرائيل" في أغسطس 2020، تداولت العديد من وسائل الإعلام أن السعودية ستكون من ضمن الدول التالية التي توقع اتفاقية سلام مع "إسرائيل" في ظل صفقة القرن، حيث "قال مراسل صحيفة الغارديان مارتن شولوف، إن اتفاقية السلام التي أعلن عنها بين إسرائيل والإمارات كانت تجمع زخمًا في الأفق حتى قبل الإعلان عنها, وأضاف... أن هناك دولًا مرشحة لفتح علاقات مع إسرائيل، مثل البحرين وعمان، وربما السعودية التي سيكون توقيعها على معاهدة سلام مثل هزة أرضية جيوسياسية للمنطقة والعالم."(1)، وذلك لأن السعودية كانت الراعية لـ"مبادرة السلام العربية" التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز عام 2002، وكانت تنص المبادرة على إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعودة اللاجئين والانسحاب من هضبة الجولان المحتلة، في مقابل الاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها.

الفهيد ورفع السند إلى "الأب الروحي" لخطاب الاستلاب
كان خطاب صالح الفهيد على صلة مباشرة بيوسف زيدان وخطاب الاستلاب الذي قدمه صعودًا من نهاية عام 2015م، حتى أنه كان يرفق تصريحاته التي تناولتها الصحف العربية على موقع "تويتر" بمقاطع مصورة ليوسف زيدان باعتباره مرجعًا أعلى بالنسبة لكلامه، في انتصار مباشر لخطاب الاستلاب الذي قدمه يوسف زيدان، حيث "أرفق الفهيد في تغريدة له بـ:تويتر مقطعًا مصورًا لتصريحات قديمة ليوسف زيدان، زعم فيها أن المسجد الأقصى لا يخص المسلمين، وأن المسجد المذكور فى قصة الإسراء، ليس هو الموجود في فلسطين، وإنما مسجد موجود فى الجعرانة على طريق الطائف بالمملكة العربية السعودية."(2)، وهو الكلام المردود عليه مرارًا وتكرارًا.
حيث استند أيضًا صالح الفهيد لرواية المسجدين الأقصى والأدنى في السعودية للتدليل على انسلاخه عن الحق الفلسطيني والعربي والإسلامي في المسجد الأقصى الذي في فلسطين، وذكر مجموعةمن الكتب التراثية التي ذكرت المسجدين، حين "علق الفهيد على الفيديو، قائلًا: “كثير من العلماء المسلمين، ومنهم “الواقدي والطبري” يؤكدون أن المسجد الأقصى الذي أسري بنبينا محمد ﷺ منه هو في الطائف أي في السعودية، على حد زعمه."(3)، وهو المردود عليه سابقًا بعدم وجود ما ينص على علاقة بين المسجدين وبين المسجد الأقصى المذكور في القرآن، على خلاف العشرات من الأحاديث التي تحدد مكان المسجد الأقصى في فلسطين بالشام.

مزايدة دينية باسم "مسجد أقصى" في السعودية!
كما لجأ صالح الفهيد للمزايدة معتبرًا أن التأكيد على وجود موقع المسجد الأقصى في السعودية، سيرفع من شأنها حين "طالب الكاتب السعودي[صالح الفهيد]، الجهات المختصة بالتدخل، فقال:”لماذا لا تعمل الجهات المختصة في بلادنا على إثبات هذه الحقيقة التي تعزز من موقع السعودية ومكانتها في العالم الإسلامي”(4)، وفي السياق نفسه أضاف: “ينبغي أن يتحلى بعض علمائنا بالشجاعة الكافية لتصحيح هذا الخطأ التاريخي.. وعمل البحوث الكافية حول ما ذكره العلماء الأوائل أن المسجد الأقصى موجود بين مكة والطائف، وأن هذا المكان وليس أي مكان في العالم، هو الذي أسري بنبينا محمد ﷺ منه”(5)، وهو القول المردود عليه بأن مكانة بلد الحرم الشريف مستقرة بما لها من تشريف، وليست في حاجة لانتحال ما ثبت عبر الأحاديث المتعددة أنه في فلسطين وليس في شبه الجزيرة العربية.

ضغوط لأجل تنفيذ الصفقة
وجلد الذات الفلسطينية
في سياق آخر نقلت العديد من الصحف العربية تأييد السعودية العام لصفقة القرن في ظل نفوذذ ولي العهد المتزايد، وتهديد الكتاب المقربين منه للرافضين للصفقة، وعلى رأسهم صالح الفهيد، حيث كتبت بعض الصحف قائلة: "أطلقت السلطات السعودية حملة إعلامية ضد الدول العربية الرافضة لمشروع صفقة القرن الذي أعده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتصفية القضية الفلسطينية... ووجهت كُتابها لتهديد تلك الأطراف حيث وجه الكاتب الصحفي السعودي والمقرب من الديوان الملكي صالح الفهيد تحذيرًا شديد اللهجة للدول العربية الرافضة لصفقة القرن المزمع تنفيذها"(6).
وهو الموقف الذي يتناقض تاريخيًّا مع السردية السعودية نفسها التي كانت تتمركز حول "المبادرة العربية للسلام"، كما طالب الفهيد في تدويناته بالضغط على الفلسطينيين للقبول بالصفقة؛ حيث : "قال الفهيد: أعتقد أن على السعودية ألا تلتفت للهجوم عليها فيما يتعلق بجهود حل القضية الفلسطينية، وعليها أن تكون شريكًا كاملًا في جهود التسوية وأن تضغط على كل الأطراف للتوصل لأفضل الحلول الممكنة" وأضاف...: يكفي الفلسطينيين ما ضاع من حقوقهم منذ عام 1948 وحتى اليوم بسبب مزايدات بعض العرب"(7)، وهو الكلام المردود عليه بأن الضغط يجب أن يكون وفق حلول عادلة، وليس وفق حلول تستلب الذات العربية وتنتصر لرواية الآخر الصهيوني الدينية والسياسية التاريخية.

استمرار التهديد والخضوع للراوية الصهيونية
استمر الفهيد أيضًا في المزايدة حيث في تدوينة أخرى هدد كل من يرفض صفقة القرن، وذكرهم – أي العرب والفلسطينيين – بمسار الصراع وانحسار المطروح على الطاولة للتفاوض دومًا، حين قال: "بنفس المنطق الذي رفض به العرب قرار التقسيم عام 1947، والذي يعطي الفلسطينيين نحو 48% من فلسطين التاريخية يرفضون اليوم ما يسمى صفقة القرن وما لم يقبلوا بهذه الصفقة، فسيأتي اليوم الذي يتمنونها كما يتمنون اليوم لو أنهم وافقوا على قرار التقسيم، لكنهم لن يحصلوا عليها"(8)، وهو المنطق الذي يفتقد لأبسط القواعد الحجاج استنادًا لوثائق الآخر الصهيوني والأمريكي والسوفيتي القديم أنفسهم!
فالصهاينة كانت نيتهم واضحة للحرب والعدوان المستمرين, وكانوا يكدسون السلاح من الشرق والغرب قبل سقوط الاتحاد السوفيتي الذي كان يدير عملية توازن قوى مع أمريكا، لكنه كان من أول الموافقين على إقامة كيان سياسي للصهاينة في فلسطين، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي اختارت أمريكا العرب لتختبر عليهم نظرياتها الجديدة في التفكيك، لكن الأكثر دلالة هنا هو المخططات الصهيونية ودراساتها المستقبلية التي تنص صراحة على استمرار التوسع والعدوان والسيطرة، كوسيلة للبقاء، ولم تطرح أبدًا مفهوم التعايش السلمي القائم على عدالة نسبية مع الفلسطينيين، سوى في مرحلة التسعينيات مع مشروع اتفاقية أوسلو وشعار "الأرض مقابل السلام"..
وهو المشروع الذي كان بغير حاضنة وتقبل لدى الصهاينة في أبلغ دليل على نياتهم، حيث فور اغتيال إسحاق رابين رئيس الوزراء الذي كان متبنيًا للمشروع ماتت الفكرة تمامًا، ولم تجد من يرافع لواءها ويجد له الصدى بين جماهير المستوطنيين الصهاينة في أرض فلسطين المحتلة، فأين الفرصة التي أضاعها العرب هنا، حقيقة مسار اتفاقية أوسلو هو أبلغ رد على كل من يدعي أن العرب ضيعوا الفرصة، بل بالعكس العرب أعطوا الفرصة للصهاينة لمدة زادت عن الربع قرن.
وانتهى مشروع السلام القائم على "الأرض مقابل السلام"، إلى اتفاقية الإمارات مع "إسرائيل" التي قال عنها نتانياهو إنها تؤجل ضم المزيد من أرض الفلسطينيين! أي أن المفهوم الصهيوني للسلام رغم قبول العرب وانخراطهم في المسار السلمي منذ التسعينيات، لم يذهب به إلى محطة التسوية كما يزعم دعاة الاستلاب للصهيونية والانسلاخ عن الذات العربية وروايتها السياسية والدينية.

خاتمة: الاستلاب السلطوي والبدائل المطروحة
أزمة نمو نماذج القوة على أطراف الحاضنة العربية: الإمارات نموذجا
يختلف خطاب الاستلاب السلطوي والنخب التي تبنته بعد ظهور يوسف زيدان، في الدول العربية التي ظهر فيها، وهي بالأساس –حتى اللحظة الحالية- مصر السعودية الإمارات (وبعض دول الخليج الأخرى)، حيث في مصر لم تستطع نخب الاستلاب السلطوي فرض نفوذها لعدة أسباب، منها معارضة جناح مصري مؤسسي ليس بالهين لفكرة الخضوع للرواية الصهيونية، التي تختلف عن اشتراطات التطبيع واتفاقية السلام المصرية وظرفيتهما.
في السعودية تعرض رجال ولي العهد لهزة على أثر أزمة مقتل جمال خاشقجي..
أما الإمارات فهي حقيقة خلقت تيارا داخليا وتسعى لتوسعة هذا التيار استنادا لشبكة علاقاتها الثقافية التي ارتبطت بها وبأنشطتها.
لكن تظل هناك البدائل المطروحة، تحديدا أمام دول المراكز العربية القديمة مثل مصر، في مواجهة الاستلاب للآخر الصهيوني والخضوع لصفقة القرن، أهمها استعادة قدرات وموارد القوة الناعمة والخشنة المستقلة، بعيدا عن دول نماذج القوة التي نمت في أطراف الحالة العربية اعتماد على الفوائض البترولية مثل الإمارات تحديدا، تلك النماذج التي تسعى لخلق دور لها ولو على حساب "مستودع الهوية" العربي والتزاماته.
يمكن تسكين كافة ملفات التفاوض، واستعادة أدوات ضغط قديمة وجديدة في ملف سد النهضة لضبط العنجهية الأمريكية، وتغيير طاقم وكوادر السياسات الخارجية المصرية بكوادر تمتلك الكاريزما والحضور والوعي والبدائل الحاضرة، وفق حد أدنى وحد أقصى للعمل من خلالهما..
وفي مرحلة ما ستضطر مصر، إذا أرادت أن تستعيد ما لها، في مواجهة التمددات الإقليمية (التركية- الإيرانية- الإسرائيلية) والتدخلات الدولية، ستضطر لتطوير مشروع جديد بسردية كبرى جديدة في مواجهة دول "نماذج القوة الجديدة" التي نمت في أطراف الحاضنة العربية مثل الإمارات، والتي تسعى لخلق أدوار لها على حساب "مستودع الهوية" العربي والتزاماته.






هوامش
--------


1 - صحيفة القدس العربي (تغطيات)، بتاريخ 14/8/2020
https://www.alquds.co.uk/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D9%88%D8%A7/
2 - صالح الفهيد (تصريحات)، موقع ناس تايمز، 24/12 /2019
https://www.nass-times.com/news58524.html
3 - المرجع السابق
4 - نفسه
5 - نفسه
6 - جريدة الشرق (تغطيات)، بتاريخ 20/3/2018
https://al-sharq.com/article/20/03/2018/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B4%D9%86-%D8%AD%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%B6%D8%AF-%D8%B1%D8%A7%D9%81%D8%B6%D9%8A-%D8%B5%D9%81%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%86
7 - المرجع السابق
8 - نفسه

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية