مؤسس محير

ربيعة العربي
2020 / 9 / 22

فرانسوا راستيي
ترجمة ربيعة العربي
هل ينبغي الإفصاح عما أعتقده في قرارة نفسي؟ قد تقود
النظرة الدقيقة لما هو "لسان" إلى التشكيك في مستقبل
اللسانيات.
فرديناند دو سوسير Ferdinand de Saussure ك ل ع، ص 87.

عرف القرن العشرين نزوعا إلى تأسيس السميائيات sémiotique: يشهد على ذلك بيرسPeirce ويلمسلف Hjelmslev وغريماس Greimas والكثيرون ممن سواهم. اتسمت حركة التأسيس عند سوسير لما سماه بالسيميولوجياSémiologie (1) بطابع تلميحي، لأنه أثارها دون وصف أو تفصيل.
اشتهر أيضا بتأسيسه للسانياتlinguistique ، لكنه سعى من خلال الجمع بين اللسانيات التاريخية linguistique historique والمقارنة comparée إلى تقوية الأسس وليس إلى التأسيس، لأنها كانت قد تطورت منذ قرن. حاليا، [و] بعد وفاته يتيح تنامي المعرفة بكتاباته صوغ فرضيات hypothèsesجديدة حول مشروعه و أسباب عدم إتمامه له.
سبق لزميل عنون مجموعة من المقالات بـ"بحثا عن فرديناند دو سوسير" أن انتهى، بخيبة أمل، إلى أن بحثه ظل بدون جدوى. أيضا عنوان "العثور على سوسور" هو بروستي Proustien (2) لكنه أكثر تفاؤلا [و] قد يلائم هذا العمل: لا ينحصر الأمر عند حدود اكتشاف نصوص مهمة لسوسير، لما يقرب من عشرين سنة، و إنما العودة إلى فكر سوسير تهم حاضر اللسانيات و توجه مستقبلها وأيضا [تهم] السيميائيات بشكل عام.
لم تنحصر شهرة سوسير في أنه أحد مؤسسي اللسانيات المعاصرة، بل تجاوز ذلك إلى [أنه مؤسس] البنيوية structuralisme والسيميولوجيا وعلم المنهج المقارن méthodologie comparative في العلوم الإنسانية والاجتماعية. بل إن اسمه أورده، في التحليل النفسي psychanalyse، جاك لاكان Jacques Lacanوكذا معارضيه الأكثر شهرة كأندري كرينAndré Green . رغم هذا ظلت الدراسات حول كتاباته قليلة وظل مشروعه الثقافي والعلمي غير واضح، ليس فقط بسبب الظروف المعقدة للمنشورات بعد وفاته التي نشرها الواحد بعد الآخر، بل أيضا بسبب العديد من الأحكام المسبقة التي سأتجنب الإشارة إلى أبرز من أصدرها.
لا يتوخى هذا الكتاب الإسهام في أيقنة iconisation سوسير، بل في تأكيد أهمية الأبحاث الفيلولوجية philologiqueوالدراسات الهرمينية herméneutiqueوالأفكار اللسانية في إحياء المشروع السوسيري: إن رهان المستقبل بالنسبة للسانيات هو القدرة على ضبط ما يميز عملا عرف بأنه تأسيسي، وفهمه.
يتفرد سوسير بأنه اللساني الوحيد من مرحلة 1880- 1914 الذي لا يزال مشهورا بشكل واسع، الآخرون لا يشار إليهم إلا في تـاريخ الأفكار (مَـن مازال يتحـدث عن ويتني
Whitney وبواسBoas وماييه Meillet؟). هذا ظلم لمعاصريه الذي كان يتبوأ ضمنهم مكانة مرموقة، لكن هذا لصالح اللسانيات التاريخية والمقارنة - التي جانبنا الصواب حينما أعلنَّا أنها متجاوزة.
يبقى سوسير في الوقت الحاضر اللساني الوحيد، إلى جانب تشومسكيChomsky ، الذي تجاوز دائرة التخصص لكي يقَدِّم (بشكل غير واضح أحيانا) تخصصه للآخرين. حتى بالنسبة للسانيين يبقى سوسير غير مفهوم بشكل جيد، إن لم نقل غير مفهوم. يحاول هذا الكتاب، دون ادعاء الإمساك بحقيقته، حصر سوء الفهم المتعدد الأسباب الذي رافقه والذي كان وراء شهرته.
كل هذا قد يدعو إلى اعتبار سوسير عبقريا لم يقدر[حق قدره]. هذا صحيح بدون شك، لكن بالإضافة إلى ذلك، يبقى سوسير عبقريا بائسا: هكذا عرض ننزيو لافوسيNunzio La Fauci كيف أن سوسير، العبقري المألوف، انبثق من الجني الإبستيمي، لتنبيهه إلى تجسيد مطلب ثابت.
ربما بدون سوسير كانت اللسانيات ستعود إلى سابق عهدها قبل تأسيسها: نحو محدود، مدرسي إلى حد ما وآراء حول اللغة متفق عليها. ذات نهج سكولاتي. هي جذابة، لكنها مفتقرة إلى الأساس التجريبي base empirique (ينظر أدناه، ف 7 ).
لا يعزى استقبال اللسانيين لسوسير بشكل جزئي أو مجزأ فقط إلى الطمأنينة التي تتيحها الحقائق الأكاديمية: على المستوى الإبستيمي، تجهد الوضعية العادية positivisme ordinaire التي طبعت القراءات التقليدية لـمحاضرات اللسانيات العامة Cours de Linguistique générale (من الآن [نشير إليها اختصارا ب] (م ل ع ) من أجل استيعاب البعد التأويلي dimension interprétative الذي يعلله عن جوهر اللغة المزدوجDe l’essence double de Langage. لقد اصطدم علم سوسير بالنصوص وعلم النص السوسيري بسوء الفهم نفسه. أليس هذا ما جعلهما يترابطان في جزء منهما. ما سيكسبه اللسانيون من دراسة نصوص سوسير أن دراساته الخاصة للنصوص هي ملهمة.
لن أتناول هذه المسائل من منظور تاريخي، بل[من منظور] خبير بالتاريخ، الماضي منه والمستشرف، تاريخ لسانيات المتون linguistique de corpusالتي يمكن عدها سوسيرية- جديدةneosaussurienne . سأعتمد على اللسانيين السوسيريين من أمثال يلمسلف Hjelmslev أو كوزريو Coserio أو لا فوسي أكثر من اعتمادي على مؤرخي اللسانيات. لا يتعلق الأمر، إذن، بسرد مغامرة سوسير بقدر ما يتعلق الأمر بإضافة حلقات أو على الأقل حيثيات، بل قد نضيف فصلا إلى الأسطورة.
إذا لم يكن سوسير موجودا بذاته ولذاته، هذه مسألة يتعين إثباتها مرة أخرى، فقد أصبح أيقونة(3). بغض النظر عن كون سوسير قد أسس اللسانيات المعاصرة، كما أشار إلى ذلك ليونز Lyonsوكثيرون غيره، فهو يحتل موقع الصدارة في إطار اللسانيات التاريخية والمقارنة التي فكر في تطعيمها بإبستيمولوجية خاصة بها. إذا فصلناه عن سياقه التاريخي فسنحرم أنفسنا من الانتباه إلى أصالته وسنسهم في أيقنته. لقد مضى الزمن الذي كانت فيه "القطيعة السوسيرية coupure saussurienne" تظهر، في اللسانيات، نسخة مُعلمَنة للمساء الكبير Le Grand Soir(4) (ينظر شيسChiss وبويش Puech1987).
غالبا ما يجعلنا النجاح نتوقع خطأ ما. يبقى السوسير الرسمي أسطوريا كما الوجه الآخر: السوسير الخفي. بدأ الاختزال بتبسيطات لـلمحاضرات، جعلتها معروفة للعموم وهي ما تزال نقطة النفاذ العادية إلى فكره. استمر [الاختزال] في البنيوية، على الأقل في نسخة جاكبسنJackobson الذي بصمه بازدواجيته binarismeالتي جعلته فونولوجيا والتي أمسك بها ليفي ستراوس –Strauss Lévi في الأنثروبولوجيا البنيوية Antropologie structurale مبرزا بعدها الابستيمي.
مع نهاية السنوات 1960، انتقد "رد الفعل" ما بعد البنيوي السوسيريةَ وتبنى ما يعارض الأحكام المنسوبة إلى "البنيويين". اقتضى الرأي السائد لدى اللسانيين أن يكون سوسير هو الذي أسس اللسانيات المعاصرة وهو في الآن نفسه الذي أعاق تطورها، لأنه رفع من شأن لسانيات اللسان الداخلية، بشكل خالص، وأهمل الشخص والتاريخ. وافق هذا النمط من الازدراء المتكرر تدني الاهتمام بالأطروحات السوسيرية الأكثر أصالة(5).
إذن، يبقى قدر الفكر السوسيري فريدا: مجدد لكن أسيء فهم إلى أي حد كان جريئا. تخميني conjectural لكنه ثوري. إنه مصدر العديد من تيارات البحث الرائجة في الفكر المعاصر. علاوة على ذلك، كان الاكتشاف الحالي لمخطوطات جديدة فرصة لإعادة قراءة وإعادة تصور عام للمتن السوسيري في العديد من البلدان.
لم تعد اللسانيات متمكنة من سرد تاريخها، وهذا مؤشر على صعوباتها الإبستيمية. في اللسانيات المعرفية لم يشر إلى سوسير إلا لنكاكرLangacker ، الذي اقتبس منه رسم الصورة الذهنية. لقد ارتبطت البنيوية، باسم سوسير، لكن حصل خلط، في إطار هذا المصطلح، بين اللسانيات البنيوية لما بين الحربين والتوزيعية distributionnalisme الأمريكية وظاهرة مشهورة في السيتينات(6) : الموجة damnatio (7)التشومسكية ثم المعرفية، التي وجهت ضربة لسوسير وللبنيوية، تنتمي إلى التأريخ القطعي، بمعنى أن كل مدرسة جديدة يُفترض فيها تقويض سابقاتها(8)
إذا كنا نسمع منذ مدة بـ"العودة إلى سوسير"(9) فالوضع مختلف كثيرا عما كان عليه منذ خمسين سنة، حينما كتب غريماس راهن السوسيرية (1954) وحتى إبان الاحتفال بسوسير بعد نصف قرن (جنيف، 1963). طبعا، نما المتن السوسيري بالمخطوطات وبدفاتر الطلبة، وهذا أتاح قراءات جديدة مؤسَّسَة فيلولوجيا(10). من المؤسف أن هذه الوثائق عدت مواد تمهيدية لـمحاضرات اللسانيات العامة كما لو أن [محاضرات هي] التركاب synthèse، الذي لا يمكن تجاوزه، للفكر السوسيري و لم تتم إعادة النظر إليها في ضوء[الوثائق]. لهذا كان النفاذ إلى فكر سوسير متاحا ومتعذرا في آن واحد بسبب المحاضرات، التي كانت لها كل خصائص الفولغاتا vulgate(11): [إنها] ضرورية، وتُذكر في كل موضع، وبدون قيمة علمية. ليس فقط لأنها تعيق التطورات الإبستيمية التي انطلقت منها المحاضرة الثانية في جامعة جنيف، بل لأنها تقلل من إسهام سوسير في لسانيات الكلام. إجمالا، علاوة على الدراسات القليلة التي نشرها سوسير، فإن المخطوطات هي الكتابات الحقيقية الوحيدة التي يمكن الاشتغال انطلاقا منها [أما] دفاتر الطلبة والمحاضرات فهي وثائق ملحقة وتكميلية(12)
لاشك في أننا قد نعمق الفكر السوسيري والسوسيرية، حينما تتمكن اللسانيات من استرجاع تاريخها وقراءة ما تملكه من نصوص. يقابل الأيقنةiconisation اللامبالية الإلحاح على قراءة تنطلق مجددا، [و] على الخصوص، من نقد المصادر التي مازالت لم تنشر بعد، على الرغم من أن المعرفة باكتشاف مخطوط كتاب اللسانيات العامة المعنون بـعن جوهر اللغة المزدوج l’essence double du langage De قد تنامت منذ عشر سنوات. صحيح أنه تلزمنا مجهودات لفهم فكر انتقد بصرامة الخطاطات الحجاجية topoї الألفية لفلسفة اللغة الغربية: الإحالة référenceوالماهوية substantialisme المتعلقة بها والتعريف الأنطولوجي ontologique لأقسام الخطاب ومشكل الحقيقة والذهنية mentalisme والثنائية dualisme التي تقابل بين الفكرة والتعبير عنها والاستيهام الإثيولوجي fantasme étiologique والميكانيكية mécanisme الخ.
بعيدا عن الفضول الذي يثيره الموضوع الشيق للمخطوط المكتشف، فإن نشر مئة صفحة من المدونات التي اكتشفت في 1996 في مشتل البرتقال بقصر [عائلة] سوسير في جنيف لا يفسر إلا جزءا من نجاح كتابات اللسانيات العامةécrits de linguistique générale.
[هناك] تناقض بين متن واسع وقراءة متأخرة. تنتمي النصوص،خاصة نصوص مشتل البرتقال غير المنشورة، الصادرة في 2002 إلى عصرنا. نحن الذين علينا قراءتها وتأويلها وتقويم مضامينها بالرجوع إلى تاريخ تحريرها (سنوات 1890 على وجه الاحتمال) وكذا بالرجوع إلى المتن السوسيري، بل وبالرجوع إلى تاريخ السوسيرية ومستقبل اللسانيات.












- مُنح هذا الاسم للعلم الذي يدرس حياة العلامات في المجتمعات. لكن مصطلح السيميائيات (semiotics) كان مستعملا في العالم الناطق بالانجليزية، منذ لوك Lockeإلى بيرسPeirce ، للإشارة إلى قسم المنطق الذي يدرس العلامات signes. ساد مصطلح السيميائيات وأصبح عاما، منذ إنشاء الجمعية الدولية للسيميائيات في 1969.

2 - نسبة إلى الكاتب الفرنسي مارسيل بروست Marcel Proust، الذي ألف رواية "بحثا عن الزمن المفقود À la recherche du temps perdu"(المترجمة).
3 - لا يبتعد كثيرا ما قاله لي لساني أمريكي: "سوسير غلام العلامةsign عن مجموعة الروك destroy- chic [المسماة] بـالحقول المغناطيسية Magnetic fields التي سجلت [أغنية] موت فردناند دو سوسير Death of Ferdinand de Saussure (الألبوم 69 أغاني الحب) وهي تبيع معه قميصا سوسيريا.
4- هو تعبير يحيل على يوم الثورة الاجتماعية، التي حدثت في نهاية القرن التاسع عشر، والتي كانت جذرية وأدت إلى ظهور عالم جديد. (المترجمة).
5- من هنا، نجد علوم الدلالة تنتقد السوسيرية مع الدفاع عن مواقف الإحاليين referentialistes أو التصوريين conceptualistes.
6 - في فرنسا، في أواسط السيتينات جمعت مجلات ثقافية، تحت اسم البنيوية،مؤلفين من أمثال غريماس وليفي ستراوس Lévi-Strauss وبارت Barthes، الذين أعلنوا، كل منهم على حدة أنه من التيار السوسيري أو [تيار] يلمسلف أو جاكبسنJakobson . كُتاب آخرون [كـ] فوكو Foucault وألتوسيرAlthusser ولاكان Lacan لم يشاركوا أبدا في مشروع السيميائيات العامة، لكن غالبا ما ألحِقوا به. لكن ما إن مرت خمس سنوات حتى أُعلِن عن تجاوز البنيوية بدعوى رؤيتها الثابثة والمجردة، ومحايثثتها immanentisme المعادية لما هو اجتماعي وأيضا لما هو ماركسي، وذلك بهدف مناصرة اللاعقلانية irrationalisme ومهيمنا جديدا.
7- تشير هذه الكلمة إلى التعبير damnatio memoriae الترجمة الحرفية " لعنة الذاكرة" الذي استعمله شرايتر جرلاش Schreiter-Gerlach سنة 1689 للإشارة إلى إدانة الشخص بعد الوفاة بنسيانه، وقد كانت مستخدمة في روما القديمة. فيما بعد توسع هذا المفهوم ليشمل جميع الإدانات بعد الوفاة (المترجمة).
8- مثلا، سبق لديرك جيرارتز -dir-k Geeraerts أن اقترح هذا التقسيم إلى مراحل. انتهى علم الدلالة التاريخية الفيلولوجية sémantique historico- philologique حوالي 1930، تاريخ ظهور علم الدلالة البنيوية الذي انتهى بدوره حوالي 1975 تاريخ ظهور الدلالة البنيوية. يفترض هذا أن ظهور تيار بحثي يكون مصاحبا بأفول سابقه.
9 - يذكر بوكي Bouquet ، بهذا الخصوص، مقالات جون كلود ملنر John –Claude Milnerـ "العودة إلى سوسير" (1994) وجون كلود شفاليي John –Claude Chevalier " سوسير الجديد " (1997) و كريستيان ستيتر Christian Stetter "عند نهاية أنموذج شومسكي Chomsky هل نعود إلى سوسير"(2001) ويمكن أن نضيف [انطلاقا] من 1985 العودة إلى سوسير لكلود زلبرج Claude Zilberg.
0 - لم تكن هذه الكتابات منشورة في 1956، حينما كتب غريماس راهن السوسيرية (أعيد طبعه في La Mode""في 1830 باريس PUF 2000(. كان يلزم انتظار عروض سيمون بوكيه (1997) وأريلد أوطاكير Arild Utaker(2002) لكي تأخذ النظرية السوسيرية كل مداها، بدون أن تخضع إلى الصورة الملائمة والسُلبية sulpicienne (أي نسبة إلى سان سلبس (المترجمة)) نوعا ما التي نقلتها الأدبيات الأكاديمية.
11 - الترجمة اللاتينية للكتاب مقدس (المترجمة).
12- ينظر إنجلر Engler: " بمجرد ظهور "المصادر" بدا من الضروري للغاية الاشتغال على النصوص " الأصلية" (بوكي الطبعة 2003 ص 18).
13 - باريس، كليمار Gallimard 2002 ط. سيمون بوكي ورودولف إنجلر (من الآن ك ل ع). سيتلو هذه الكتابات التي سبق أن ترجمت إلى أربعة عشر لغة طبعة جديدة لـدروس Leçons التي تشكلت انطلاقا من دفاتر الطلبة.