كميل أبو حنيش -بسوق عكاظ بعد اليوم-

رائد الحواري
2020 / 9 / 21

الأحداث الساخنة تفرض ذاتها على الأديب/الشاعر، خاصة عندما تكون هناك خيانة، وهنا يأتي دور الأديب، فهو يعي أن الواقع لا يسمح بالمناورة والمداراة، وعليه أن يريد على قباحة وقذارة ما يجري، ولكنه أن كتب بطريق (عادية) فأنه سيضعف أدبه ويجعله ركيكا، لهذا لا بد من إيجاد طريقة/شكل/اسلوب/لغة يستطيع بها أن يكتب عما يجري، دون أن يفقد الأدب بريقه.
"كميل أبو حنيش" أسير محكوم بتسعة مؤبدات، بمعنى أن يعيش واقع صعب وقاسي، وهذا المعلومة ليست لنتعاطف معه أو لنتجاوز عما يكتبه، بل لنؤكد أن الكتاب/الشاعر الجيد يبقى محافظا على ابداعه وتألقه، مهما كانت ظروف الكتابة ودافعها.
إذن هناك حدث ساخن ومؤذي وموجع اقدم عليه بعض أمراء النفط في الخليج العربي، مما استدعى الكتابة عن هذا الفعل المؤذي والمخزي، فكتب الشاعر "كميل أبو حنيش" قصيدة: "بسوق عكاظ بعد اليوم" جاء فيها:
" بسوقِ عكاظ -بعد اليوم-
لنْ نتلو قصائِدنا
فما عادتْ قصائدكم
بحرفِ الضَّاد
بل صارت بحرفِ "التاساد""
الشاعر يميز بيننا نحن الشعب الرافض لما أقدم عليه أمراء النفط، من خلال "نون نحن/الجماعة، وأنتم "كم" الكاف والميم، فالشاعر يستخدم الحروف لتفريق بين معسكرين، معسكر نحن الشعب الثابت والرافض لفعل الخيانة، وأنتم المطبعين الخائنين، وبما أن الشاعر يتعامل مع الشعر/القصيدة فكان أول اسلحته "القصيدة، قصائدنا، قصائدكم، ثم يدخل إلى تفاصيل التناقض بين المعسكرين فنحن نستخدم الضاد، وأنتم حرف "التاساد" العبري، وبهذا يكون الشاعر منسجم مع ذاته كشاعر، فلم يبدأ الحرب إلا بالأداة التي يحسن التعامل معها "الشعر/القصيدة".
" لنا دينٌ...لكم دينٌ
لنا ربٌ..و"يهوه" ربكم أنتمْ
وربُّ البغي والأوغادْ
مدائنكم كما "إرَمٌ"
ذوات الفُجر والأعمادْ
فما عادت لنا صلةٌ
بقومِ ثمودَ -قَبَّحهمْ-
وإخوةُ عادٍ
و"أبراهام" جدكُم
وبنيامين عمكُم
وذا كوشنير مُلهمَكُم
وذي مائير عمَّتكُم
ألا فلترقصوا فرحًا
بهذا الصنف مفخرةً
من الأعمام والعمّات والأجداد
**********"
بعدها يدخلنا إلى تفاصيل المعركة والأدوات الأخرى المستخدمة فيها، فيحدثنا عن الدين/الإله، مبينا أن أمراء النفط خرجوا عن النهج القويم وأصبحوا يعملون ضمن أحكام يهوه، واعتقد أن تناول العديد من الاسماء أراد به الشاعر أن (يفش غل) القارئ، فهو يعي أن هناك احتقان عند المتلقي وغضب، ولا بد من تقديم مادة تزيل شيئا من هذا الغضب والاحقان، فارتأى أن تكون هذه الطريقة التي تناسب الحال/الظرف.
" عادت قريشُ لحلفها مع خيبر
وبني قريظةِ والنضيرُ
ويوقَّعون معاهداتٍ للسلام
ويبرموا الصفقات
...
وقريشُ باتت تقرأُ القرآن
بالعبريةِ الفصحى
...
يَتلوْنَ زورًا سورةُ الإسراء
في كذبٍ وفي تزوير:
"سبحانَ الذي أسرى
بعبديهِ الخليجيين
...
وسبحانَ الذي يَسري
بين سلمانٍ بعدهمُ
من مكة
إلى أكناف أورشليمُ
وباركناهُ من يمضي
ويعقدُ آخر الصفقاتِ "
إذن هناك (رقابة/واقع) الجماهير يضعها الشاعر أمام ناظريه، لهذا يحاول أن (يلبي) مطالب الناس، فيستخدم طريقة تريحهم وتحقق طالبهم، لكن إذا ستمر في هذه (المجاراة) ستفقد قصيدته بريقهاـ وتمسى مجرد خطاب/بيان سياسي، لهذا أتجه نحو التراث والتاريخ، محاولا الاستفادة منهما لخدمة القصيدة، وللمحافظة على (مزاج الجماهير)، فيستخدم قريش التاريخية بلغة الحاضر.
والجميل أن الشاعر يبين حجم الخيانة عندما جعل قريش تقرأ القرآن بالعبرية الفصحى، ثم يتوغل أكثر مبينا أن هناك تحريف للقرآن الكريم وتشويه من خلال تغيير الآية "سبحان الذي اسرى بعبده من المسجد الحلام إلى المسجد الأقصى" إلى سبحان الذي أسرى بعبدية الخليجين إلى البيت القصي، وسبحان الذي اسرى بين سلمان بعدهم من مكة إلى أكناف أورشليم وباركناه من يمضي" فهذا (التغريب) يلبي طموح القارئ، وفي ذات الوقت يحافظ على تألق وبريق القصيدة، فهي تبقى محافظة على جودتها وشعريتها، رغم أن اللغة المستخدمة بسيطة وسهلة، وبهذا يكون الشاعر أحسن استخدام التراث والفكر الديني بطريقة جميلة واستثنائية.
" فيا فلسطينُ استعدِّي
واحّْفري حولَ الثوابت خندقًا
ولتستعدِّي لغزوةِ الأحزاب "
لم يتوقف الامر عند هذا الحد، بل يجير الشاعر فكرة حفر الخندق لصالح المظلومين/الضعفاء، الذين تحالف عليهم القريب والبعيد، العدو والأهل، فكانت فلسطين بمثابة يثرب/المدينة المحاصرة، وهنا يكمن ابداع الشاعر، استخدام حدث تاريخي يخدم واقع المظلومين/فلسطين، واعتقد انه نجح في هذا التجيير وهذا الاستخدام.
يستخدم الشاعر التناص مع القرآن الكريم العنصر الأهم في الدين/الشريعة، لخدمه فكرة (الكفر) التي أقدم عليها امراء النفط، فهو يقرن كفر (أبو لهب) عم الرسول وقريبه بكفر أمراء النفط، حتى أنه استخدم عين الآية القرآنية "تبت" يدا/أيديكم (مكررة)، لم يغني، عنه/عنكم، مالكم، كسب، حمالة/حمل، الحطب، جيدها/رقابكم، حبلا، لهب، أبا لهب" أن مثل هذا التناص كان موفقا من الشاعر ، وخدم جمالية القصيدة وفكرتها معا، وبهذا يكون "كميل أبو حنيش" قد حافظ على بريق القصيدة نسقها الجمالي وحافظ أيضا على تلبية مزاج/مطلب الجماهير الاضبة.
تبَّت أياديكم...وتبّْ
لم يغنى عنكم مالكم...
وفي الذودِ عن قدسِ العروبة
والعدوُ قد اكتسب
أما الرياض فآثرت
دور الظهور بمشهد
العرابُ أو حمل الحطب
برِقابِكُم..سنشدُّ حبلًا من لهب
تبَّت أياديكم...وتبَّ "رشادُكم"
يا مُقتفينَ خُطى البغيضِ أبا رِغال
ومُؤازِرينَ أبا لهبْ "
والشاعر لا يكتفي بالقرآن الكريم، لتبيان كفر وخيانة امراء النفط، بل يستعين بالتوراة، ويستحضر الزانية "راحاب" الخائنة التي سهلت دخول يوشع بن نون إلى أريحا واستباحته للمدينة وحرقها وأهلها،
"يا ثلةً باتت تسوحُ بلا مروءةٍ أو أدبْ
لا.. لم تعد "راحاب" عاهرةٌ
وقد غصَّ الزمانُ بمثلها
تلكَ الدويلاتُ اللقيطة
أو إماراتُ الدعارةِ والطرب"
والجميل في هذا الاستحضار استخدام صيغة المؤنث، "راحاب/الزانية/الخائنة"، و "الدويلات، امارات، اللقيطة، (كناية عن الزنا)، "الدعارة"، وبهذا يكون هناك تماثل كامل بين فعل "راحاب الزانية وبين فعل "دويلات/ امارات" الدعارة.
القصيدة منشورة على صفحة شقيق الشاعر كمال أبو حنيش.