حول كتاب فريدريك إنجلز مبادئ الشيوعية (3)

خليل اندراوس
2020 / 9 / 26


حول موضوع الغاء الملكية الخاصة دفعة واحدة، يجيب إنجلز: "كلا. فكما لا يمكن تنمية القوى المنتجة القائمة، دفعة واحدة الى الحد الذي تتطلبه اقامة الملكية الجماعية، كذلك لا يمكن الغاء الملكية الخاصة دفعة واحدة، فثورة البروليتاريا المرجح حدوثها سوف لن تتمكن الا تدريجيا من تحويل المجتمع الراهن، ولن تتمكن بالتالي من الغاء الملكية الخاصة نهائيا الا عندما تتوفر الكمية اللازمة من وسائل الانتاج".

وهنا لا بد ان نقول، بان مصطلح الملكية الخاصة بالنسبة لماركس وإنجلز لا تعني ممتلكات الشخص البسيطة، بل تعني امتلاك املاك منتجة، او املاك تنتج الربح وتراكم رأس المال مثل ملكية الشركات، ملكية الاسهم وملكية الاراضي، وحول مجرى التطور الذي ستتخذه الثورة (ثورة البروليتاريا – الثورة الشيوعية د.خ) يجيب إنجلز: "ستضع الثورة قبل كل شيء دستورا دمقراطيا للدولة وتقيم بذلك بصورة مباشرة او غير مباشرة سلطة البروليتاريا السياسية، مباشرة في انجلترا حيث تشكل البروليتاريا اغلبية الشعب، بصورة غير مباشرة في فرنسا والمانيا، حيث تتألف الاغلبية ليس فقط من البروليتاريين، بل وايضا من صغار الفلاحين وصغار البرجوازيين الذين ما زالوا في طور التحول الى البروليتاريا، والذين يتزايد ارتباط تحقيق مصالحهم السياسية بتحقيق مصالح البروليتاريا والذين عليهم بالتالي الاسراع بتبني مطالبها، ان تحقيق ذلك قد يتطلب ايضا نضالا جديدا، الا انه سينتهي حتما بانتصار البروليتاريا.



ان الدمقراطية ستكون عديمة الفائدة بالنسبة الى البروليتاريا إذا لم تستخدم حالا كوسيلة لفرض التدابير التي تحمي وجود البروليتاريا وتتصدى مباشرة للملكية الخاصة. واهم هذه التدابير التي تبرز ومنذ الآن كنتائج حتمية للظروف الراهنة هي التالية:

الحد من الملكية الخاصة عن طريق اعتماد ضرائب تصاعدية وضرائب مرتفعة على الارث، والغاء حق الارث الفرعي (الاخوة، واولاد الاخوة... الخ) والقروض القسرية.. الخ.
مصادرة تدريجية لملكية الملاكين العقاريين والصناعيين ومالكي سكك الحديد وشركات الملاحة البحرية، بعضها بواسطة مزاحمة القطاع الصناعي الخاص بالدولة، وبعضها الآخر بصورة مباشرة لقاء تعويض بشكل سندات حكومية.
مصادرة ممتلكات جميع المهاجرين والمتمردين على ارادة اغلبية الشعب.
تنظيم العمل او تشغيل البروليتاريين في الممتلكات الوطنية والمصانع والورشات، الامر الذي يزيل المنافسة بين العمال ويجبر الصناعيين، ما داموا موجودين، على دفع الاجور المرتفعة ذاتها التي تدفعها الدولة.
العمل الاجباري بالتساوي لجميع افراد المجتمع حتى القضاء الكامل على الملكية الخاصة، وانشاء جيوش صناعية خاصة في الزراعة.
مركزة نظام القروض والتجارة المالية في ايدي الدولة، عن طريق انشاء بنك وطني برأسمال من الدولة، والغاء جميع المصارف الخاصة والصيارفة.
تكثير المصانع الوطنية والمشاغل الصناعية وسكك الحديد والسفن واستصلاح الاراضي وتحسين ما هو مستصلح منها، وذلك بمقدار ما تتزايد الرساميل واعداد العمال التي في حوزة البلد.
تربية جميع الاولاد ابتداء من اللحظة التي يستطيعون فيها الاستغناء عن رعاية الأم المباشرة، وذلك في مراكز الرعاية الوطنية، وعلى نفقة الدولة (الجمع بين التربية والانتاج الصناعي).
انشاء دور فخمة، في الممتلكات الوطنية، وجعلها مساكن عامة خاصة بجماعات المواطنين الذين يعملون في الصناعة والزراعة، جامعة بذلك حسنات الحياة في المدينة والحياة في الريف، ومتجاوزة رتابتهما ومساوئهما.
هدم جميع ما هو سيء البناء وغير صحي من المساكن والاحياء.
مساواة الاولاد الشرعيين وغير الشرعيين في حق الارث.
مركزة جميع مصالح النقل في ايدي الدولة.
ان هذه التدابير، لا يمكن تنفيذها طبعا دفعة واحدة، الا ان الواحد منها يستتبع الآخر بالضرورة، فاذا ما قامت البروليتاريا بأول هجوم جذري على الملكية الخاصة فسوف تجد نفسها مجبرة على السير قدما باستمرار وعلى تركيز كل الرأسمال والزراعة والصناعة وجميع وسائل النقل والمبادلات التجارية بأيدي الدولة باطراد. وهذا هو الهدف الذي تسعى اليه كل تلك التدابير والتي ستصبح قابلة للتطبيق، وسيكون لها نتائجها الممركزة تبعا لتزايد نمو القوى المنتجة للبلاد بفضل عمل البروليتاريا.

وعندما تصبح اخيرا جميع الرساميل وكامل الانتاج والتجارة بأيدي الأمة فستسقط الملكية الخاصة من تلقاء ذاتها ويفقد المال اهميته، ويزداد الانتاج، ويتحول الناس الى حد يمكن معه الاطاحة ايضا بآخر علاقات المجتمع القديم.



ولاحقا وضع لينين في كتابه "الدولة والثورة" الشروط الاساسية للدمقراطية العمالية في المرحلة الانتقالية من الرأسمالية الى الاشتراكية حيث أكد بان الدولة العمالية ليس لها أي علاقة مع الوحش البيروقراطي الموجود في دولة رأس المال – الدول الرأسمالية، ووضع لينين الشروط الاساسية للدمقراطية العمالية وهي:

انتخابات حرة ودمقراطية مع الحق في عزل جميع المسؤولين.
ليس من حق أي مسؤول الحصول على اجر اعلى من اجر عامل مؤهل.
لا جيش دائم او بوليس دائم.
تدريجيا يتم انجاز جميع المهام الادارية بالتناوب من قبل الجميع، وكما كتب لينين في كتابه الدولة والثورة "يجب ان يكون كل طباخ قادرا على ان يكون رئيسا للوزراء، وعندها يصير الجميع "بيروقراطيا" بالتناوب، لا أحد يمكنه ان يكون بيروقراطيا".
وحول السؤال: هل يمكن ان تحدث هذه الثورة في بلد واحد بمفرده؟ اجاب إنجلز: "كلا، فالصناعة الكبرى، قد اوجدت السوق العالمية قربت بين شعوب الارض جميعا ولا سيما بين الشعوب المتمدنة، لدرجة ان كل شعب بات مرتبطا بما يجري لأي شعب آخر، أضف الى ذلك انها وحدت التطور الاجتماعي في جميع البلدان المتمدنة بحيث اصبحت البرجوازية والبروليتاريا، في جميع هذه البلدان، الطبقتين الاساسيتين في المجتمع، وأصبح الصراع القائم بينهما الصراع الاساسي راهنا.

لذلك فان الثورة الشيوعية لن تكون فقط ثورة وطنية بل ستندلع في الوقت نفسه في جميع البلدان المتمدنة، أي على الاقل في انجلترا وامريكا وفرنسا والمانيا. وستتطور في كل من هذه البلدان بصورة أكثر سرعة او اشد بطئا، حسب ما يملكه هذا البلد او ذاك من صناعة أكثر تطورا، وثروة أكبر وقوى منتجة أعظم قدرا. ولذا ستكون الثورة في المانيا هي الاشد بطئا والاكثر صعوبة في التنفيذ، بينما ستكون في انجلترا أسرع وأسهل. وسوف تمارس تأثيرها العظيم على البلدان الاخرى في العالم حيث ستغير تماما نمط النمو القائم وتعجل كثيرا في وتيرة تطورها، انها ثورة كونية، سيكون مجالها إذا كونيا.



وحول سؤال ما هي نتائج الغاء الملكية الخاصة الغاء نهائيا؟ يجيب إنجلز: "ان المجتمع اذ يجرد الرأسماليين الافراد من حق استخدام جميع القوى المنتجة، وجميع وسائل المواصلات، وكذلك تبادل المنتجات وتوزيعها، وإذ يديرها بموجب خطة مرسومة وفقا لإمكانات وحاجات اعضائه يقضي بالدرجة الاولى، على كافة النتائج السلبية الناجمة عن النظام المتحكم حاليا بالصناعة الكبرى. فتزول الازمات، والانتاج الموسع – الذي هو في الواقع، وفي المجتمع الراهن، فائض انتاج وسببا هائلا للبؤس – لا يعود كافيا لتلبية الحاجات وسينبغي توسيعه ايضا.

وبدلا من التسبب في الشقاء، سيسمح الانتاج الفائض عن حاجات المجتمع بتلبية حاجات الجميع، وسيولد حاجات جديدة، وفي الوقت نفسه وسائل تلبيتها، وسيكون شرط تحقق أي تقدم جديد وسببه، دون ان تعصف الاضطرابات في المجتمع كما كان يحصل دائما حتى الآن. وسوف تتطور الصناعة الكبرى، بعد تحررها من نير الملكية الخاصة الى درجة يبدو معها اتساعها الراهن متواضعا تواضع المانيفاتورة بالقياس الى الصناعة الكبرى في ايامنا، وسيضع تطور الصناعة هذا، بتصرف المجتمع، كميات من المنتجات كافية لتلبية حاجات المجتمع. وكذلك الزراعة – التي يحول نظام الملكية الخاصة ونظام التفتت دون استفادتها من التحسينات المحققة ومن الاكتشافات العلمية – فأنها ستشهد انطلاقة جديدة تماما وستقدم للمجتمع مقادير وافية تماما من المحاصيل. وهكذا سيصنع المجتمع ما يكفي من المنتجات للتمكن من تنظيم عملية التوزيع بشكل يرضي متطلبات جميع اعضاءه.

وبذلك يصير انقسام المجتمع الى طبقات مختلفة ومتناحرة ليس فقط نافلا بل وايضا غير متوافق مع النظام الاجتماعي الجديد: لقد نتج وجود الطبقات عن تقسيم العمل، وتقسيم العمل بشكله الراهن سيزول تماما. اذ انه لرفع الانتاج الصناعي والزراعي الى المستوى المشار اليه فان الوسائل الميكانيكية والكيميائية المساعدة لا تكفي وحدها، فقدرات الناس الذين يستخدمون هذه الوسائل يجب ان تطور ايضا بالنسبة ذاتها. وكما غير الفلاحون وعمال المانيفاتورة في القرن الماضي، مجمل نمط حياتهم وتحولوا هم ايضا الى اناس مختلفين تماما بعد ان احتوتهم الصناعة الكبرى، فان ادارة الانتاج الجماعية من قبل المجتمع بكامله، وما ستثيره من تطور جديد للإنتاج سوف تحتاج الى قوى بشرية من طراز جديد، وستخلق الاناس المناسبين للوضع المستجد، فلا يمكن لإدارة الانتاج الجماعية ان تتم بواسطة اناس، كأناس يومنا هذا، خاضعين كل بمفرده لفرع انتاجي وحيد، مشدودين اليه ومستغلين فيه، مطورين فقط واحدة من طاقاتهم على حساب الطاقات الاخرى، لا يعرفون سوى نوع واحد من الانتاج او جزء من فرع.



فها هي الصناعة التي يخططها المجتمع بأسره ويديرها جماعيا، تشترط وجود اناس ذوي قدرات شاملة التطور وفي وضع يمكنهم من معاينة مجمل جهاز الانتاج. ان تقسيم العمل الذي قد خلخله تقدم الآلاتية، والذي جعل من هذا الفرد فلاحا ومن الآخر سكافا ومن الثالث عاملا صناعيا ومن الرابع مضاربا في البورصة، سيختفي اذا تماما، وستتيح التربية للشبيبة امكانية التمثل السريع لمجمل نظام الانتاج بممارسته، وستهيئهم للانتقال تباعا من فرع صناعي الى آخر حسب حاجات المجتمع او وفق ميولهم الخاصة وستحررهم بالتالي من ذلك الطابع وحيد الجانب الذي يفرضه تقسيم العمل الحالي على كل فرد، وهكذا سيتيح المجتمع القائم على اساس التنظيم الشيوعي لأفراده فرص الافادة من طاقاتهم المتناسقة التطور، وبذلك تختفي حتما الطبقات المختلفة حيث ان المجتمع المنظم شيوعيا لا يحتمل، من جهة بقاء الطبقات، ويقدم بنفسه من جهة اخرى وسائل ازالة الفوارق الطبقية.

اما بالنسبة للمرأة كما قال إنجلز في رده حول ما سيحدثه النظام الشيوعي في العائلة، بان المجتمع الشيوعي "سيحول العلاقة بين الجنسين الى علاقة محض خاصة تهم فقط الاشخاص المعنيين وليس للمجتمع ان يتدخل فيها". وبان "النظام الشيوعي يلغي إذًا مشاعية المرأة بدل ان يكرسها". لذلك نقول بان الشيوعية هي التخطي الموضوعي الجدلي الايجابي للملكية الخاصة وهي التخطي الايجابي الجدلي لاغتراب الذات الانساني وهي التملك الحقيقي للماهية الانسانية من جانب الانسان وللإنسان، وهي عودة الانسان الكاملة الى ذاته كائن اجتماعي انساني، والشيوعية هي الحل الحقيقي للنزاع بين الانسان والانسان، الحل الحقيقي للصراع بين الوجود والماهية بين التموضع وتأكيد الذات، بين الحرية والضرورة، وهكذا فان المجتمع الشيوعي هو الوحدة المكتملة في الجوهر بين الانسان والطبيعة – البعث الحقيقي للطبيعة – طبيعة الانسان وانسانية الطبيعة قد وصل كلا منهما الى تحققه.

وفي النهاية، الاحزاب الشيوعية عالميا وخاصة في الشرق وهنا ايضا داخل اسرائيل تناضل في ظروف سياسية ايديولوجية اقتصادية ثقافية دينية فكرية صعبة جدا، لذلك علينا ان نعمق معرفتنا بالنظرية الفلسفية الماركسية، ونمارس هذه المعرفة على ارض الواقع، وعلينا ان نرفض الانتهازية، ونندد بأي انحراف فكري سياسي ونعمل من اجل تلاحم القوى التقدمية، خاصة الاحزاب الشيوعية في كل واحد.

(انتهى)

** المراجع:

مبادئ الشيوعية – فريدريك إنجلز
لينين كتاب "الدولة والثورة"
كتاب رأس المال - ماركس
المخطوطات الاقتصادية والفلسفية – كارل ماركس