التطبيع والعبودية الطوعية

معز الزموري
2020 / 9 / 22

"أصيح بالخليج يا خليج،
يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى
فيرجع الصّدى
كأنه النشيج
يا خليج،
يا واهب المحار والردى" (السيّاب)
عَلقتْ فلسطين بعروقنا ودمائنا منذ كنا أطفال مدارس نلوّن راياتها ونردد أناشيدها، ونعلن في مسيراتنا غضبنا وبحناجرنا نردّد ألمنا، ساخطين على عدوّ محتلّ، وحانقين من حاكم مهادن يخشى أناشيدنا وشعاراتنا، فلم نكن نريد إلا حرب تحرير حاسمة، ولا تتعلق أخيلتنا، ونحن نصنع الحلم، إلا بمقاومة باسلة ترمي المحتلّ في البحر وتعيده إلى تيهه الأوّل وشتاته الأبديّ، وأغلبنا يتصوّر أنّ هزيمة العدوّ ستكون ساحقة "ببطل" قادم بجيشه سيصنعه تاريخنا، بحاكم ملتحم بشعبه منتخب لديه إيمان راسخ بما تؤمن به الجماهير الهادرة من مبادئ تتوارثها من جيل غضب إلى جيل، لا يؤمنون إلا بالمقاومة كأجدادهم، مهما كانت مشاربهم وانتماءاتهم وخلفياتهم الفكرية. وأمام الشتات العربيّ وتفاقم روح الانهزامية، وبمراكمة الوعي، تخلّصت معظم هذه الأجيال من "الوعي الطفولي" والتعلق بالزعماء لأنّ العصر لم يعد عصر راع ورعية و"زعامتية"، ورصاصَ بندقية، وإنما هذا عصر امتلاك العلوم والتقنية والقوة الاقتصادية والعسكرية، فهي وحدها الكفيلة بحصار العدوّ وتجاوز قوته ثمّ مواجهته وغلبته.
لم تحبط الهزائم المتتالية، وإنشقاقات البيت الفلسطيني، وتطبيع مصر والأردنّ، وانحياز المجتمع الدولي، وتعسّف العالم، ومتاجرة القوى الإقليمية بالقضية الفلسطينية، وتأبّد تخلف العرب عن التطوّر والرقيّ، كلها لم تحبط الوجدان العربيّ بل زادته إصرارا على عدالة القضية، ومشروعية المقاومة، على الرغم من تميز هذا الوجدان عند المواطن العربيّ بالانفعالية والهشاشة، لأنه كلّما ثار قام له نظامٌ قامعا، "بالتطويع" حينا أو "بالتجويع" أحيانا. فروح المقاومة عند المواطن العربيّ تكاد تذوي، وأمّا الأمل فيخفت حتى يكاد يخبو، مما يجعله عاجزا عن الفعل الثوريّ الذي قد يكون كفيلا باستئصال الأنظمة الحاكمة ومظاهر عمالتها للقوى الاستعمارية ، فهي في الحقيقة أنظمة ليس بينها وبين الأجيال الناشئة روابط، فلا الأجيال الشابة تثق في حكامها، ولا هي بقادرة على أن تسعى إلى تغيير الأنظمة المتخلفة، فتعيش في ممكنات العوالم الافتراضية المستلبة. وفي المقابل لم يأت حُكام "الرجعية العربية" بمواقف ملموسة تصنع الحدث التاريخيّ، أو ترأب الصدوع المتخللة للمنطقة العربية. فهي أنظمة صنعت الفشل ولا زالت تؤبّده، تستوي في ذلك أنظمة الحكم في كلّ البلاد العربية، حتى تلك التي تُعتبر دولا أو إمارات "ثرية".
لم تكن دول الخليج حاضرة في السياسات العربية إلا بما أُثر عنها من مؤامرات تحبكها في حقّ المعارضين فُرادى وجماعات، أو عمليات تدخّل سياسيّ وعسكريّ أحيانا في بعض أرجاء البلاد العربية التي كان "شعبها يريد" غير ما تريد، ولم تكن شعوب دول الخليج شعوبا قادرة على الانتفاض على سياسات حكامها، لأنهم قايضوا ذلك بمقابل الرخاء والثراء،" إنّ أولائك البائسين يرون كنوز الطاغية وهي تبرق، فيتأملون بكل ذهول لأْلاء بذخه، ويجتذبهم ذلك البريق فيقتربون من غير أن يلاحظوا أنهم يرمون أنفسهم في لهيب نار لن تتوانى عن التهامهم" (إيتيان دو لا بويسي، العبودية الطوعية، ص 186)، وذلك الانغماس في النزعات الاستهلاكية تشترك فيه شريحة واسعة ممن ينتمي أصالة إلى تلك الرقعة من الأراضي العربية، أو ممن استقرّ فيها وافدا، وهو الأمر الذي تستغله الأنظمة العربية الفاشية لصنع قراراتها بمعزل عن عمقها التاريخيّ والاجتماعيّ، فتجرؤ جرأة سياسية لم تكن في محلّها البتة، لذلك يعتبرها المتابعون "صفاقة" سياسية لا "صفقة". إذ لم يكن تطبيع دول الخليج الذي ظهر جزؤه المعلن ومازال جزؤه الثاني خفيا، غريبا أو مفاجئا للمتابعين للشأن السياسي في هذه الدول، ولم يكن كذلك الأمر غريبا على طبيعة هذه الأنظمة "الكمبرادورية" ذات "الاقتصاد الريعي"، إذ لم تعد براغماتيتها السياسية بالنفع إلا على السلالات الحاكمة، وفي ضمان تموقعها ضمن خارطة جديدة للشرق الأوسط، لذلك فإنّ "التسامح" مع الكيان الصهيوني وخيانة القضية الفلسطينية لا يعني الشعوب العربية المعنية بالتطبيع شيئا ملموسا مباشرا في الحياة اليومية، التي تتواصل عادية ضمن اليوميّ المعتاد، ثمّ إنّ الشعوب الساكتة عن تطبيع أنظمتها لم تكن لتعرف معنى "التطبيع" و"التطويع" لأنها لم تخض لا هي ولا الأنظمة الرجعية التي أنتجتها حروبا مباشرة مع الكيان الصهيوني المحتلّ، أو مواجهة ظرفية، ولم يعرف تاريخها الحديث استعمارا مباشرا، فالبرتغاليون في القرن السابع عشر، مرّوا من المنطقة و لم يكن يعنيهم إلا الطريق التجارية نحو الهند، ومحاصرة الدولة التركية في امتدادها الاستراتيجي، في حين أنّ البريطانيين كانت أهدافهم واضحة في عقد صفقات مع القبائل العربية المتاخمة للخليج العربي من أجل التضييق على العثمانيين، وصدّ أي محاولة لتأسيس إمبراطورية عربية إسلامية تخلف العثمانيين، أمّا ما حصل في حرب أكتوبر 1973 فقد تمّ التنصل منه والتنكر له لاحقا، خصوصا في حروب الخليج، والتحالف ضدّ النظام العراقي. لذلك عُرف على تلك البقعة من الأرض العربية تاريخ من الدسائس والمكائد التي عجّت بها كتب التاريخ، وتثبت جميعها أنها دويلات نشأت في شكل إمارات نفطية لم تخضع جميعها في عصورها الحديثة لاستعمار أجنبيّ مباشر، تتربى بمواجهته على آداب المقاومة، وليس لها سيرة من النضال، إلا ما يكرره دعاة الدّين في سياقات مذهبية مناسباتية رديئة الآداء، مقبوضة أثمانها سلفا. فما يميز سياسات تلك الأنظمة أنها تريد التملّص دائما من قضايا المنطقة العربية باعتماد المقايضات لشراء الصمت عربيا، وشراء الحماية دوليا، في نوع من الاستغلال السياسي الذي لن يدوم بزوال أسبابه النفطية. وما أحدثته هذه الأنظمة اليوم في التاريخ، بمباركة شعوبها المطواعة، لن يُكتب في سجلّ الانتماء إلى أمّة يوحدها مجال جغرافي ممتدّ، ومصير مشترك، وثقافة جامعة، ولن يضمن لها من بعد ذلك الديمومة أو البقاء.
إنّ المسارعة إلى التطبيع، من الأنظمة العربية مع الكيان الصهيوني، مردّه معرفة تلك الأنظمة بأنها تحكم شعوبا قابلة للتطويع، فلا يعنيها أن يكون النظام الحاكم "بَيوعا"، أي ماهرا في البيع والشراء، لكنه في حال التطبيع العربي يعدّ خاسرا لأنه لم يأت بيعه للقضية الفلسطينية بريع أو ربح، يفيد الشعوب المعنية بالتطبيع، مثل أمان اجتماعيّ من بعد حرب، أو تقدم ورٌقيّ معرفيّ أو تقنيّ، تستفيد منه تلك الشعوب، على النحو الذي استفادت فيه شعوب أخرى حين فاتحت أعداءها. بل سيثبت التاريخ، أنّ الربح الوحيد سيذهب إلى مصارف العدوّ الإسرائيلي وبنوكه، لأنّ منطلقه "اقتصاد غبيّ" ترتع فيه "طبقة مالكة ذات قدرة على الدفع" (ألان دونو نظام التفاهة ص 184)، لذلك لن تجد خليجيا "ثوريا" يؤمن بالقضايا المشتركة، ولن تجد في الآن نفسه عربيا يدع المال الذي جمعه فعدّده في إقامته بمدن الخليج العربيّ، فينتصر إلى مبادئه الملتزمة التي شبّ عليها في بلده، فلم تعد "الكرامة" قبل "الخبز"، ولم يعد الهمّ الفلسطينيّ على رأس لائحة القضايا المصيرية. والعرب في مشاركة أغلبهم بالصمت، كدأبهم يفتحون ثلمة جديدة في سور الممانعة الذي يتهاوى يوما بعد يوم، ويتآكل صرحه حتى يهوي. وبناء على هذا كله أصبح التطبيع "حدثا إخباريا" تبثه قنوات "التفاهة" و"التطويع"، يشاهده العرب في نشرات الأخبار، يمتعضون منه لحظة مشاهدته لأنه يفسد طعم ما يشتهون. فلا كارلوس ولا سعدات، ولا درويش أو عرفات، ولا محمّد الدرّة ولا المبادئ ولا الكرامة ولا الحجارة ولا الثورة ولا البندقية ولا حتى ريتا، أصبحت تعني هذه الشعوب العربية شيئا، وإنما يعنيها الاستهلاك والخضوع والفشل والخنوع و والقابلية للهزيمة والركوع، والتسبيح بحمد الحاكم الجائر الذي لديه مآرب في "القدس"، أضاعها وهو في الطريق إلى "مكة"، ليعود "فيهش" على رعاياه "بمناشير" تقطع أوصال الفكر، فيصنع مجتمعا معتمدا على الانصياع والإذعان، والهلع المذهبيّ من "إيران"، والفزع من "الوحدة العربية" والتحام الجيران، أو"الإشتراكية" في مال السلطان، فهو مجتمع متكلّس لكنه مطواع، نشأ على مقاومة التغيير والتطور، والخوف من الطارف المستجدّ، والرهبة من التحرر والرغبة في العبودية، "فالخمول يجعل الشعوب تنسى الحرية"، فيأتي طغاتها من صميم طبيعة تلك الشعوب "الهاملة الخاملة"، التي لا دين لها إلا الاستهلاك.
لذلك مادامت الشعوب العربية المعنيّ حُكّامها بالتطبيع صامتة خرساء، لا يعنيها ضياع الأرض وهتك العرض، فهي شعوب مطاوعة لأنظمتها المتخلفة، وهي بصمتها تشجع العدوّ على أن يجوس خلال الديار، وتسكتُ، وفي سكوتها انطفاء ضمير الشعوب العربية الإسلامية. هي هذه صفات الشعوب التي لديها قابلية للركون والمهادنة، فتشجّع الحُكام الذين ابتلانا بهم التاريخ، على تأبيد الجهل والفقر، وإخراس صوت الحقّ إذا صدح به ثائر، لذلك ذهب اصطلاح "شعب عربيّ واحد" ّ طيّ التاريخ، وأصبحت كل الشعوب العربية متناثرة متناحرة، لا همّ لأغلبها إلا مناصرة حكامها في السعي إلى تأبيد السلطة، وطمس التاريخ، وقهر شعوبهم في كلّ مرحلة تاريخية حتى تصبح شعوبا راضخة، مغلوبة، فتنبطح ليلج فيها سفود من الهزيمة، يُخرجها هذه المرّة من التاريخ قسرا.