زمن موناليزا الحزينة: الفصل السابع/ 4

دلور ميقري
2020 / 9 / 21

تعرّفها في المدرسة على ابنة سليلة آل جميل باشا، القادمة مثلها من الشام، خففَ بعض الشيء من احساس بيان بالغربة. مع أن الصداقة لم تربطهما إحداهما بالأخرى، بسبب فارق العُمر بالدرجة الأولى. إذ بدت الأخرى كما لو أنها من مواليد المنطقة، وربما لطول إقامتها فيها مع الأهل. ولا كذلك كانت بيان، التي بقي الشوق للشام يعذبها؛ بالأخص في الليالي السوداء، المضاءة بأنوار الشموع وغيرها من وسائل الإضاءة البدائية. لكن الطفل أسرع من الكبار في التلاؤم مع المكان، والليل يعقبه النهار.
هيَ ذي مع والدتها وشقيقتها الصغيرة، بضيافة الأسرة النبيلة المحتد، المُظهرة ثراءها بقطع الأثاث الضخمة والفخمة، الذاخرة بها صالة الاستقبال كما وبالممرات الداخلية، المنتصبة فيها تماثيل صغيرة وشمعدانات فضية. فقدّرت بيان عندئذٍ أن المضيفين أكثر غنىً بكثير من والدها، المقتحم مجال الاستثمار في الزراعة وتربية الماشية. مع مراقبتها لطريقة سيّدة الدار في الكلام، لم تجد أثراً للغرور والتعالي، وكانت قد لحظته عند ابنتها، زميلة الدراسة. ولو أنّ بيان أكثر نضجاً، لأدركت ما يتميّز به المنحدرون من العرق القوقازيّ من التحفّظ والرصانة حينَ يتعلق الأمر بالعلاقة مع الآخرين. لما عرفت السيّدة ريما أنّ مضيفتها من أصل شركسيّ، قالت وهيَ تومئ إلى ناحية ابنتيها: " والدة أخوتهما، هيَ أيضاً من القوشحة ". لما ذكرت اسمَ المعنية، تبيّن أن الأخرى قد سمعت بها: " آه نعم، إنها ابنة القائمقام! "، ردّت مبتسمة. توغلت المرأتان من ثم في الحديث عن المعارف المشتركين في الشام، لحين أن ظهرت امرأة عند المدخل وكانت تحمل صينية عليها عدّة القهوة والحلوى. توقفت عندئذٍ الضيفةُ عن الكلام، بينما نظرتها حطّت بمزيدٍ من الدهشة على هيئة القادمة: لقد رأت أمامها حواء، ولا يعلم سوى الشيطان سببَ وجودها عند هؤلاء الأغراب.
سيّدة الدار، انتبهت لما ظهرَ من علاماتٍ على سحنة ضيفتها إزاء ظهور الأخرى، فقالت وهيَ تقلّب عينيها بينهما: " هذه مربية الأطفال، حواء..! ". ثم ما لبثت أن عضت على شفتيها، ولم تُكمل واجبَ التعريف. لعلها تذكّرت كنية المرأة، وأنها قد تكون قريبة للضيفة. هذه الأخيرة، ما عتمت أن أكّدت صفة القرابة، وذلك على أثر انسحاب الأخرى بعجلة عقبَ وضعها الصينية على الطاولة. علّقت المضيفة ضاحكةً، وقد احمر وجهها: " وإذاً، فإن زوجك كان لديه ثلاث نساء؟ ". فأجابت السيّدة ريما، محاولةً الابتسامَ: " ثمة امرأة رابعة أيضاً، طلقها منذ زمن بعيد ولم يرزق منها أطفالاً ".

***
طفحَ حنقُ السيّد صالح، بمجرد علمه بعمل أم ولديه لدى آل جميل باشا، ما تسبّب بتسميم جو الأسرة لأيام عدّة. تحوّل إلى شخصٍ آخر، حتى أن بناته الأثيرات لديه صرنَ يتجنّبنه وهوَ بتلك الحالة، ويمشين على رؤوس أصابعهن في خلال التنقل بالمنزل. فيما بعد، عندما طلبَ من سائق الحافلة استدعاء ابنه البكر من دمشق، وذلك بغيَة الضغط على طليقته لترك خدمتها، لم تعُد السيّدة ريما تطيق السكوت. قالت له، محاولة ثنيه عن تصعيد الأمور: " لا تنتظر منها أن تسمع كلام ديبو، أو أي أحد آخر. لقد وصل الحال بينكما إلى الشيطان الرجيم، ما لو اعتقد المرء أن خدمتها لأولئك الناس عملٌ مقصود منها كي تحط من كرامتك. والأفضل أن تفكّر بحل آخر، عن غير طريق ابنكما "
" تفضلي ونوّريني بالحل الأمثل، إذاً؟ "، قالها بصوت مرتجف من الانفعال. كانت هيَ المرة الثانية، يتناول فيها الموضوع مع امرأته غبَّ سماعه منها خبرَ وجود طليقته لدى آل جميل باشا. من ناحيتها، كانت السيّدة ريما على علمٍ بنيّة رجلها العودة إلى دمشق لو انتهت الحرب. فضربت عند ذلك على هذا الوتر، بأن أجابت: " في كل الأحوال، بقاؤنا هنا رهنٌ بما ستؤول إليه أمور الحرب؛ مثلما فهمته منك مؤخراً. فالأفضل أن تبقى حواء منزوية في هذه المنطقة النائية، بدلاً عن رجوعها إلى الشام وخدمتها هناك عند أسرة أخرى ". سكت الرجل، ولم يعلّق بشيء.
لكن بعد بضعة أيام حضر ابنه ديبو، فأرسله دونَ إبطاء إلى والدته كي يحملها على ترك خدمة أولئك الأسياد. لما فشلت مهمة الابن، لم يكن في وسع الأب سوى قبول الأمر الواقع على مضض. في الأثناء، فاتحَ وكيلَ أعماله بشأن نيّته ترك الجزيرة حالما تضع الحربُ أوزارها.