-أسوأ الاحتمالات- و-الاتجاه المعاكس- استراتيجية مقترحة للتفكير البنَّاء(1)

جميل النجار
2020 / 9 / 21

عندما نسمع اخواننا "التربويين" يرددون على مسامعنا عبارات كالأنماط الفكرية والاستراتيجيات الفكرية وما إلى ذلك؛ تشعر وكأنك جالس القرفصاء في أحد "الكتاتيب" القديمة وتتلقى آيات قرآنية تلقينية بكماء؛ بهدف حفظها – صماء - عن ظهر قلب؛ دون أن تفهم؛ حتى لا تكفُر أو ترتد. "ويا مغيث" لو حدثوك في "العصف الذهني"؛ تشعر وكأنهم يريدون أن يعصفوا بدماغك؛ ويطيحوا به؛ وهم يعلموك معنى وتقنيات العصف الذهني. مع أن "العصف" في جوهره؛ عمل جماعيّ عفويّ متحرر من الخوف والنقد والرفض.
وعندما يحاضر أحد خبراء "التنمية البشرية" من ذوي الياقات البيضاء أو الزرقاء في أحد المؤتمرات، ويبث في جمهور المستمعين مفرداته المنمقة وعباراته البراقة الناعمة والداعمة لكل النفوس الحيرى؛ تشعر وكأن الجميع قد غشيتهم الثقة بالنفس، وتشعر أنت منفرداً بأن الأمل يداعبك ويدغدغك مبتسما على انفراد. وبمجرد أن يخرج ذاك الخبير من قاعة المؤتمرات؛ يصطدم بكتل من الغباء المتراص؛ ككتل الخرسانة القاسية/الصماء، ويشتم ثاني أكسيد الأحقاد، ويستنشق أكاسيد الكراهية التي تعبئ كل الأمكنة؛ ولأن هذا الخبير المنمق (من الخارج) قد نسيَ أو تناسى بأنه ينتمي لأمةٍ مزقتها تناقضاتها النفسية/الفكرية، وهي في أمس الحاجة إلى إعادة التأهيل النفسي/العقلي/البدني أولاً، قبل الشروع في أي خطط تنموية من أي نوع آخر.
ومع انشغالي بهذا الموضوع اشتعلت قريحتي ببعض الأفكار عن طرق غير تقليدية للتفكير البنَّاء، دعمتها بعض القراءات لأناسٍ مستنيرين، من خارج حدود أراضينا الطاهرة/المقدسة. وتمحورت الفكرة الأساسية حول هذا السؤال: " ماذا لو تناولنا "المفاهيم الشائعة" ونحن على حالنا المقلوب؛ وقلبناها رأساً على عقب؟" ووجدت بأن هذه الاستراتيجية تعمل بشكل جيد على قدم المساواة مع المساعي الإبداعية المتنوعة في الحياة، بدءً من الكتابة حتى التخطيط لأي مشروع تجاري أو سياسي/عسكري.
فكانت الواقعية في الكتابة بواقعية في كيفية اختزال استراتيجيات التفكير التحليلي/الإبداعي/البناء في استراتيجيتي أسميتهما: "أسوأ الاحتمــالات" و"الاتجاه المعاكس"، أو التفكير بعكس طرق التفكير التقليدية المعتادة؛ فالمعتاد أن أفكر في طريقة للنجاح والظفر بحياةٍ سعيدة. فماذا لو قمنا بعكس هذه الطريقة التقليدية المعتادة؛ وفكرنا في طريقة تحول دون فشلنا والإفلات من حياةٍ تعيسة. وهذا هو ما يسمى بالتفكير بطريقة عكسية أو في "الاتجاه المعاكس".
لكن قبل الخوض فيما نطرحه من استراتيجيات جديدة؛ يجب أن نوضح طبيعة العلاقة بين التفكير التحليلي ومن بعده التفكير الإبداعي فالبنَّاء؛ بأي طريقة حديثة للتفكير الإيجابي؛ وذلك لإظهار العلاقة بين الاستراتيجية المقترحة من قدرة على التحليل والإبداع لخلق تفكيرٍ بنَّاء في نهاية المطاف. وذلك بعدما أوضحنا طبيعة الفكر والتفكير في مقالة سابقة. ليتبلور ويكتمل بذلك موضوع طبيعة "الفكر والتفكير" في أذهاننا.
التفكير التحليلي هو عنصر حاسم في التفكير المرئي (استخدام الفن لتعليم "محو الأمية البصرية، تطوير مهارات التفكير التي تستخدم التفاصيل لتعزيز الفهم، ومهارات الاتصال"). ولتوضيح طبيعة التفكير المرئي؛ تابع القصة الحوارية التالية:
كانت لدي صورة بالأبيض والأسود لغرفة فقيرة في أحد المناجم المهجورة. وفي الصورة، كانت الجدران مغطاة بالكرتون، وتم تأثيث الغرفة بشكل بسيط ومتواضع للغاية. وعندما كنت أقوم بالتطوير المهني للمعلمين، بإحدى الدورات التدريبية، ولم أكن قد أعطيتهم أي معلومات أو أي خلفية عن الصورة.
ثم سألت المتدربين، "من تعتقدون أنه كان يعيش هنا، رجل أم امرأة؟" للوقوف على بعض الآراء حول ما رأوه، فأجابوا في انسجام تام: "رجل!". كان ذلك مثيرا للاهتمام بالنسبة لي، لذا سألت سؤال متابعة، "ما الذي يجعلكم تقولون ذلك؟" على الرغم من أن الاستجابة كانت بالإجماع، فإن المنطق كان مختلفًا. قال أحد المتدربين: "يمكنك أن تقول إنها غرفة الرجل لأنه لا توجد أي زينة، ستضع المرأة شيئًا لطيفًا هناك حتى لو كانت فقيرة".
قال متدرب آخر، "هذا الكرسي الهزاز لا يبدو أنثويًا جدًا". عندما سألت عن مزيد من التفاصيل، قالت، "إنها تبدو كبيرة، ولا توجد وسادة أو أي شيء عليها". أجابت متدربة أخرى، "أعتقد أنه إذا كانت غرفة امرأة، فسيكون هناك شيء لتذكيرها بالعائلة، إما صورة أو ستكون هناك عناصر أطفال في الغرفة". لاحظ المتدربون تفاصيل لم أكن قد استفدت منها، وقد استندت أيضًا إلى معتقداتهم الخاصة لإضفاء منظور أعمق على الصورة.
وهذا النوع من التفكير (المرئي) هو ما يمنح المرء القدرة على حل المشكلات بسرعة وفعالية. إنه ينطوي على منهجية "خطوة بخطوة في التفكير" فيسمح لك بتقسيم المشاكل المعقدة إلى مكوناتها الفردية؛ التي تتيح إمكانية التحكم فيها بسلاسة. ويتضمن التفكير التحليلي عملية جمع المعلومات ذات الصلة بالموضوع المطروح، وتحديد القضايا الرئيسية المتعلقة بهذه المعلومات.
يتطلب هذا النوع من التفكير أيضًا مقارنة مجموعات من البيانات من مصادر مختلفة؛ وتحديد أنماط الأسباب والنتائج المحتملة، وأخيراً؛ استخلاص استنتاجات مناسبة من مجموعات البيانات هذه من أجل الوصول إلى معلومات تحتوي على الحلول المناسبة. ويمكن تقسيم التفكير التحليلي إلى ثلاث خطوات رئيسية:

أولاً: تجميع البيانات
هنا يجب عليك جمع كل البيانات الضرورية التي ستكون مطلوبة لمساعدتك في حل مشاكلك. تحتاج أيضًا إلى معرفة ما إذا كنت بحاجة إلى الحصول على البيانات ذات جودة أعلى تساهم في الوصول إلى الحلول المناسبة. يتطلب جمع البيانات أن تطرح استبيانات ذات أسئلة مناسبة، على نفسك أولا (ماذا تريد؟) وعلى الآخرين (آرائهم حول المشكلة)؛ من أجل الحصول على الرؤى اللازمة التي ستمكنك من اتخاذ قرارات أكثر فعالية حول المشكلات التي تواجهها. مع ضرورة مراعاة مصداقية مصادرك والوسائل التي ستجمع بها هذه البيانات.

ثانياً: تحديد القضايا والمشكلات
عندما يتعلق الأمر بالتفكير التحليلي، من المهم تطوير قدرتك على التعرف على القضايا أو المشكلات الأساسية بناءً على الاتجاهات والارتباطات وعلاقات "السبب والنتيجة" بين مجموعات البيانات. والأمر الحاسم هنا يتمثل في فرضية: "القضايا ذات المقدمات السليمة؛ حتماً ستؤدي إلى نتائج سليمة والعكس بالعكس".

ثالثاً: تنظيم المعلومات
بمجرد أن يتم جمع جميع البيانات ذات الصلة وتحليلها بنجاح، يجب عليك الآن تنظيم جميع الأجزاء ودمجها بطريقة تزودك بالرؤى والأفكار الشمولية، التي يمكن استخدامها لاستخلاص النتائج المناسبة. وهذا بدوره سيضع الأسس للحلول المحتملة للمشكلة أو المشاكل التي تواجهها.
والمقصود بتحليل البيانات: تقييم وتحسين جودة البيانات، وصف عناصر الدراسة وعلاقتها ببعض المصادر المفترضة، مقارنة مجتمع الدراسة، تقييم إمكانية التحيز (على سبيل المثال، عدم الاستجابة، أو الرفض، والاستنزاف، تقدير مقاييس التكرار والمدى (الانتشار، المتوسط)، تقدير مقاييس قوة الارتباط أو التأثير، تقييم درجة عدم اليقين من الضوضاء العشوائية (الصدفة)، مراقبة ودراسة آثار العوامل الأخرى ذات الصلة، التماس المزيد من التبصر في العلاقات الملاحظة أو غير الملاحظة، تقييم الأثر أو الأهمية. ومنهجية التحليل المعتادة هي البدء بتحليلات وصفية؛ لاستكشاف البيانات. ثم اللجوء إلى معالجة أسئلة محددة من أهداف الدراسة أو فرضياتها.
وينصح، عند تحرير وتنظيف وفحص البيانات، بضرورة كشف القيم المتطرفة ووجوب اتساقها؛ فمثلاً؛ لو كانت القيم المعتادة متغيراتها زوجية؛ لا ينبغي أن يكون لدى الذكور استئصال للرحم. يبلغ عمر طلاب التعليم الجامعي عموماً 18 عاماً على الأقل، والتحقق من معقولية التوزيعات المشتركة (على سبيل المثال، شكل التوزيع في مخططات التشتت). وإذا كنا في حاجة إلى فرضيات لعدد من القياسات مثل: الوزن، الطول، وضغط الدم، فمن حيث المبدأ، سيكون السؤال الافتراضي هنا هو "كَمْ How much".
ويجب أن يكون التصنيف بناءً على طبيعة الظاهرة (على سبيل المثال، يمكن في دراسة لـ "متلازمة داون" تصغير جميع الفئات العمرية التي تقل عن 30 عاما؛ وفي دراسة لـ "معدلات الحمل" تتطلب أدق انهيار أو سقوط الجنين للفئة العمرية الأكبر من 30 سنة والأقل من 20 سنة). ويجب أن تكون العناصر ذات "التكافؤ السلبي" على هذا النحو: "أشعر بالسعادة" (معكوسة)، في مقياس الاكتئاب، وذلك على سبيل المثال، والغرض من وجود عناصر متعددة، على النحو السابق توضيحه، هو الحصول على معلومات أكثر موثوقية.
تحري الدقة الإحصائية، والوقوف على مفاهيم الخطأ من النوع الأول، والخطأ من النوع الثاني ومستوى الأهمية ومستوى الثقة وفترة الثقة وكيف يمكن تفسيرها من الناحية الإحصائية. والتي تعطي للنتائج معناها من تلك الاختبارات، وكيفية تفسير القيمة الاحتمالية. واجراء الاختبار عليها، كاختبار "فيشر" الدقيق، واختبارات التقارب، والارتباط داخل المجموعة... الخ، كل ذلك وأكثر يعد من أولويات المحلل الجيد.
يمكن لإتقان التقنيات الإحصائية أن يساعدنا على فهم العالم من حولنا بشكل أفضل. ويمكن أن تساعد اختبارات T، على سبيل المثال؛ في تحديد ما إذا كان الفرق بين مجموعة قيم ومجموعة معينة من القيم "متوقعة" أم "غير متوقعة". هذه العملية حيوية لتفسير البيانات الإحصائية، وتخبرنا إذا ما كانت البيانات مفيدة أم لا في تطبيق استراتيجية "الاحتمال الأسوأ" القائمة على "التوقع".
البيانات لا تقدم إجابات بنفسها، لكنها بواسطة المحلل تقدم لنا فرصة عظيمة للإبداع. فتحليل
البيانات وتفسير النتائج هي بحق "المكافأة المجزية" عن جهودنا المضنية في جمع البيانات. وإحدى أهم الاستراتيجيات المفيدة تتمثل في البدء بالتخيل والتحديد. والغوص في بنية مثل هذه البيانات يمنحنا متعة التحليل التي ستساعدنا على تفسير ضوابط المشكلة والعوامل المسببة والنتائج المحتملة. تحت مظلة مراقبتك وأسئلتك المتكررة لنفسك أولاً: هل الأنماط والتصنيفات والتوزيعات منطقية؟ هل يمكن تصديقها؟ وهكذا. وعلى وجه العموم؛ لا يفشل في العثور على أي "نتائج مهمة" في أي إحصائية؛ سوى كل صاحب "قدرة إحصائية محدودة".
أما التفكير الإبداعي فهو العملية التي نستخدمها لتوليد أفكار مبتكرة جديدة. إنها في الأساس عملية تغيير وإعادة تطبيق ودمج أشياء تبدو غير ذات صلة بطرق فريدة من أجل تمهيد الطريق إلى الاختراعات والمنتجات والخدمات والمفاهيم والعمليات الجديدة. التفكير الإبداعي هو قدرة المرء على ابتكار شيء جديد ومفيد وفريد ومثير للدهشة. إنها عملية رؤية شيء مختلف تماما مقارنةً بكيفية رؤيته أو رؤية مثيله في الماضي. ويعتمد في آليته على عمل مجموعات وتركيبات عشوائية تؤدي، من خلاله، إلى اكتشافات مذهلة تضيف قيمة لحياة الناس.
يتطلب التفكير الإبداعي فترات من الاستجواب والعصف الذهني واللعب والتأمل الذاتي. كما ويحتاج إلى وقت للنمو والازدهار. ولكن يمكن أن يأتي بسرعة في غضون لحظات مع القليل من الخيال والإلهام. الإبداع، ببساطة، هو موقف تتخيله في العالم يتسم بالمرونة والتكيف والمرح والتفاؤل والفضول والحيلة. إنه موقف يعلق الحكم، ويرى أن المشاكل هي فرص، يتحدى بها الافتراضات ويثابر؛ رغم العقبات التي تعترض طريقه.
الشخص المبدع هو الفنان، الذي يستخدم اللوحات والمرئيات لخلق مفاهيم وأفكار وإمكانيات جديدة. إنه يبتكر في خياله أولا، ثم يعيد الحياة على الورق باستخدام تصوراته. ولذا؛ يقال بأن التفكير الإبداعي هو التفكير المرئي الذي يتخذ شكلاً مادياً. حيث يتشابك التفكير الإبداعي في الهيكل العظمي لإطار التفكير المرئي. ستدعم طريقة تفكيرك وتصورك للعالم وحل المشكلات وتوليد أفكار جديدة. إنه النسيج الذي يجعل التفكير البصري ممكنا، وهو أداة التفكير التي ستستخدمها لقلب مشاكلك رأساً على عقب، من الداخل إلى الخارج وبعيداً عن الأنظار.
علاقة تفكيرنا بمحيطنا، أو الوقوف على الأثر البيئي على طبيعة تفكيرنا. وهي العلاقة التي تُتَرجم غالباً في ثنائية "أفعالنا وردود أفعالنا" لنتعرف على طبيعة فكرنا، هل تفكيرنا بنَّاء أم غير بناء؟ عندما يتعلق الأمر بالعلاقة الحساسة بين تفكيرنا ومحيطنا البيئي، فإننا نتأهب: لأن نتفاعل مع الأحداث والظروف. أو نختار الاستجابة لها بشكل استباقي. وردودنا التلقائية هي مجرد استجابات مشروطة مسبقاً؛ طورناها على مدار رحلتنا العمرية.
في معظم الحالات، سيحدث شيء ما في بيئتنا الخارجية، وسيؤدي ذلك إلى استجابة تلقائية. يتم إنشاء هذا الرد التلقائي من خلال كيفية إدراكنا للظروف، وليس بالظروف نفسها. هذا يعني بشكل أساسي أنه يمكنك تعليم نفسك أن تستجيب بوعي للأحداث والظروف في حياتك بطريقة أكثر صوابية/إنتاجية تناسبك بدلاً من أن تكون ضدك. وهنا يكمن السر الأساسي لمعنى التفكير البناء.
التفكير البنّاء هو في الأساس طريقة تفكير إيجابية حول عالمك وبيئتك. لذلك؛ فبدلاً من الرد المتسرع على هذه الأحداث، نختار تفسيرها أولا؛ ثم الاستجابة لها بطرق تدعم نمونا وتطورنا وتقليل الاحتكاك السلبي مع البيئة الخارجية. وتبقى معظم تفسيراتنا للأحداث والظروف الحياتية هي مجرد آراء؛ قد تكون عاطفية وقد تكون موضوعية. ليس هناك، إذن؛ صواب أو خطأ، بل، بالأحرى، مجرد تفسيرات ستعمل لصالحنا أو لصالحنا على المدى القصير أو المدى الطويل. وهذا هو عين التفكير البنَّاء. والذي تعرفنا عليه من خلال كيفية الاستجابة بشكل مناسب للظروف المحيطة.
عندما نفشل في تحقيق أهدافنا؛ نسارع، في العادة، إلى إلقاء اللوم على أنفسنا. وبأننا لم "نقم بالمطلوب، أو لم نعطي بما فيه الكفاية". وقد يكون السبب أننا فشلنا في تحديد مسارنا بالشكل المحدد، أو نسينا أو أهملنا الوسيلة المناسبة. أو غابت عنا فكرةً رؤوم، وهذا هو الأهم. ويتضح لنا لاحقاً بأن الفشل لم يكن نتيجة ضعف قوة الإرادة، بل نتيجة لاستراتيجية ضعيفة.
تأسست "المدرسة الفلسفية الرواقية" في العام 301 قبل الميلاد بأثينا، على يد تاجر فينيقي يدعى "زينو أُف سيتيَوم". واعتاد بعض الفلاسفة الرواقيين القدامى من أمثال: "ماركوس أوريليوس"، "إبيكتتوس"، و"سينيكا"، القيام بتدريبٍ نفسي أطلقوا عليه اسم" "سبق الإصرار على الشرور". ويهدف هذا التمرين إلى تصور الأشياء السلبية التي يمكن أن تحدث في الحياة. على سبيل المثال، كانوا (الرواقيون) يتخيلون ما سيكون عليه الحال عندما يفقدون وظائفهم ويصبحون بلا مأوى، أو يعانون من إصابة ويصابون بالشلل، أو أن تُدمر سمعتهم ويفقدون مكانتهم في المجتمع.
يعتقد الرواقيون أنه من خلال تخيل "أسوأ سيناريو" في وقت مبكر، يمكنهم من التغلب على مخاوفهم من التجارب السلبية. ويتعايشوا في انسجام مع العقل الإلهي (الذي تم تحديده بالقضاء والقدر) ويحكم الطبيعة، ولا يبالي بتقلبات الحظ والمتعة والألم. وذلك من منطلق إيمانهم بأن الروح هي حقيقة الإنسان، والجسد مجرد أداة لها. وما لا مفر منه معلق فوق رأسك، على حد قول "ماركوس أوريليوس".
تُعرف هذه الطريقة التي تفكر فيها بعكس ما تريد، أو التفكير العكسي، أو الانقلاب. وهي مهارة نادرة وحاسمة – إذا ما قمنا بتنقيتها من الشوائب الرواقية/الإسلامية- إذ يمكنها أن تمنحنا قدرة السيطرة على أمورٍ نفسية/حياتية طاغية/قاسية. وقد استخدمها، على حالتها القديمة، تقريبا جميع الحكماء والمفكرين العظماء لصالحهم. وحطموا تقريباً كل أوضاعهم الصعبة بممارسة "رياضة الاتجاه الفكري المعاكس" تلك، إن جازت لنا صياغتها بمثل هذه التعبيرات.