الفرنسيون والأميركيون

محمد سيد رصاص
2020 / 9 / 22


انحنت باريس أمام واشنطن في أبيدجان، إثر نتائج انتخابات الرئاسة في ساحل العاج، في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2010، عندما فاز المرشّح الموالي لواشنطن الحسن وتارا على ربيب فرنسا لوران غباغبو الذي كان في منصب الرئاسة منذ عام 2000. لم يقبل غباغبو النتائج، وعندما أُسر في مقرّه، في 10نيسان/ أبريل 2011، بعد حرب أهلية مسلّحة، كانت القوّات الفرنسية مشتركة مع قوات الأمم المتحدة ومسلّحي الحسن وتارا، هي التي قامت بعملية احتجازه.

هنا، كما كانت الهند درّة تاج المستعمرات البريطانية، فإنّ ساحل العاج هي درّة المستعمرات الفرنسية في أفريقيا السوداء، وقد حرصت الإدارات الفرنسية المتعاقبة منذ استقلال تلك البلاد عام 1960، على علاقات وثيقة مع أبيدجان. فقَد الفرنسيون نفوذهم هناك لصالح الأميركيين عام 2011، نتيجة صراع مناطقي ـــــ ديني ـــــ طبقي بين الجنوب المسيحي الغني المسيطر على الإدارة والاقتصاد والشمال المسلم الذي بمعظمه من المهاجرين الذين استجلبهم الفرنسيون من بوركينا فاسو (حيث أتى من هناك والد الحسن وتارا) ومالي وغانا وغينيا، للعمل في مزارع الكاكاو والقهوة. في عام 1998، شكّل أولئك المهاجرون والمنحدرون منهم، 25%من السكان، وقد عملت إدارات ساحل العاج، وخصوصاً مع تدهور أسعار الكاكاو والقهوة عالمياً، في الثمانينيات والتسعينيات، على التضييق على المهاجرين الذين هم بغالبيتهم العظمى مسلمون، ويعيشون في شمال البلاد، وهم في وضع اقتصادي ـــــ اجتماعي ـــــ طبقي أدنى من سكّان الجنوب، وسعت إلى فرض قانون للجنسية يستثني مَن كان أحد أبويه من غير مواليد ساحل العاج، وهذه حالة تشمل الغالبية من أولئك المهاجرين. كان فوز وتارا على غباغبو، لا يشمل فقط إزاحة أميركية للفرنسيين، حيث كانت إدارة باراك أوباما من أوّل المعترفين بفوز وتارا في الانتخابات، وإنّما برمزيّته يشمل هزيمة للفئة المهيمنة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وإدارياً، التي نصّبتها باريس في أبيدجان حاكمة على ساحل العاج منذ استقلال 1960.
لم تكن ساحل العاج نكسة فرنسية منفردة، بل سبقتها في شمال أفريقيا نكسة أخرى في الجزائر، عندما تغلّب الأميركيون على الفرنسيين في النفوذ هناك، في عهد بوتفليقة (1999-2019)، فيما كان فرانسوا ميتران هو الداعم الرئيسي يوم 11 كانون الثاني/ يناير 1992 لانقلاب العسكر الجزائريين بزعامة الجنرال خالد نزار (وهو من ملاك الجيش الفرنسي الملتحق بالجيش الجزائري مع استقلال 1962) الذي قطع المسار الانتخابي البرلماني الذي فازت «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» بدورته الانتخابية الأولى، فيما لم تكن واشنطن مؤيّدة للانقلاب. كان زين العابدين بن علي في تونس، 1987-2011، أقرب لواشنطن من قربه لباريس. لم يكن مغرب الحسن الثاني (منذ عام 1961) وخلَفه محمد السادس (منذ عام 1999)، بعيدَين عن الجيران في الجزائر وتونس، من حيث الابتعاد عن باريس. بقِي الفرنسيون، حتى الآن، أصحاب اليد العليا في المستعمرات الفرنسية السابقة، التي تسمّى بـ«مجموعة الساحل»: موريتانيا ـــــ مالي ــــــ بوركينا فاسو ـــــ النيجر ـــــ تشاد. عند تسليم كارلوس إلى فرنسا، عام 1994، من قِبل الحكم السوداني المحكوم بثنائية حسن الترابي ــــــ عمر البشير، فإنّ الإسلاميين السودانيين كانوا يحاولون الاستثمار في التنافسات الأميركية ـــــ الفرنسية في أفريقيا، في ظرف توتّر علاقات الخرطوم مع واشنطن. منذ إدارة بيل كلينتون (1993-2001)، كان الاهتمام الأميركي بأفريقيا ناتجاً عن الرؤية الأميركية بأنّها مصدرٌ رئيسيٌ للمواد الأولية، ولمجابهة التمدّد الصيني هناك، فيما لم تكن فرنسا على الخطّ نفسه، حيث كان همّها الرئيسي الحفاظ على نفوذها في مستعمراتها السابقة. عندما تلاقى باراك أوباما مع نيكولا ساركوزي، في عملية «حلف الأطلسي» ضد نظام معمّر القذافي عام 2011، كان هذا لافتاً للنظر، وكان لا يوازيه سوى ذلك التلاقي عام 1977، عندما دعمت واشنطن وباريس (ومعهما أنور السادات والحسن الثاني) نظام جوزيف موبوتو في زائير (الكونغو كنشاسا) ضد ثوار إقليم شابا (كاتانغا) الجنوبي، المدعومين من الحركة الشعبية لتحرير أنغولا، المدعومة من السوفيات والكوبيين. كان ذلك التلاقي الفرنسي ـــــ الأميركي في ليبيا، قد تثنّى بالعملية العسكرية في مالي، عام 2013، ضد الإسلاميين الذين كادوا أن يصلوا إلى العاصمة باماكو، حيث صُدمت واشنطن وباريس، عندما اكتشفتا أنّ أسلحة الإسلاميين في مالي، ومعظمهم من غير الزنوج، قد أتت عبر إسلاميي ليبيا الذين ساعدتهم واشنطن وباريس ضدّ القذافي.
في ليبيا ما بعد القذافي، كان هناك تباعد فرنسي ـــــ أميركي، حيث دعمت باريس اللواء خليفة حفتر في الشرق، منذ عام 2014، فيما وقفت واشنطن، منذ توقيع اتفاق الصخيرات عام 2015، مع حكومة فايز السرّاج التي انبثقت عن ذلك الاتفاق والتي سيطر عليها الإسلاميون في طرابلس الغرب. في التنافس الفرنسي ــــــ التركي، عام 2020، الذي كاد أن يتحوّل إلى تصادم عسكري بحري عند الشواطئ الليبية، اشتكى الفرنسيون من انحياز «حلف الأطلسي» إلى أنقرة. في لوحة الصراع الليبي، تقف واشنطن على الضفّة المعاكسة لضفّة الفرنسيين، الذين يقفون مع حلفاء واشنطن الآخرين في أبو ظبي والرياض والقاهرة، مع موسكو فلاديمير بوتين بجانب حفتر، فيما يجد دونالد ترامب نفسه مع رجب طيب أردوغان في دعم السراج ضدّ حفتر. ولهذا، يقوم الأميركيون الآن بهندسة اتفاق ليبي يجمع رئيس البرلمان المنتخب، عام 2014، عقيلة صالح مع السرّاج، مع استبعاد حفتر. ليست واشنطن في الصراع البحري على الحدود البحرية بين أنقرة ـــــ طرابلس الغرب، وبين اليونان ـــــ قبرص ــــــ مصر، مع المعسكر الأخير بخلاف فرنسا التي ألقت بثقلها معه ضدّ الأتراك.
بالتأكيد، كان التنافس التركي ــــــ الفرنسي في ذهن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عندما قدّم مبادرته تجاه لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت، وهو عندما يتلاقى مع الإيرانيين في لبنان، ويتّخذ موقفاً مرِناً من حزب الله، فهو يفكّر بخلفية الصورة في التباعد الفرنسي ـــــ الأميركي في ليبيا، وفي دعم واشنطن لأنقرة في صراع شرق المتوسط. طبعاً، يجب أن يُضاف إلى التباعد الفرنسي ـــــ الأميركي الموقف من الملف النووي الإيراني، ومعارضة باريس لخطوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بسحب التوقيع الأميركي على الاتفاق، في 8 أيار/ مايو 2018. وقد كان بارزاً عدم التأييد الفرنسي في مجلس الأمن الدولي، يوم 14 آب/ أغسطس 2020، للاقتراح الأميركي بتجديد حظر السلاح على إيران. في انتقادات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، ومساعده ديفيد شينكر لمبادرة ماكرون تجاه التقارب مع حزب الله، من الواضح أنّ واشنطن وباريس ليستا على الخط نفسه في بيروت.
السؤال الآن: هل حركة ماكرون في لبنان وفي ليبيا ومنطقة شرق البحر المتوسط لها علاقة باستغلال باريس لحرية حركة يستطيع استغلالها مؤقتاً الفرنسيون في ظرف الانشغال الأميركي بالانتخابات الأميركية؟ أم أنّ الموضوع أبعد، ليتعلّق بقراءة فرنسية بأنّ القطب الأميركي الأوحد في العالم يعاني من ضعف في القوة، تستطيع من خلاله باريس أن تستعيد بعضاً من النفوذ كانت قد خسرته هنا أو هناك؟ ثم السؤال: هل تسمح واشنطن لباريس بأن تمشي بلعبتها إلى منتهاها؟