قراءة في سطور ذاكرة الطفيليات

علاء داوود
2020 / 9 / 21

في تلك البقعة على أطراف "داكار" السنغالية يقطن، ( بوغوما ) الطاعن في السن والصيد والحقد على الأرض والماء والسماء، لا أحد يجرؤ على السؤال عن أسباب حقده لكن يسود الإعتقاد أن اسمه الغريب والذي يعني ( غير المرغوب به ) هو السبب، يجلس على كرسيّه المتهالك على شطآن قرية "بوف" في الشمال السنغالي والتي بدورها تتخذ أقصى يسار قارة افريقيا برمتها، ينتظر وينتظر منذ أشهر وسط دهشة أهالي المدينة، فليس من سِمات هذا المكان البخل في خيرات المحيط الوفيرة.

اقترب منه ( ميموتا ) صديقه وتجرأ على السؤال، ما يُجلِسك هذه المدة الطويلة ؟، دون حتى قوت يومٍ من الأسماك ترجع بها الى مأواك ؟، نالت من تجاعيد وجهه ابتسامة تعلوها كل الألوان في استهزاء، أوتظنني أنتظر سمكاً أو حتى كنوز القاع !، ارتسمت على وجه ( ميموتا ) الدهشة، وما يُبقيك على ما أنت عليه ؟، هزّ ( بوغوما ) رأسه وقال في يقين، أنتظر أن تأتيني قناطير "ناتال" برمتها صاغرة، و "ناتال" هي القرية البرازيلية على أطراف الأطلسي الغربية.

قد تبيّن مقصد ( بوغوما ) الجشع في الحصول على ما ليس يُطال، ولكن المُرعِب ازدياد اليقين لديه أن "ناتال" من حقه، وأن جده ( موناسيو ) قد أوصاه بها وأنها ستؤول إليه رغم فجوة المحيط الهائلة، ترك ( ميموتا ) صديقه الحالم وابتعد مردداً : المسكين سيموت على هذه الحال.

وبعد سنوات على حلم ( بوغوما ) الطامع، واعتلائه عرش أحلامه التي إن عاد منتشياً من مِثلها نال منه الإحباط، مات ( بوغوما ) دون أن تأتيه "ناتال"، بل وخسر "داكار" أيضا، وبقيت السنغال على أطراف الأطلسي الشرقية والبرازيل على الغربية منها، وما انفكت هذه الأحداث تُروى كضربٍ من ضروب الحقد والجشع والطموح اللاحسن، بل ونال ( سانوفا ) الصغير حفيد ( بوغوما ) مكانه على تلك الرمال، يأخذ قوت يومه من الأسماك ويرحل، ولكن يُقال أنه بين تارة وأخرى يرمي ببصره الى الآفاق ولا أحد يدري ما يجول في خاطره، قد هامَ جده بما وهِمَ، وماتَ حياً بما حلُمَ.