سلسلة فنارات -ج4- الرائد والمقدم-الحلقة الثانية

حامد تركي هيكل
2020 / 9 / 21

النقل الى معسكر الراشدية

اندمجنا بضبط تلك الحركات الجميلة والتي شجّعت مدربَنا على الاستمرار بها وتجاوز منهاج الدورة الأساسية، اذ كان يتعين علينا البدءُ بالتدريب على البندقية الآلية الكلاشنكوف، الا أن ذلك قد أُجل بأمر من الآمر شخصيا، ذلك لأن أمام المركز فرصة تاريخية للاستعراض بهذا الفصيل المتميز، الذي لا يصعب عليه شيء من فنون العرض العسكري.
وفي صباح يوم ما ولمّا تمضِ علينا مدة أيام منذ لبسنا الخاكي، حتى نُودي علينا في ساحة العرضات بالتجمع. تجمعنا، وقُرأت أسماءُ بعضِنا، خمسة عشر جندياً بالتمام والكمال، وكنّا جميعاً من المهندسين المعماريين عدا مهندس مدني واحد من الديوانية صادف أن يكون اسمه الثلاثي مطابقا لاسم زميل لنا معماري ولكنه لم يلتحق بالخدمة لأسباب خاصة.
حزن المدرب لخسارتنا، وحزن الآمر ربما. سُلِّمنا كتب النقل، وقيل لنا أن علينا الالتحاق بسرية الغشّ والتمويه الواقعة في معسكر الراشدية.

الرائد*

علمنا فيما بعد من بعض زملائنا المهندسين المعماريين أن نقلنا كان بسبب أن آمر سرية الغشّ والتمويه كان يطمح أن يعززها بخيرة المهندسين المعماريين المتخرجين حديثا. ولهذا فهو حين عرف أن المهندسين المعماريين الجدد قد التحقوا في خان بني سعد في هذا المركز تحديدا جاء بطلبنا. جاء بنفسه ليأخذنا، وتمَّ له ذلك، فمثلُه لايُردُّ له طلب، لا في الهندسة العسكرية ولا في أيِّ صنف من صنوف الجيش.
ترى هل تكون حياة المرء مجموعة عجيبة من الصدف؟ أم أنها مرسومةٌ بدقةٍ بعناية مدبّر؟ ربما يكون في طريقك تفصيلٌ بسيطٌ لا تلقي له بالاً، ولكنه سيكون حاسماً ومؤثراً الى درجة كبيرة. لقد عرفت فيما بعد كيف ترابطت الأمور واكتملت قطع الأحجية. فقد كان معنا في الدورة نفسها آنسة مهذبة من عائلة محترمة، صادف أنها بنت أخت الرائد. وقد علمنا فيما بعد ربما بعد سنوات أو عشرات السنين لا أعلم على وجه الدقة، أن خالها قد طلب منها أن تزوده بخمسة عشر أسمٍ من خيرة الخريجين من دورتها. وقد أعطته لا ئحة بأسماءِنا. وهكذا بدأت فصول هذه القصة. من يدري كيف ستكون الأمور لو أن سيناريو آخر قد حصل!
سرية الغش والتمويه تشكيلٌ جديد في الجيش لم يمضِ على تأسيسه سنةٌ واحدة أو نحو ذلك. وقد أسَّسَه ذلك الرائد الطموح ذو الشخصية المتميزة بعد أن تخرج في الأتحاد السوفيتي في هذا الاختصاص. والغريب بالأمر هو أن الرائد كان يمكن أن يكون، بل كان يجب أن يكون بحسب المنطق، أو بحسب المُتَوَقع مُحارباً أو مُبعداً بسبب ارتباطه العائلي بأشهر أسم في المعارضة في ذلك الوقت. ولكن ذلك لم يحدث!
يمتلك الرائد كارزما عجيبة، فهو حين تلتقيه وتستمع الى كلامه تظن أنك أمام قائد تأريخي من طراز فريد. وهو واثق من نفسه بشكل عجيب حتى أنني أجزم أنني لم ألتقِ بشخصٍ آخر له المواصفات نفسها أو مقاربة لها حتى بعد مضيّ كل تلك المدة الطويلة.
كل حياة الرائد استثنائية بمعنى الكلمة، على الأقل في مقاييس ذلك الزمان والمكان. فالعسكريةُ هي أقلّ المجالات التي يسمح فيها بالتفرد وإظهار السمات الخاصة، هكذا فهمتُ. والعسكريةُ في زمن الحرب أكثر تشددا في تطبيق القواعد والأوامر الثابتة، هكذا توقعتُ. والعسكريةُ تحت ظل حكم شمولي أكثر إنضباطاً وتقيّداً وخوفاً منها تحت أيّ نظامٍ آخر، هكذا اعتقدتُ. ولكن الرائد ليس له في كلِّ ذلك. فسريّة الغش والتمويه عالمه الذي بناه هو بيديه، ووفق تصوره، عالم لا مثيل له في كل صنوف الجيش. عالم مثالي يكون هو قطبه ولا شيء غيره. هكذا.
يبدو أن همَّ الرائد كان يتشعّب الى أكثر من هدف. فهو يريد تأسيس صنف يعنى بهذا الاختصاص فعلا لتقليل الخسائر في الأرواح والأشياء في ساحات المعارك، وهو يريد أن يكون متميزاً ومتفرداً وقيادياً، وهو يريد أن يكون سعيداً وخلّاقاً، وهو يريد أن يحتضنَ الشبابَ المهندسين المُتَميزين قدر ما يستطيع.
كلُّ مشكلة تحدث في السريّة يعالجها الرائد بطريقة فريدة ومبتكرة. فهو دائماً يجد الحلول الاستثنائية التي تصبُّ في مصلحة المهندسين المتميزين الذين جَمَعَهم هو في سريته. ومرجعُه في ذلك ليس السياقات، وليس التعليمات الجامدة التي وضعها آخرون، وليس ما ينجم عن لجان مشكّلة، كلا، مرجعُه في كل ذلك هو فكرُه هو، وعقلُه هو، وضميرُه هو، وارادتُه الحرّة هو. هو الذي كان يريد تحقيق أهدافه تلك، ولا يرغب في أن يحدث شيء يحرف خطَ سير السريّة عن تلك الأهداف.
هل أن ذلك المنهج صحيح؟ برأيي هو منهج خطير لو ترك الأمرُ للضبّاط والمدراء والمسئولين أن يعملوا ما يؤمنوا به شخصيا، وما يحلوا لهم دون الالتزام بالقواعد الثابتة للنظام (system). ولكن ذلك المنهج الذي اختطّه الرائد تحديداً صحيحٌ ومبدعٌ لسببين الأول: هو نيّة الرائد النابعة من حبِّ عمل الخير، والثانية هي الظروف العامة المحيطة بالبلاد.
مؤكد أن ذلك الهدف لا يستطيع أحد أن يحققه، وربما أجزم أن ذلك لا يمكن أن يفكر به أحدٌ غير الرائد في كل صنوف الجيش. فخرق القواعد والتقاليد ليست بصفة محمودة في جيش تربى على الضبط والربط. وخرق القواعد دون المساس بقدسيتها قضية لا يستطيع أحد غير الرائد القيام بها. وأجزم أن الكارزما الخاصة للرائد فضلاً عن حبّ القيادات العليا في الجيش له شخصياً قد ساعداه على القيام بما قام به. فضلاً عن وطنيته التي لا يرقى اليها أدنى شك، ونزاهته التي لا مثيل لها.

الحياة في السريّة

السياقاتُ في السرية مختلفة، والخدمات مختلفة. فالمهندسون الذين يدرّسون الدورات يحتلون مركزاً مرموقاً رغم أنهم جنود! وهناك قسم للترجمة من كل لغات العالم، وهناك قسم للتصميم. أما الخدمات التي تقدم للمهندسين الجنود فهي حقا من الدرجة الأولى في كل شيء. فالمهندسون يتم نقلهم من والى باب النظام بسيارات السرية نوع كاز 66. ومن لديه سيارة خاصة أُعطي تصريحاً خاصاً يستطيع بموجبه المرور بسيارته الخاصة من باب نظام المعسكر الى السريّة. أما الوجبات فتقدم في مطعمي المراتب والضباط بالسياقات ذاتها والنوعية نفسها. وبإمكانك أن تجد في حانوت السرية أفخر المواد وأكثرها ندرةً من سجائر أجنبية ومشروبات غازية ومعلبات غذائية ، والتي لا يمكنك أن تجدها في أفخر المراكز التسويقية في بغداد!
وللسريّة ميزانيةٌ خاصة مدعومة من أعلى الجهات. فقد تم شراء أجهزة لها علاقة بعملها لا تتوفر في أي مكان آخر.
ومبنى السرية مربع تماماً، وثمة ممر مسقف تصطفُّ عليه القاعات والغرف يحيط بحديقة داخلية بُذل في تصميمها وتنسيقها وتزويدها بالنافورات والأحواض ما جعلها قطعة من فردوس وسط معسكر. رغم أن معسكر الراشدية كله لا يفتقر للتشجير، فمناخه وتربته من أفضل ما يكون وهو بالأصل مناطق زراعية شمال مدينة بغداد.
لا تحتوي السرية على تجهيزات وقاعات للمبيت، لذلك كان لزاماً على الجنود من سكنة بغداد الانصراف عصراً الى بيوتهم، أما نحن القادمون من المحافظات فكان علينا أن نجد لنا فندقاً رخيصاً يؤينا، وهكذا سكنتُ في فندق شعبي بائس قريب من ساحة الميدان يطلّ شبّاكُه الصغير والوحيد على زقاقٍ خلفيّ كنت أشاهد من خلاله الوجهَ الآخرَ المفزع لبغداد، أو بالأحرى أحياء بغداد التي هجرها سكانها وصارت مأوى للمهاجرين والمنبوذين والطارئين.
عند التحاقنا بتلك السرية تم ادخالنا بدورة تدريبية رائعة فقد درّسنا فيها خيرة المهندسين وقتها، وقد وجدتها لذيذة لأنها تعتمد بالأساس الفيزياء التي عشقتها منذ مرحلة الدراسة المتوسطة.

مشاريع في غاية السريّة

بعد تخرجنا من الدورة مباشرة تم تكليفنا بأعمال مهمة. ثلاثة مشاريع في غاية السرية والخطورة. وهي عمل تصميم لإجراءات غش وتمويه قاعدة الحبّانية الجويّة، وموقع الطاقة الذرية في التويثة، وحقول نفط بازركان في ميسان ضمن قاطع عمليات الفيلق الرابع.
وفي كل مشروع من تلك المشاريع نقوم بعمل دراسة، ومسح، ثم نعمل نموذج لواقع الحال، ثم نموذج آخر بعد تطبيق اجراءات الغش والتمويه عليه. ونرسل النموذجين الى رئاسة أركان الجيش. الرائد يرسلهما طبعا وليس نحن. وكانت تلك النماذج كبيرة وتفصيلية، فنموذجا الحبانية مثلا كان كل منهما بأبعاد 3*6 متر. وبعد كل مشروع يحصل الرائد على مكافأة وتكريم، كما كنا نسمع، والله أعلم، ونحصل نحن على إجازة لمدة أسبوع.
أبدعنا نحن المعماريون بشكل خاص في هذه الأعمال التي كانت تستهلك صحتنا. اذ كنا نعمل الموديلات الكبيرة باستخدام طبقات الفلين الطبيعي الأسمر ولصقها بمادة السيكوتين. كنا نستهلك من 1 الى 2 غالون من السيكوتين يوميا. ولك أن تتخيّل كم استنشقنا من أبخرة تلك المادة وكنّا نعمل في قاعة سيئة التهوية، ليس بها الا هوائيات صغيرة قريبة من السقف. أشتعلت الحساسية في صدري، ولا زال الربو يلازمني حتى هذه الساعة، وكان الصداع رفيقي ليلاً، حتى قيل لنا أنكم أصبحتم مدمنين على استنشاق السيكوتين! وعرفنا وقتها أن بعض المراهقين في الأحياء الشعبية من مدينة بغداد والذين كانوا لا يجدون ثمن بضع قناني من البيرة أو قنينة عرق، كانوا يدمنون على استنشاق السيكوتين كمخدر!

المكائد والدسائس

كان لابداعنا في تلك الأعمال أسباب، منها أننا نحب التصميم والتنفيذ، نحب الابتكار والتميز، والأهم من ذلك كنا نريد أن نبقى في هذه السريّة أطول مدة ممكنة لكي لا نُنقل الى جبهات القتال. وثمة هاجس آخر كان يعيش مع بعضنا. اذ كنا نتشبث بهذا المكان من خلال الاخلاص بالعمل لئلا تُثار الأمور السياسية حولنا، فتحلُّ معها اللعنةُ.
ومع نجاحنا وتميّزنا، ظهر الحسد والحقد ضدنا. وما أخطرهما من مرضين يفتكان بالناس ويحيلان حياتهم الى جحيم. وقد يكونان سبباً في نهاية مأساوية للانسان. يحدث ذلك في المجتمعات البشرية، فما بالك بزمن اجتمعت به كل الظروف الاستثنائية المهددة للحياة. هكذا كنت أظنّ. فبدأت الدسائس والمؤامرات تُحاك ضدنا. وهل ثمة أسهل وأضبط وأخطر من أن يقال عنك أن لك انتماءً آخراً. رغم أن تلك كلها كانت تهماً لا أساس لها من الصحة.
كنت أحسُّ بطريقة لا يمكنني التعبير عنها بتلك القوى التي تتصارع حولنا، أو تتفاوض، و تتناقض بصمتٍ ومن دون أن تفصح عن نواياها. قوى تريد التضحية بنا بدعوى أن المشاريع التي تُنفذ هي في غاية السريّة ولا يصحُّ أن يدرس مخططاتها و يكشف على مواقعها جنود مشكوك بولائهم! وقوى تؤمن أن ذلك الاعتقاد ليس صحيحاً، وأن الشباب قد أبدو وطنيةً والتزاماً مهنياً لا تشوبه شائبة. هذا كان المحكي سراً. أما المسكوت عنه فهو أن القوة السلبية كانت تحقد على نجاحات الرائد نفسه، وتستكثر عليه نيل كل تلك الجوائز، وحصاد كل تلك الانجازات المبكرة. ولكنها بالطبع لا تستطيع الإفصاح عن ذلك، فتتعمد اللف والدوران واستغلال أمور أخرى لا يمكن الدفاع عنها. فهذه القوى تؤمن أن ابعاد الموهوبين سوف يؤخر نجاحات الرائد على الأقل بعض الشيء. فضلا عن أن إثارة الشكوك حول عدم انصياعه للسياقات العسكرية قد يكون سببا للاجهاز عليه.
كيف كنت أحصل على تلك المعلومات؟ ربما لا استطيع الآن تحديد مصادرها، ولكنني أستطيع أن أقول أنها حصيلة تجميع نتف متناثرة كقطع أحجية معقدة، كلمة من هنا، موقف من هناك. ولا أنكر أن نسبة كبيرة من تلك المعلومات كانت تتولد في عقلي كاستنتاجات غير مباشرة، ونسبة كبيرة منها كانت تردني بطريق الحدس الذي بتُّ أؤمن به شيئا فشيئا جراء طول ساعات التأمل والتركيز.
لن أدّعي القول أنني لم أكن خائفاً من النقل الى الجبهة وقتها. ولأكون صريحا فقد كان الجميع دون استثناء يودون ويحاولون بشتى السبل الإفلات من هذا التكليف. ربما يبدو أن ذكر ذلك غير لائق الآن، وهو يمسّ رجولة المرء وشجاعته إن هو خاف الالتحاق بسوح القتال! لا أنكر ذلك، ولكنها الحقيقة في ذلك الوقت.

الطرد من السريّة

شاءت الأقدار أن تحدث مشكلة عويصة في كتيبة الهندسة العسكرية التي تقع في معسكر خان بني سعد. مشكلة عويصة وخطيرة لا أدري بالضبط ماذا كانت، ولكن شائعات تم تداولها في حينها تحكي أنها كانت تتعلق بفساد أو ما شابه. ولذلك ارتأت ادارة الصنف أن يتولى حل هذه المشكلة الاستثنائية رجلٌ استثنائي. ومن غير الرائد لمثل هذه المهام؟ وهكذا تم نقل الرائد الى هناك. حيث قيل لنا أنه عندما وصل الى الكتيبة، أمر بأغلاق بابها ومنع الخروج منها تماما! ونصب لنفسه خيمةً في ساحتها وباشر بمعالجة أمورها الشائكة بطريقته الخاصة غير المعتادة. وقد نجح في ذلك نجاحا منقطع النظير، هكذا سمعنا.
أما نحن فقد دفعنا الثمن. فقد خلت الساحة للحاقدين علينا. وكُشِف ظهرُنا، وفقدنا سندَنا وحامينا ومعلمنا. وهكذا صدرت أوامر بنقل اثنين من المعماريين الى مركز التدريب المهني للهندسة العسكرية مرة أخرى. ومن هناك لابد أن يتم نقلهما الى لواء الحجابات 101، حيث كان يُؤمل أن تنتهي حياتهما. هكذا سمعنا.
خرج الاثنان من السرية مثل منبوذَين. لم يودعهما أحد. كان كل زملائهما يخشون أن يبدون أسفاً أو تعاطفاً معهما لئلا تنالهم لعنةٌ جراء ذلك. وضعا كتب النقل المغلفة بمغلفات سمراء مختومة في جيبيهما وجالا في ساحة باب المعظم ليلا مثل طريدَين لا يعلمان الى أين المصير. كان الجو باردا وممطرا. وكانت أرصفة شوارع بغداد موحلة في تلك الساعة. لم يريدا أن يفترقا. كانا يريدان أن يبقيا معا طيلة تلك الليلة الموحشة الحزينة. دارا حول سياج كلية الهندسة، من باب المعظم حيث بدا لهما ذلك الركن الذي تحتلُّه ساحة كرة السلة ومدرجات الملعب البسيطة. واجتازا الشارع الجانبي حيث كانت المحال التجارية مغلقة في تلك الساعة. سياج الكلية على يسارهما، ومحلات القرطاسية والاستنساخ على يمينهما، وليس في الشارع سوى علب كرتونية فارغة تدور بدوامات بسبب الريح، وتعلق بالوحل. وصلا الى الباب الخلفي للكلية، هناك تقف بناية الصفوف الأولى حيث تلقيا أولى المحاضرات بالعمارة قبل خمس سنوات. وقفا ينظران من خلال قضبان البوابة الخلفية المغلقة للكلية. هناك على بعد خطوات في عتمة تلك الليلة الموحشة، كانت بناية القسم المعماري تقف بصمت وكأنها تنظر اليهما. لا يعلمان أكانا يبحثان عن حضن أمٍ تلك الساعة؟ أم عن كتف أب ؟ لماذا يطوفان حول كليتهما؟ هل كانت طيلة السنوات الخمس الماضية تمثل مأمناً؟ أليس في بغداد سواها مكانا يشعرك بالأمان؟ الأمان الزائف. مؤلم جدا حين تشعر وكأنك طفل يريد أن تكتنفه أيادي الأهل الحنونة فلا تجد الا جدران صمّاء باردة تفترض أن بها دفئاً. مؤلم جدا أن تتأكد أنك تسير طريقك الموحش والظالم والغريب والطويل جدا وحيداً لا تجد من يتعاطف معك.
ليس لك خيار آخر الليلة سوى ذلك السرير في تلك الغرفة الضيّقة رديئة التهوية في ذلك الفندق الكئيب التي يطل شباكها الصغير ذو الستارة القذرة على زقاق خلفيّ من أزقة الميدان، حيث لا تودُّ أن تطلِّع على ما كان يجري هناك طوال الوقت.
أين أنت يا بيتنا الغافي بسلام في عتمة النخيل الآن هناك؟ أين أنت يا أبي؟ أين أنت يا نهري العزيز؟ من يوصلني اليكم الآن لاستريح؟
- ما رأيك ؟ هل نهرب من الجيش؟ سأل أحدهما الآخر
- لا أظنها فكرة صائبة..
وقررا الالتحاق بالمركز وليجري ما يجري. سلّما أمرهماا الى الله. نعم الى الله الذي يرى كل شيء، وأنه لن يتخلى عنهما.
كان أكثر ما كانا يخشيانه تلك الليلة هو أن تلك النقلة ستثير الاستفهام حولهما. من يا ترى ينقل من الجنة الى النار؟ وما هي تلك الأعمال المشينة التي قام بها هذان الجنديان لكي يتم طردهما دون غيرهما من السرية؟ وتتم اعادتهما مرة أخرى الى المركز؟ سيُنظر اليهما بريبة وشك.
مكسورين خائفين مترددين ضاربين أخماساً بأسداس قدّما أوراقهما صباح اليوم التالي الى مقر المركز الذي يعرفانه جيدا، فقد كانا هنا منذ بضعة أشهر. طلب الجندي المسئول عن القلم منهما الانتظار تحت الاشجار هناك في الحديقة المقابلة للمقر لحين عرض الأوراق على الآمر. دقائق ثم قيل لهما ان المقدّم يريد مقابلتهما.

*لم يتم الأشارة الى الأسماء احتراما، فضلا عن أن الهدف من المقالة استخلاص العبر والدروس وهي كثيرة.
التتمة في الحلقة التالية