متلازمة الأبناء وحكم السفهاء 1/2

ياسين المصري
2020 / 9 / 21

المُتَلاَزِمَة باختصار شديد هي مجموعة من الأعراض والعلامات المرضية المتزامنة ذات المصدر الواحد. وهي تصف خللاً عقلياً أو جسدياً أو عضوياً، يكون أحياناً غير قابل للعلاج. لارتباطها بجينات المرء أو بسلوكه. ومتلازمة الأبناء Sons Syndrome. التي تتفشى في عالم العربان هي خلل سلوكي يلازم الحكام بسبب جهلهم وعجزهم وبلاهتهم أو لأسباب أخرى تربوية وثقافية، ويؤدي بهم إلى سلوك معين تجاه أبنائهم. وتظهر بوضوح معالم هذه المتلازمة عند الحاكم العروبي الطاغية المستبد، والذي يعتاد على تقديم خلطة بذيئة جدّا من الدجل والخداع، وتدعو إلى السخرية، أو تثير الاشمئزاز، ولا تعني شيئًا لخير بلاده واستقرارها، وذلك بهدف البقاء على قمة السلطة إلى الأبد، وتوريثها لأبنائه من بعده. هذه الخلطة تشمل عنصرين أساسيين:
العنصر الأول هو استعمال القوة الغاشمة والقمع الدائم للمواطنين في الداخل لجعلهم على طريقه المستقيم!،
والعنصر الثاني هو التحذير المستمر لزملائه في الغرب المتحضر من أنَّ بلاده ستدخل مرحلةً من الفوضى في حال توقَّفوا عن دعمه، وعدم الوقوف بجانبه، ممَّا قد يغرق بلادهم بطوفان من لاجئين بلاده السياسيين!.
الغريب أنه بهذه الخلطة القذرة يحقق نجاحًا، ولو محدودًا، إذ يغض الغرب الطرف عما يمارسه في حق شعبه من قتل ونهب خيرات بلده وقيادتها إلى الانهيار والدمار وخراب الديار.
ومع أن الفيلسوف الإنجليزي ”جون لوك“ حذر من ذلك بقوله: «لا فائدة من استعمال القوة لجعل الناس على الطريق المستقيم نحو النجاة، ذلك انه لا يمكن لأي اكراه ان يجعل انسانًا يؤمن بعكس ما يقتنع به على ضوء عقله. ولذلك لا يجوز ارغام احد على الدخول في مشاركة، يحكم هو في اعماق ضميره بانها مضادة لما يراه» إلَّا أن الحكام الطواغيط الفاسدين لا يتعلمون من التاريخ ولا يأبهون بالواقع من حولهم، وذلك إمَّا بسبب جهلهم وغبائهم، أو بسبب نشأتهم وكراهيتهم لشعوبهم والرغبة في الانتقام منها بصورة ما.
من المؤكد - أنَّ هؤلاء الحكَّام لا يثقون في أنفسهم ولا في شعوبهم، بحكم ما بهم من بلاهة وعجزهم عن العمل السياسي الصحيح، ولقناعتهم بأنهم لا يتمتعون بأدنى خيال سياسي أو كفاءة مطلوبة للحكم، وأنهم جاءوا إلى السلطة بأساليب ملتوية وحقيرة. لذلك يعتمدون عادة على أهل الثقة ويتجاهلون، بل ويحتقرون، أهل العلم والمعرفة والخبرة. وفي الغالب يوكلون عملية إكراه المواطنين على الاستقامة في طريقهم إلى أحد أضلعهم القوية، ليقبض على الخيوط التي قد تفلت من بين أيديهم، هذا الضلع هو عادة أحد الأبناء الذي يرى فيه الحاكم خليفة له، فيحمِّله سرَّه ويعهد له بالتحَكَّم في كل شاردة وواردة من شؤون البلاد، والتفنُّن في إذلال العباد، كي لا يترك شيئًا للمصادفة التي قد تتسبب في سقوط والده عـن عرشه. وما دام الإبن في وضع كهذا، فلا بد وأن يكون أكثر وحشية وقسوة وفسادًا من والده، فيعمد إلى سحق كرامة المواطنين بسلاح السلطة وعنفها المفرط، حتى لا يرفع أحدٌ رأسه أو يعلو صوته أكثر مما يُسمح له، وحتى لا يحيد أحدٌ عن الطريق المستقيم الذي يحدده هو. وطريقه المستقيم هو توزيع الفساد وتعميمه على الجميع من حوله، كنوع من تقسيم الغنائم لأجل ضمان سكوتهم وشراء ذممهم، وتوريط الجميع للجميع ليصبح من غير الممكن لأي طرف استهداف الآخر، ومن يشذ عن هذه القاعدة يتم تدميره ماديًا أو معنويا، ليكون عبرة لغيره!
في الدول الديموقراطية المتحضِّرة يختلف الأمر تمامًا، فالرئيس مجرد موظف لحماية الدولة وخدمة مواطنيها لفترة محددة من الزمن مقابل أجر وبعض الميزات العينية والمادية، ويُعامل أبناؤه كما يُعامل المواطنون العاديون، ولكن هذا لا يعني أنهم لا يخطئون، أو يحاول البعض منهم استغلال نفوذ وسلطة والده لتحقيق مصالحه الشخصية، إلَّا أنَّ تصرفاتهم لا يمكن لها أن تتخطي حدود القانون، ولا يمكن أن يصل تفضيلهم على غيرهم إلى الحالة المرضية المتفشية في مجتمعاتنا المتخلِّفة. فمثلًا، حدث أن عيَّن الرئيس الفرنسى الأسبق ”فرانسوا ميتران“ ابنه الأكبر ”جان كريستوف“ مستشارا له لشئون إفريقيا، رغم أنه فى الأصل كان مهندسا، الأمر الذى أعطاه نفوذا كبيرا، وأتاح له بناء شبكة من الـعلاقات الواسعة التي استغلها فى القيام بمهمات استشارية لاستثمارات نفطية فى أفريقيا، ولكنه لم يسدد الضرائب المستحقة عن المكاسب التى حققها، مما أدى لصدور حكم نهائى عليه فى عام 2006، بالسجن لمدة 30 شهرا. كما تورط في قضية أخرى تتعلق ببيع أسلحة لأنجولا والمعروفة باسم «أنجولا جيت» وحكمت عليه المحكمة بالسجن سنتين مع وقف التنفيذ، ودفع غرامة 375 ألف دولار.
أمَّـا أبناء رؤسائنا وملوكنا، فيتعاملون مع الدول التي يحكمها آباؤهم على أنها مزارع للدواجن أو عزب خاصة لهم، يديرونها كيفما يشاؤون، ويفعلون بها ما يشاؤون. يتولون المناصب السياسية العليا بغير نضوج عقلي أو كفاءة علمية أو خبرة عملية، ويتقاسمون ثروات وأموال البلاد والعباد بغير حق، ويعيثون في الوطن فسادًا وفي المواطنين قتلا وتدميرًا بلا وازع قانوني أو أخلاقي، وذلك كمحاولة للتدرُّب على إدارة الإرث الذي سيتركه لهم آباؤهم!
وكما هو الحال في المملكات الفاشية لدول الخليج نجد في الجمهوريات الفاشية المجاورة لها نوعية رديئة من الأبناء، يجتمع فيهم كل من الجهل والبلادة والسفاهة مع الدموية والعنف. هكذا رأينا مثلًا سيف الإسلام إبن القذافي في ليبيا وقد برز فجأة على الساحة السياسية فى السنوات الأخيرة لحكم والده، وأصبح صاحب نفوذ واسع فى البلاد، رغم أنه لم يكن يشغل أى منصب رسمى فى النظام، وفكانت جميع المؤشرات تؤكد أن والده يُهَيِّئه لتولى الرئاسة من بعده، مع أن اسمه قد ارتبط بالكثير من الفضائح، حيث اتهم بتزوير الدكتوراة التى حصل عليها عام 2007 من كلية الاقتصاد في لندن، مما حمل مدير الجامعة على الاستقالة، كما عرف عنه تعدد علاقاته النسائية المشبوهة، وبحسب وثائق ويكليكس فإن: « مشاركته المستمرة فى حفلات جنسية صاخبة وبذيئة كانت مصدر قلق فى المجتمع الليبى المحافظ».
وعندما انتفض الشعب الليبي في السابع عشر من فبراير، كان سيف الإسلام أول من خرج للعلن من أركان النظام، يتوعد المحتجين بالدمار والهلاك والحرب الأهلية، ويتحدث عن « حبوب الهلوسة» التى اتهمهم بتعاطيها، فكررها والده عدة مرات بعد ذلك، كما هاجم العربان قائلا « طـظ فى العرب وفى الجامعة العربية».
أما عن الأبناء الآخرين للقذافي، فالحديث يطول عن مدى بذاءتهم ودمويتهم وبطشهم، إضافة إلى علاقاتهم النسائية المشبوهة وحفلاتهم الشاذة والمخالفات والتجاوزات القانونية، فمثلًا «المعتصم» وهو الأقرب لقلب والده، والذي ولاه منصب مستشاره للأمن القومى، وأعطاه رتبة عميد فى الجيش، أسس وحدة خاصة يترأسها هو، وجعله بسيطر على المخابرات، فكان يخافه جميع المسئولين الليبيين بشدة. عرف هذا ”المعتصم“ بدمويته وبطشه، بالإضافة لحفلاته الضخمة وعلاقاته النسائية خاصة مع عارضة الأزياء الإيطالية الشهيرة « فانيسيا هاسلير»، كما دفع ذات مرة مليون دولار للمطربة الأمريكية «ماريا كاري» لأداء أربع أغان فى حفل بمناسبة رأس السنة الميلادية.
ثم حدث ما حدث لليبيا وأجهض كل شيء، وأصبحت البلاد لا شيء.
وفى اليمن تمتع أحمد الابن الأكبر للرئيس علي عبد الله صالح بصلاحيات عديدة، وكان من أكثر أبنائه نفوذا وحضورا، بعد حصوله على بكالوريوس فى علوم الإدارة، ثم الماجستير من الأردن، وخوض دورات مختلفة فى العلوم العسكرية فى العديد من دول العالم، ثم ترقى سريعا فى الرتب حتى وصل إلى رتبة عميد ركن. بدأ ظهوره السياسى كوريث لوالده عام 1997، عندما ترشح لانتخابات مجلس النواب وحقق فوزا ساحقا، وتولى رئاسة الحرس الجمهورى اليمنى، ثم قائدًا للقوات الخاصة اليمنية التى تعتبر بمثابة قوات النخبة بالجيش اليمنى لحراسة وحماية نظام والده. ولدى الرئيس اليمنى العديد من الأبناء الآخرين كانوا يعيشون جميعا حياة تتسم بالترف والبذخ، في بلد تصنف ضمن أفقر عشر دول فى العالم.
أمَّا الرئيس حافظ الأسد في سوريا فكان هو الوحيد في الجمهوريات الفاشية للعربان الذي نجح فى تمرير سيناريو توريث الحكم لابنه بشار، رغم أنه لم يكن هو المحدد من البداية لخلافة والده، حيث كان ابنه الأكبر ”باسل“ هو الذى يتم إعداده، إلا أن وفاته فى حادث سير على طريق بيروت دمشق جعلت التركيز يتجه على بشار، الذى كان عمره أنذاك 26 عاما، وكان مازال يواصل دراسته فى طب العيون فى لندن، فتم قطعها واستدعاؤه إلى دمشق، وألحقه والده شكليا بالجيش، وبدأ يرسله كمبعوث له فى زيارات عربية وأجنبية، كما قام بإقصاء الشخصيات القوية داخل الحكومة والتى قد تكون خطرا على ابنه، وكوَّن مجموعة من الضباع القيادية تقف خلف بشار وتسانده، وبهذا تم التوريث دون مشاكل، وبعد 8 سنوات أعلنت وفات حافظ الأسد في يونيو 2000، فقام البرلمان على الفور بجعل الحد الأدنى لعمر الرئيس 34 بدلاً من 40 عام، وبعد أسبوع عين حزب البعث بشار الأسد سكرتيرا عاما له ومرشحا للرئاسة وقائدا أعلى للقوات المسلحة. وتم انتخابه بعد شهر واحد عبر استفتاء، حصل فيه على 97% من الأصوات، وفى 17 يوليو 2000 أدى بشار الأسد قسم اليمين الدستورية كرئيس للبلاد.
في مصر أسس البكباشي عبد الناصر الثقافة العسكرية الفاشية، مع بداية حكمه في عام 1952، بصورتها التي نراها اليوم، فهو الذي وضع مبادئها وصاغ أفكارها، وهو الذي حدد أطر العلاقة بين الجيش والسلطة، كما أنه ابتكر أنماطا متعددة للتلاعب بالشعب، وخداعه بالكذب، ومن ثم سار الحكام من بعده - إلى وقتنا هذا - على الكتالوج الناصري دون تجديد أو تبديل، وهو تأصيل وترسيخ الفساد على النحو التالي:
إهمال القطاع الخدمي والصحي
ثقافة التعذيب وقمع الرأي
محاصرة المجتمع المدني
التلاعب السياسي بالدين وإستشراء الجهل
إهمال البنية التحتية للدولة
قمع جميع الأحزاب السياسية
انتشار الرشوة والاحتيال والتزوير
اعتقال المئات من الناشطين السياسيين
تكبيل الإعلام، وإخضاعه لسيطرة الأمن
تفشي الفقر والجهل والمرض في المجتمع
وفي نفس الوقت، بدأت متلازمة الأبناء تظهر بوضوح، خاصة في مجال ”البيزنس“، فرغم ما يشاع من أنَّ البكباشي أوصى أبناءه بألّا يعملوا بالبيزنس ولا بالسياسة وحثهم على العلم والثقافة كمنهج لهم ولأبنائهم، في وقت بدأ العلم والثقافة في التردي والانحطاط مع بداية حكمه، إلَّا أن أولاده اتجهوا بعد موته إلى العمل بالبيزنس وأنشأوا شركات فى قطاعات المقاولات والتجارة والاستيراد والتصدير والبورصة والطباعة والسياحة والفنادق والإعلام والطيران والخدمات الجوية قُدرت ميزانياتها بمليارات الجنيهات. ساعدهم على ذلك صداقاتهم القوية بكبار المستثمرين، فأسس عبد الحكيم، الابن الأصغر بمرور الوقت إمبراطورية اقتصادية قويَّة، مستغلًا فترة الانفتاح في عهد السادات واسم والده والولاء الاجتماعي الأعمى له بعد موته، وكون شركة «مودرن كونتراكتورز» للمقاولات عام 1977، وأجرى شراكة مع أخيه خالد، الذى انشغل بالعمل الدبلوماسى فى بداية حياته المهنية، قبل عودته إلى القاهرة ليدير شركة للمقاولات تتبع مجموعة «كونتراكتورز»، التى تتركز معظم أعمالها مع الحكومة، بينما توسعت للعمل بالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا ولندن. وفى نهاية الثمانينات دخل في شراكات مع رجال أعمال آخرين، وكون مجموعات استثمارية عملاقة.
الآن يملك عبد الحكيم عبد الناصر شقة فى لندن، وقصرا صغيرا بأمريكا وفيلا بفرنسا، و3 فيلات بالقاهرة وشقة فاخرة بمصر الجديدة وأخرى بجاردن سيتى.
أما منى عبد الناصر، فقد تزوجت أشرف مروان، الذي دارت حوله شكوك قوية في العمل جاسوسًا لصالح إسرائيل، في وقت كان يعمل مديرَ معلومات لمكتب الرئيس السادات، ثم تولى رئاسة الهيئة العربية للتصنيع، ثم تركها ليتفرغ لأعماله الخاصة التى توسعت بعد ذلك وأصبح مليارديرًا كبيرًا، وأشرك معه زوجته فى بعض مشاريعه، خاصة فى مجالات السياحة والفنادق.. فتعلمت منى منه أصول «البيزنس»، وعلمتها بدورها لنجلها جمال مروان صاحب مجموعة قنوات « ميلودى». وتوالت سلسلة البيزنس لأبناء وأحفاد الزعيم الخالد حتى يومنا هذا. مزيد من التفاصيل على الرابط التالي:
https://akhbarak.net/news/2017/10/14/12298449/articles/26837031/بالأرقام-الإمبراطورية-المالية-لأبناء-عبدالناصر
بعد موت عبد الناصر وخليفته السادات أخذت متلازمة الأبناء نهجًا متصاعدًا في العمل التجاري والسياسي معًا، ففي عهد حسني مبارك، وفي وقت بدأت أعداد خريجي الجامعات من الشباب العاطلين عـن العمل تزداد كل عام، عمل ابنه جمال بمجرد تخرجه من الجامعة الأمريكية فى ”بنك أوف أمريكا“ فى القاهرة، ثم انتقل إلى فرع البنك فى لندن، ثم عاد فجأة إلى مصر بعدما اكتشف والده أن ابنه رجل سياسة محنك وعلى مصر الاستفادة من خبراته (!)، لذا تم تفصيل له ”لجنة السياسات“ التى تولى منصب الأمين فيها، ولكنه لم يكن أميناً على الإطلاق فى رسم سياسات الحكومة - وهو دور اللجنة - حيث ركزت عملها على هدف واحد هو «التوريث». أما علاء الابن الأكبر للرئيس المخلوع، فقد تخرج أيضاً من الجامعة الأمريكية، ولكن لم تكن الحياة السياسية تروق له، فهو رجل أعمال يشاع أنه متعدد المواهب والنشاطات، ولكن لا يعلم أحد على وجه اليقين تفاصيل أعماله ومجالاتها، نظراً لأن والده فرضه على كل رجال الأعمال كشريك لهم، وقدمت له أراضى الدولة ومواردها على طبق من فضة ليتربح منها كما شاء.
وحدث أنَّ جاك شيراك الرئيس الفرنسي الراحل سأل حسني مبارك أثناء قمة جمعته معه في قصر الإليزيه عام 2004، حول إمكانية توريث الحكم في مصر، فردَّ مبارك قائلا: « بأن كل الذى يتردد فى هذا الصدد شائعات ينشرها بعض الصحفيين، وهدفها الإساءة إليه (إلى الأب)، بينما كل ما حدث أنه يستعين بابنه فى إدارة مكتبه كما يفعل الرئيس ”شيراك“ نفسه مع ابنته». ولكنه فى عام 2006 قام بتفصيل النظام الانتخابى على مقاس ابنه جمال، ليصبح واحدًا من ثلاثة أشخاص يتولون منصب الأمين العام المساعد فى الحزب الوطنى الديمقراطى، ممَّا أتاح له فى زيارة خفية لأمريكا أن يلتقي بديك تشينى وزير الدفاع، وكوندوليزا رايس وزيرة الخارجية، ومستشار الأمن القومى ستيفن هادلى، فضلًا على لقاء لم يكن مدرجًا مع الرئيس الأمريكى نفسه، وبالرغم من تحفظ بوش من إثارة موضوع الخلافة الرئاسية فى مصر علنًا، فإن لقاءه القصير مع جمال أشار إلى موافقته الشخصية على خلافة جمال لوالده، حسبما ذكر الكاتب والباحث الأمريكى جايسون براونلى في كتابه «إجهاض الديمقراطية.. الحصاد المر للعلاقات المصرية الأمريكية فى أربعين عامًا» عن نظام حكم مبارك، وحقيقة توريث جمال الحكم.
مبارك الذي شهدت سنوات حكمه سقوط آلاف الضحايا الأبرياء من المصريين، نتيجة القمع والفساد والإهمال، وزع الدولة التى يملكها على ولديه بالعدل، أحدهم ورث السلطة والآخر ورث الثروة، وكلاهما وجهان لعملة فاسدة واحدة. ولأن الثورات لا تأتى بما يشتهى الفاسدون، فقد جاءت الانتفاضة الشعبية في 25 يناير 2011، لتجهض مخطط التوريث، وتقضى على أحلام الوالد وولديه فى اغتصاب مصر وشعبها، ولكنها وضعت البلاد في وضع أشد قسوة من ذي قبل.
من الطبيعي أن تكون العقدة المستحكمة للحكام العسكر منذ اغتصابهم السلطة في مصر هي الجهة التي جاءوا منها وحظوا بدعمها، ألا وهي الجيش، إذْ لا بد أن يعملوا كل ما في استطاعتهم على إرضاء قادته لتجنب غضبهم، وربما انقلابهم عليهم، لذلك تمادى مبارك في هذا الأمر وترك لهم الحبل على الغارب طوال مدة حكمه (30 عام)، فتوسعوا فيما كانوا قد بدأوه في العهدين السابقين له، ليبنوا بأنفسهم ولأنفسهم إمبراطورية اقتصادية قوية، ويوجهوا الجيش بكل إمكانياته المادية والبشرية إلى التدخُّل في كل مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فأنشأوا الشركات والمصانع وصادروا أرض مصر وممتلكاتها بكاملها لمصلحتهم، فتضخمت تدريجيًّا أملاكهم الخاصة وكبرت شركاتهم بحيث أصبح من الصعب عليهم أن يتخلوا عنها، أو أن يخضعوا لحاكم مدني ليخرجهم منها ويعيدهم إلى واجبهم الأساسي وهو الدفاع عن حدود البلاد.