ترامب ضد العالم

تسفي برئيل
2020 / 9 / 22


القرار الأميركي الذي اعلنه وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، بأن يفرض على ايران بصورة أحادية الجانب العقوبات التي كانت سارية قبل الاتفاق النووي، هو اعلان شن "حرب عالمية".

منذ اسابيع كثيرة تحاول واشنطن تجنيد المجتمع الدولي كي يرفع معها راية تمديد حظر السلاح التقليدي على ايران، الذي من شأنه أن ينتهي في تشرين الاول. واذا لم يتم تمديد الحظر، حذرت الولايات المتحدة، بأنها ستعمل على اعادة فرض كامل العقوبات الدولية التي فرضت على ايران قبل التوقيع على الاتفاق النووي، والتي تم رفعها بالتدريج عند التوقيع على الاتفاق في 2015.



مبادرة دونالد ترامب لم تنجح. وبدلا من التجند استقبل الموقف برفض مشين. المبرر القانوني كما يبدو الذي طرحه، يقول إن الولايات المتحدة يمكنها أن تطلب من الامم المتحدة اعادة فرض العقوبات الدولية لأنها شريكة في الاتفاق النووي. وردا على ذلك تدعي الدول الاخرى التي وقعت على الاتفاق (المانيا، روسيا، الصين، فرنسا وبريطانيا) بأن الولايات المتحدة فقدت المكانة التي تمكنها من طرح مثل هذا الطلب بعد انسحابها من الاتفاق النووي في 2018.

لم يكن هناك في الاصل احتمال لنجاح طلب واشنطن. لأن دولتين من الدول التي وقعت على الاتفاق، الصين وروسيا، ستضع الفيتو على أي قرار يعيد العجلة الى الوراء. من هنا ولد القرار الأميركي بالعمل بصورة احادية الجانب مع اسماع تهديد صريح يقول إن الولايات المتحدة ستعمل من اجل معاقبة كل من سيعمل خلافا لموقفها.



التفسير العملي لهذا التهديد، اذا تحقق، هو أن الولايات المتحدة يمكنها فرض العقوبات على دول وعلى شركات دولية وعلى هيئات واشخاص في العالم واصلوا اقامة علاقات مع ايران، خلافا لسياسة العقوبات الجديدة لها.

يبدو أنه بهذا الاعلان فإن ترامب، مهندس الاتفاقيات بين اسرائيل والامارات والبحرين، يقدم عرضا انتخابيا هستيريا آخر، في اطار زيادة سُمك "ملف الانجازات" الذي سيعرضه على الناخبين، كدليل على موهبته الخارقة في ادارة السياسة الخارجية.

لكن هذا القرار مليء بالثقوب. من بين الدول التي تقيم علاقات وثيقة مع ايران يمكن أن نجد، على سبيل المثال، قطر، التي تستضيف احدى القواعد الأميركية الكبرى في الشرق الاوسط. وفي نفس الوقت تدير مع ايران حقل الغاز الاكبر في الخليج الفارسي.



دولة الامارات منحت هذه السنة تصريحا لشركات ايرانية من اجل استئناف نشاطها في دبي. وهي تمنح المواطنين ورجال الاعمال الايرانيين تأشيرات دخول دون قيود تقريبا. ايرانيون يشترون عقارات في الامارات، وبهذا يساعدون على اعادة تأهيل هذا الفرع الذي تلقى ضربة شديدة.

سلطنة عمان، مرشحة اخرى للتوقيع على اتفاق سلام مع اسرائيل، تقيم علاقات وثيقة مع ايران، وتعمل كوسيط بين واشنطن وطهران، وبين ايران والسعودية. تركيا في الواقع توقفت عن شراء النفط والغاز من ايران، لكنها تقيم معها علاقات تجارية وعلاقات تعاون.

العراق الذي حجم تجارته مع ايران يبلغ 12 مليار دولار، يعتمد على ايران في تزويد الغاز والكهرباء والمياه، وعلى اراضيه تعمل المليشيات الشيعية التي ترعاها ايران. ورغم سياسته المؤيدة لأميركا، فإن لرئيس الحكومة مصطفى الكاظمي لا يوجد في هذه الاثناء أي بديل لانبوب التنفس الاقتصادي الايراني. هل هذه الدول، وهي اقرب اصدقاء واشنطن، ستتحمل ثقل ذراع الادارة الأميركية؟ هل الجيش الأميركي سيفكك قواعده في قطر وسلطنة عمان؟

الصين وروسيا هما الدولتان المخلصتان اللتان ستواصلان دعم الاقتصاد الايراني، وعليهما تستند في ترسيخ قدرات صمودها امام العقوبات. صحيح أن الصين قلصت بشكل كبير حجم مشترياتها من النفط من ايران. لكن الدولتين تتفاوضان على اتفاقية استراتيجية اقتصادية تستثمر بحسبها الصين مئات مليارات الدولارات في ايران خلال السنوات الـ 25 المقبلة، مقابل توفير نفط بأسعار مخفضة في نفس الفترة. الاتفاق هو جزء من استراتيجية "الحزام والطريق" التي تبنتها الصين لضمان شبكة تجارتها ونفوذها في الشرق الاوسط وفي آسيا، وفيما بعد ايضا في اوروبا.



هل تهديدات ترامب بمعاقبة الصين بسبب علاقتها مع ايران ستؤثر على حلم بجين المستقبلي. الصين اعلنت في السابق بأنها ستعارض، سواء تمديد الحظر على ايران أو فرض العقوبات الجديدة التي تنوي واشنطن فرضها.

موقف مشابه وقاطع عرضته أمس وزارة الخارجية الروسية، التي قالت إن "المبادرات والافعال غير الشرعية للولايات المتحدة لا يمكنها التأثير على دول اخرى". أي أنه لا يوجد لموسكو أي نية للسير خلف اخطاء ترامب، لا سيما في الوقت الذي فيه الولايات المتحدة آخذة في التلاشي من الشرق الاوسط.

ولا يقل عن ذلك صعوبة، أن نفهم كيف يوفق ترامب بين اعلانه في مراسيم التوقيع على اتفاقات السلام بين اسرائيل ودول الخليج، الذي يقول إنه اذا انتخب مرة اخرى فسيمنح ايران صفقة ممتازة، وبين نية فرض عقوبات جديدة. التجربة تعلم أن كل جهد يتم بذله من اجل ايجاد منطق في سياسة ترامب الخارجية، نهايته ستكون خيبة أمل واستسلام شديد.

زعيم الدولة الاقوى في العالم يغرد في طريقه نحو تشرين الثاني، وهو يلقي عبوات ناسفة جانبية في كل اتجاه. الآن وهو يفتح جبهة امام حلفائه في أوروبا، وامام دول معادية قوية مثل روسيا والصين، فإنه يحول بالضبط ايران الى شخص مستضعف يحتاج الى حمايتهما من جنونه.