يسرا البريطانية (16)

احمد جمعة
2020 / 9 / 21

نامت حتى منتصف النهار واستيقظت على صوت سمر يام وهو الاسم الحقيقي لسعاد البشرواي، كانت منطلقة وسعيدة وبدا من صوتها حيوية من فاز بمليون جنيه وهي تستنهضها بعبارات التوبيخ واللوم على إضاعة النهار من دون أن تفعل شيئاً ذا قيمة.
"أنت من ضيع في الأوهام عمره"
بدت منفتحة الأسارير ومرحة للغاية وقد لفت ذلك انتباه يسرا التي لم تتمالك نفسها من القول بعبارة مازحة.
" هل فزت برجل أحلامك؟"
ردت الأخرى مازحة بدورها.
" فزت بالجنة ولو سايرتيني فسأحجز لكي مكان فيها"
"موعدي هذا المساء مع الطبيب جوليان، ومن المحتمل أن أُحتجز الليلة بالمستشفى حتى الغد"
لم تستسلم سمر يام مرة في حياتها، بنهاية المطاف أخرجتها في اليوم التالي من العيادة فيما يشبه عملية الاختطاف بعد تضميد وجهها بغشاء جلدي رقيق شفاف للوقاية من المؤثرات الخارجية وصحبتها في رحلة ليلية بدت في ذروة الغموض وهي تعبر بها السيارة طريق زراعي طويل خارج "كينغستون" يعزيها الحديث المتقطع مع المرأة التي راحت تحدثها عن الإسلام واستهداف السنة لتصفيتهم في جهات العالم المختلفة، هالها الخطاب الحماسي الذي خرج من لسانها وكأنها زعيم سلفي خرج للتو من جلد امرأة فاتنة متحررة وثاقبة لا تتوقف عن التدخين واحتساء الكحول وارتداء الأزياء الضيقة الثمينة والمفضوحة في أغلب الأوقات، كانت تتطلع لوجهها الذي تكسوه طبقة الأساس مع طبقة الروج الداكن "وراء هذه المرأة يكمن سر الشرق الأوسط" ابتسمت في داخلها وقد دارت في خاطرها هذه الفكرة الأوسطية، راحت السيارة تنهب الطريق الزراعي باتجاه منعطف خارجي بدأت من خلاله أضواء آتية من بعيد على شكل أعمدة متناثرة عبر سلسلة من البيوت الخشبية المغطى بالقرميد الأحمر، لمحت حانة صغيرة في طرف الطريق الذي انعطفت إليه السيارة وسط تعليق من سعاد أو سمر التي راحت يسرا تنظر إليها ولا تعلم ماذا تخفي سعاد وماذا تخفي سمر وأيهما الحقيقية، شعرت بوهج بارد تحت طبقة الغطاء الشفاف على وجهها وأيقنت بأنها بدأت تتوتر مع بزوغ هذه الأمكنة النائية التي توحي عادة بالنفي الذي عانت منه سنين الغربة والتشرد، ومع توقف السيارة أمام فيلا كبيرة بعيدة بضع عشرات من الأمتار، هبطت المرأتان وقادتها سمر أو سعاد نحو البوابة الملاصقة لكراج عريض يتسع لثلاث أو أربع سيارات، كانت هناك سيارة ميني باص محشورة في زاوية فيما بدت مقدمة المبنى من الداخل عبارة عن حديقة متوسطة تملؤها بضعة أشجار مختلفة ويحيط بها سياج خشبي أبيض فيما توزعت داخل الحديقة عدد من الألعاب الخاصة بالأطفال، لا شيء يوحي بوجود أشخاص بالداخل لشدة الهدوء الذي خيم على المكان بالخارج، التفتت المرأة الغريبة نحوها مرسلة ابتسامة وردية قريبة من لون روجها لتطمئنها لدى رؤية ملامح طفيفة لقلق متسرب من نظراتها لدى اقترابهما من الولوج للمنزل الكبير.
اقتربت من صالة موصدة بخطوات صامتة بعد إشارة من سمر، خلعت على إثرها حذاءها عند الدخول، ولدى بلوغ الصالة تناهت إليها أصوات لأحاديث مختلفة من غرفة أخرى محاذية للصالة الكبيرة لم تعرها انتباه لدى تصاعد دقات قلبها " لماذا أساير هذه المرأة بدون أسئلة، تجرني في كل مرة لمواقف رغم إرادتي المعارضة في الداخل؟" كانت فرحة بأشياء كثيرة منها، منحها الجنسية البريطانية وإجراء العمليات التجميلية وحصولها على اهتمام مايك وإغداقه عليها المال والهدايا، ونيلها الترقية بعملها الفندقي، كل ذلك زال ولم يعد له طعم لأنها تركت المرأة الغامضة تنتزع كل تلك الجوائز منها بإقحامها في هذه المناورات السرية المبهمة "أي قدر وضع هذه السيدة التي ترتدي أكثر من قناع وجلد في طريقي؟" شعرت بأن ثمة سر لا تعرفه ولا تجد له تفسيراً في مدى استسلامها لقيادة هذه السيدة من دون حتى الاعتراض " أي قوة تملكها المرأة وتسيطر بها علي؟"
الصالة الواسعة العريضة المليئة بأجواء إيمانية من حيث اللون والشكل والمضمون أضفت على نفسية يسرا توتراً غير مألوف، عدا مقعد جلدي أسود واسع وعريض في صدر الصالة يوحي بالخصوصية بين عدة مقاعد أخرى محيطة أقل حجماً، وبرزت أشكال عدة للوحات ملأتها آيات قرآنية معلقة على الجدران منها أسماء الله الحسنى وغيرها من النقوش الغامضة فيما عدا ذلك كانت الصالة جامدة من أي لون يوحي بشيء طبيعي، لفت انتباهها للوهلة الأولى كتاباً كثيراً ما سمعت عنه وقرأت عنه في يومياتها طوال السنوات الماضية ولم يتسن لها أن تراه قبل اللحظة الراهنة وهو الإمام محمد بن عبد الوهاب، لعلها الآن وصلت لحافة الهاوية المنتظرة من خلال مسايرة المرأة التي التقت بها صدفة ذات مرة وهي تنظف غرفتها بالفندق لينتهي بها المطاف في هذه الصالة بمنزل كبير خارج ضواحي "كينغستون" بعد كل هذه الجولة بالسيارة التي قطعت مسافة لا تعرف القصد منها تجرأت وطرحت السؤال الذي لابد منه.
"ماذا نفعل هنا؟"
كان واضحاً لها أن في الأمر تدبير خطير ويوحي بالأمر الجلل الذي يحتاج لكل هذا الإيحاء والسرية والغموض، علمت من تدرج الخطوات التي تتبعها سعاد البشرواي، اسمها الحركي بأنها تتبع منظمة أو جمعية ولكن لا يخطر ببالها الطابع الإسلامي الذي وجدت نفسها محاطة به، وقبل أن تكمل تحسسها من هذا المناخ المحاطة به الآن، جاءها صوت المرأة الأخرى هامساً.
"قريباً سوف تستردين حقك كاملاً ممن سلب أرضك وانتهك عرضك وشرد أهلك، لقد وضعت قدماك على طريق الانتقام من أولئك المجوس والنصارى"
"ماذا أسمع؟"
هذا أول سؤال طفق برأسها وهي تسمع البشراوي تفسر لها ما يجري بلغة الغموض والإبهام ذاتها التي اتبعتها معها منذ البداية " لابد من اطلاع مايك على الأمر" برز مايك في تلك اللحظة المخَلص لها من قعر الهاوية، خشيت إن انزلقت في المغامرة مع هذه المرأة أن تخسر كل شيء، أصبح الكلام يدور حول الانتقام والاسترداد، كان الخوف يملؤها تلك اللحظة، ودت لو تقفز خارج الصالة ولكنها أدركت الآن أنها بعيدة عن الشارع، تحركت متلفتة حولها بحثاً عن مخرج فإذا بصوت خطوات تتقدم، نهضت سعاد وترقبت خطوات أخرى قادمة، وعندما بلغ رجلان ملتحيان وامرأة منقبة غارقة في السواد برفقتهما، ساد هدوء لبرهة قطعه صوت أحدهما يعلن.
"صاحب الفضيلة الشيخ وصل"
أطل رجل ضئيل الحجم ضعيف البنية، قصير القامة تبرز من وجهه لحية حمراء كثيفة وطويلة تكاد تلامس سرته، عيناه واسعتان برزتا تشعان قوة لا توازي بنيته الهزيلة، كان يرتدي دشداشة بنية اللون وفوقها سترة جلدية، غطى رأسه بكوفية بيضاء وأمسك بيده سبحة صفراء اللون طويلة تزيد خرزاتها عن المألوف، عند بلوغه منتصف الصالة متجهاً نحو المقعد الجلدي الرئيسي بصدر الصالة، هرولت سعاد البشراوي أو سمر يام نحوه وانحت مقبلة يده اليمني ثم تراجعت ليأخذ طريقه نحو مقعده، وقبل أن يجلس تطلع في الوجوه التي سادها الذهول وكأن فوقها الطير، أطلق البسملة وهو يجلس فيما ظل الجميع وقوفاً إلى أن أشار عليهم بالجلوس، جلس الرجلان المصاحبان له كل منهما على جنبي المقاعد فيما جلست يسرا بمحاذاة سعاد وجلست المرأة المنقبة على الطرف الآخر من المقاعد فيما أطل رجل آخر بدا من هيئته أنه بريطاني الملامح، كان يرتدي بذلة سوداء وتكسو وجهه لحية خفيفة قام بإغلاق باب الصالة وانسحب خارجاً، بدا المشهد ليسرا للوهلة الأولى أشبه بلقطات من فيلم سينمائي، اختلطت بداخلها الأفكار والمشاعر وتصاعدت ضربات قلبها تدريجياً كلما طال الصمت في المكان، ظهر لها عدم وجود رابط بين طبيعة سمر يام التي رأت فيها هذه اللحظة بأن الاسم الأخير ينطبق عليها أكثر من الأول واستغربت كيف يكون الاسم الوهمي هو الذي اشتهرت به ومطبوع في جواز سفرها، كما استغربت عن كشفها لها عن اسمها الحركي بهذه السرعة وخمنت في داخلها باحتمال أن لا يكون هذا اسمها الحقيقي أيضاً وربما هناك أسماء أخرى تحتفظ بها لأشخاص آخرين ولمناسبات أخرى.
عندما رفعت وجهها ونظرت أمامها في وجه الشيخ صدمت وهي تراه يتأملها وقد علت شفتيه ابتسامة بدت لها بريئة ولا تخلو من لمسة حانية تذكرها ببضعة وجوه كانت تساندها عندما كانت لاجئة على الحدود التركية ممن كانوا يجلبون المؤمن والمساعدات ويتلون الآيات والأحاديث والمحاضرات، لم تكن هناك بقعة حمراء على جبهته عهدتها في غالبية من التقت بهم على الحدود وفي الخيام، ورغم ارتياحها لهيئته الأولى وانسياب مشاعرها بهدوء إلا أنها ظلت متوترة من المناخ برمته الذي انزلقت فيه وجرتها نحوه المرأة القادمة من المجهول "لم أتغير ما زال الآخرون يستدرجوني معهم، لم أتعلم بعد" كان ذلك اعترافاً داخلياً بعجزها عن تغيير جوهرها رغم كل ما أجرته من تعديل على مظهرها الخارجي، ظنت أن مجرد إجراء عملية تجميل لوجهها واستبدال ملابسها الرخيصة بملابس ثمينة وذات ماركات عالمية سيجعلها ترضى عن ذاتها، لتكتشف الآن أنها ذات الدمية المتحركة في يد الآخرين " لماذا أنا ضعيفة؟" بلغ لومها لذاتها هذه الساعة حداً جعلها تشعر بالخزي من نفسها "كيف وصلتُ لهذا المكان؟" كانت تطمع في البحث عن أصدقاء أثرياء ثملون ومهرجون، يعربدون لتعوض ما فاتها من طعم الحياة الذي لم تنعم به منذ نعومة أظافرها، إذ فتحت عيناها على القصف والقنابل تتساقط والدمار من حولها مروراً باللجوء والتشرد لتنتهي حياتها في هذه الصالة المعتمة، بدت لها الأمور معتمة وبلغت دهشتها من نفسها درجة أن تنهض وتنقض على سمر يام وتخنقها " كيف خدعت فيها؟"
زمجر صوت الرجل الهيكل العظمي دفعة واحدة بدون مقدمة وقد أحدث ذلك فيها دوياًً داخلياً، لم تتوقع أن يخرج هذا الصوت من هذه الكتلة اللحمية الضئيلة وقد صعقتها نبرته الحادة وهو يقول.
" الظلم.. الاستبداد ..القهر هذا هو عالمنا، مشردون .. لاجئون .. في الخيام .. على الحدود .. هذه أراضينا .. نساءنا سبايا، رجالنا أسرى، أمهاتنا مختطفات.. أطفالنا .. إخوتنا مذبحون .. بساتين البرتقال والكروم صارت أكوام زبالة، أكرم السامعين، مدارسنا ثكنات لجنودهم المرتزقة"
مر على لحيته بيده اليسرى فيما كانت يده اليمنى تقبض على المسبحة وبدا الوهج ينفذ من عينية وكان الرذاذ يتطاير من شدقيه كلما أوغل في الانفعال،
"مساجدنا دنسها المجوس والنصارى ومن والاهم، إنهم ينعمون في ديارنا بينما نحن لاجئون في أرجاء المعمورة، أين أرض العراق؟ أين أرض الشام؟ أين ...."
كمن غابت عن الوعي، عينيها مفتوحتين على الرجل وعقلها حلق في الزبير ثم عبر الحدود وأيقظ المشاهد القديمة، تصاعدت أنفاسها وهي تقترب من الاختناق، بدت الأرض ترتج تحت قدميها واكتنفها جفاف في الحلق، صارت كمن حملها من المكان وألقى بها في مقبرة الزبير بين الأنقاض والجيف وبقايا الصواريخ والأسوار المهدمة والبيوت المكشوفة، رأت المشهد أمامها ولم تحتمل وقد شعرت بالضباب يلفها ويحملها بعيداً عن المكان، حاولت النهوض والسير نحو الرجل الضعيف الذي كان وجهه يشع كالبرق، خفق قلبها وسقطت على الأرض قبل أن تصل إليه.
****
أفاقت من نومها على الساعة الخامسة وست دقائق صباحاً، تذكرت بأن يوم غدٍ أول رمضان، بدت حانقة على ما جرى لها بالأمس، شعرت بألم في عنقها وفي كتفها الأيمن وزاد حنقها عندما تذكرت بأن إجازة الأيام الخمسة التي اقتطعتها من إجازتها السنوية تنتهي اليوم ولا رغبة لها بالتوجه للعمل، طاف ببالها دعوة مايك لها بترك الفندق والالتحاق بعمل مكتبي يليق بها، مستعد أن يوفره لها فوراً، كما أن سمر وعدتها بعمل سينقلها من خانة الفقراء إلى خانة الأثرياء خلال مدة وجيزة إن نجحت في الامتحان على حد تعبيرها، من دون أن تخوض معها في التفاصيل، وقد بدا لها كالعادة دائماً مع هذه المرأة في كل صغيرة وكبيرة، يلفها الغموض، كانت ترى الأمور معها كالشرشف أو كحذاء الكعب لا تستطيع أن تستعملهما لمدة طويلة، إذ سببا لها حكة في الجسم، وهكذا الأخبار التي تأتيها من سمر يام تنشر فيها الحكة وفي الوقت نفسه ترغب بمسايرتها طالما تلوح لها بالثراء والنفوذ علماً بأن عالم مايك بدوره يغريها بالانزلاق في هذا المحيط، ولكنها تخطو بحذر شديد وهي ترى الأمواج تتصاعد والبحر يزداد عمقاً كل يوم.
تركت مسألة حلول رمضان في الغد والتفكير في دعوة مايك وإغراء سمر، تناولت بسرعة علبة زبادي خالي الدسم وبضع حبات زيتون أسود، ارتدت ملابسها بسرعة ولم تتكلف كثيراً في وضع الماكياج إذ أسرعت نحو سيارتها المازدا الصغيرة المركونة بزاوية المكان منذ استلمتها، دلفت فيها وأدارت المحرك وظلت تتأمل الطريق الذي غرق في رذاذ خفيف رغم بزوغ خطوط رقيقة لأشعة الشمس تسللت قسراً عبر الغيوم الكثيفة المتحركة، كانت الرياح شمالية تهب باردة حركت معها بضعة أوراق متناثرة أسفل الأشجار الصغيرة المحيطة بالمكان، كان هناك بضعة مشاة يهرولون منذ الفجر لم يعبئوا بقطرات المطر المتساقطة، وظهرت دراجتان تعبران الشارع العام راحت عيناها تتابعهما حتى اختفتا من زاوية المنعطف، تخيلت لو تكبس على البترول وترفع قدمها عن الفرامل وتتحرك بها قليل "ماذا سيحدث لقد أخذت بضعة دروس ولن يصادف وجود شرطي مرور بهذا الوقت؟" تذكرت أن الجنسية البريطانية لا تخولها القيادة بدون رخصة قيادة، أطفأت المحرك وخرجت من السيارة وانطلقت نحو الفندق بعد أن فتحت مظلة المطر.
في غضون ساعات من العمل بالقسم المالي طلبت بشكل مفاجئ من "كينيز" المسئول عن خدمات تنظيف الغرف ساعتين أو ثلاث تعود فيهما لعملها السابق في إعداد الغرف بدعوى شعورها بالحنين لهذه الوظيفة، وأمام صدمة الرجل واستغرابه هذا الطلب الذي لم يسبق أن سمع في حياته بمثله في أي وظيفة أدنى من وظيفة الموظف نفسه، نظرت إليه وهي تبتسم وبدت كالبلهاء وهي تستعطفه الموافقة، نهض من مقعده والتف حولها ثم عاد وهو يتأملها من فوق لأسفل، مط شفتيه وقال بنبرة ممانعة لا تخلو من دهشة.
"هذا يعتبر مخالفاً لقوانين العمل البريطانية، كما أن ملابسك الأنيقة لا تليق بهذا العمل رغم احترامي لجميع الوظائف"
توقف لبرهة وهو يتأمل رد فعلها وإزاء الصمت الذي لاذت به استأنف قائلاً.
"أنا معجب بذكائك ولكن للذكاء حدود"
حكت أنفها بإصبعها وابتسمت بخفة لم تعهدها وبحثت في قاموس الحجج عن حجة تواصل بها إصرارها على هذا الطلب، كانت هادئة على غير عادتها في الصباحات التي تلي مرورها بمواقف كتلك التي كانت فيها مع سمر يام الليلة الماضية، تذكرت بأن الزبير التي جاءت منها لم تعد قائمة وأن العالم تغير ولابد من تغيير يشمل مواقفها تجاه ما تشعر به "ماذا ينفع أكسب العالم وأخسر نفسي؟" حرمت من الاحتفالات، من أعياد الميلاد والسنة الجديدة ومن أعياد الفطر والأضحى وكل المناسبات "لم أتغير،سأواجه الموقف حتى نهايته" عضت على شفتيها وسلطت نظرة ناعسة نحوه، ركزت عينيها في عينيه كمن توجه له سهام وأرخت طرف جسمها وقالت بعبارة رجاء رقيقة.
"مستر كينيز أرجوك لمرة واحدة، من فضلك"
استسلم قائلاً بسرعة، وهو يشير لها بالخروج
"أنت حرة لا علم لي بالأمر؟"
"هل يحدث ذلك في فندق الهوليدي إن؟" كانت ضحكتها ماكرة وهي تغادر المكان، دلفت الغرفة رقم 334 وبدأت العبث بالمكان على طريقتها المعتادة، كانت البداية التأمل في المكان، وهن جسدي اجتاحها فجأة وشعرت على أثره بأنها فقدت الرغبة والجاذبية في العبث بأدوات النزلاء وهي اللعبة التي أدمنتها طوال عملها في هذا المجال، دب فيها الكسل والخمول وفقدت اللعبة بريقها وكل ما فكرت فيه هو التوفيق بين مايك وسمر يام، كيف تأخذ من هذا وتلك؟ كيف تتعامل مع الاثنين؟ تركت الأسئلة لوقت لاحق وبدأت في ترتيب الفراش بسرعة ولفت انتباهها فجأة كيس بلاستيكي صغير محشور في زاوية أسفل السرير، حملته وتأملته إذ به قطعة حشيشة صغيرة، ابتسمت واجتاحتها رغبة في تدخينها وخطر ببالها أن تطلب من ريتشارد أن يجلب لها قطعة، لم تقو على إنهاء العمل بالغرفة،أسرعت بالمغادرة واعتذرت من كينيز الذي استغرب سلوكها ثم استأذنت من الإدارة وخرجت بعد أن أجرت اتصالاً مع سمر يام التقت على إثره معها بشقتها الصغيرة في "كينغستون" والتي ما كادت المرأة تدلف إليها حتى التفت نحوها وهي تمسح المكان بنظرة خاطفة وفاحصة بذات الوقت، لتقول بعبارة مستنكرة؟
"مازلت تعيشين هنا؟"
****
( 5 )
لم يمضِ أسبوع على زيارة سمر يام ليسرا حتى انتقلت الأخيرة إلى الطرف الآخر من "كينغستون" وبمرور شهر تركت العمل بفندق الهوليدي إن وظل فقط محطة استرخاء لترددها بين وقت وآخر لتناول كأس نبيذ بالليل أو كوب قهوة بالعصر أو لمجرد إلقاء نظرة على المكان وقت الفراغ، حلت ساكنة جديدة ببناية "السوفتي" التي يقطنها بعض كبار المقيمين من الأجانب وتحتوي على موقف للسيارات وبركة سباحة وحارس خارجي مع جهاز أمني خاص بالدخول والخروج، ظنت أنها فازت بوظيفة سكرتيرة بشركة مقاولات عملاقة في مجال الخرسانة المسلحة بتوصية من مايك، وأنها فازت بالشقة مع دفع الإيجار بتوصية من سمر يام، اختلطت الأوراق وجرت الأمور بسرعة وتوالت الأحداث من حولها، لم يعد لديها وقت للتفكير وتأمل ما يجري ولم تتوقف لتنظر أبعد من قدميها، كان النهر يجري بإيقاع لم يترك لها خيار فحص الأمور من حولها، توقفت عن طرح الأسئلة على نفسها وراحت تنتظر المهمات التي ستكلف بها مقابل كل هذا المحصول، كان راتبها من شركة الخرسانة المسلحة يفيض عن حاجتها وكان مايك يغدق عليها الهدايا في مناسبات يخترعها بنفسه من دون أن يكون متطلباً جنسياً، فقد كان ينتظر إشارتها كي يبدأ مغازلتها التي قد تستمر يومين أو ثلاثة قبل أن يلمح بدعوتها للفراش، وبين موجة مايك الباردة وموجة سمر الساخنة راحت تتنقل بين تلك الأمواج مخلفة وراءها غبار لا تلتفت إليه ولا تعيره اهتماماً، ومع الوقت بدأت من دون حساب تغرق في الشراب واختارت النبيذ الأحمر رغم ما يسببه لها من حرقة في المعدة نتيجة كريات الدهون المتراكمة والتي اكتشفتها صدفة وهي تراجع عيادات النساء بسبب نزيف الدورة الشهرية والتي تراودها مرتين في الشهر، مع الوقت والإرهاق الذي بدأ يدب في جسدها نتيجة تناولها أقراص الزناكس بين كل ليلتين أو ثلاث بعد أن تفرغ من الشراب، بالإضافة لتقطع النوم وقلته ودأبها على المواظبة على العمل في الوقت المحدد، شعرت بأنها تدفع ثمن الحياة المترفة المترتبة على التغيير الذي جرى بإيقاع سريع لم تتوقعه بنفسها، كانت ترى مجرى الأحداث سريعة فقدت على إثره بوصلة توخي الحذر الذي رافقها منذ خروجها من الزبير ومرورها بكل المحطات الشائكة، رأت في التغيير من حولها مذاقاً مختلفاً عن الذي تصورته وأقنعت نفسها بأنها تستحق الترف بعد السنين العجاف التي مرت بها وكادت تفقد نضارتها وتفقد معها ما تبقى في العمر من ربيع، تحولت لقارئة لكتب الذات ومارست الرياضة كلما سنح لها الوقت ونظمت غذاءها، فجأة وجدت نفسها تتطلع لسيارة جديدة مختلفة عن المازدا الحمراء التي بدأت تمل منها بعد أن اعتادت على ركوب سيارات سمر يام ومايك الباكستاني وغيرهما ممن تعرفت بهم في خضم الصداقات في المحيط المخملي الطارئ، لم تفصح عن هذه الرغبة ولكنها كانت تبدو في نظرتها للسيارات التي تركبها وحتى التي تشاهدها في الطرقات وتلفت انتباهها، منعها عن الإفصاح عن هذه الرغبة وكل الرغبات المتزاحمة بداخلها انتظارها للدور المتوقع أن تلعبه بعد كل هذا التعديل الذي أُجري لها، كانت من الذكاء كعادتها وهذه هي الميزة الوحيدة التي لم تفقدها بعد التغيير، تعلم بحاسة سبر غور من حولها، بأن ما أخذته حتى الآن لا يعد مجرد منحة أو صدقة، فثمة مهمة غامضة في الأفق تنتظرها وستجلبها رياح عاتية لا تتخيل نتائجها ولكن مهما جرت الرياح فالأمر يستحق كل هذا العناء "أستحق ما أحصل عليه حتى لو كان الثمن أن أبيع نفسي للشيطان فلم أحصل من الملائكة على شيء طوال السنين المُرَة التي عشتها"
كان سعيد الصراف واحداً من وجوه عدة تدير شبكة واسعة من الأعمال العقارية والإنشائية المرتبطة بشركة الخرسانة المسلحة، يزور مكاتب الشركة يومياً تقريباً لاستلام الشيكات وإنهاء المعاملات، اعتاد التوقف عند مكتبها وإطراءها بكلمات العسل وأحياناً الإشادة بها وبعملها والإسهاب في امتداحها، ورغم عدم تقبلها لأسلوبه المبالغ فيه إلا أنها وضعته على قائمة المستفيدة منهم، فبقدر حرصها على التزامها بالعلاقة مع مايك إلا أنها وسعت من دائرة الأسماء التي من المحتمل الاستفادة منهم لاحقاً، كان سعيد الصراف شاباً في الثلاثين من عمره بدا من هيئته ولحيته الخفيفة التدين لكنه أفصح عن طبيعته من خلال إلقائه النكات غير المحتشمة وتأنقه المبالغ فيه والذي لا يتردد في ارتداء سراويل الجينز الضيقة والقمصان المحشورة بالإضافة إلى قصة شعره الشبابية ذات الطابع البريطاني، كان يتوقف عند حافة مكتبها بعد أن ينهي معاملاته ويدير الحوار معها متجاهلاً نظرات العاملين في محيطها، عرفت منذ البداية أصوله الأردنية ولكنها اكتشفت فيما بعد أنه فلسطيني ولد في بريطانيا وتعلم فيها واكتسب الجنسية بالولادة ولم تعرف أكثر من ذلك لأنه عتاد التكتم على أفكاره واكتفى بالتعليقات الساخرة على العرب وعلى سلوكياتهم، أدهشها فيما بعد تعليق مايك عندما أطلعته على تصرفاته معها فجاء تعليقه ملفتاً للنظر" جاملي الرجل فتحت يديه إمبراطورية من الأعمال والخدمات" عرفت فيما بعد بأنه وعدد من المتنفذين العرب في لندن يديرون مكاتب محاماة ووكالات سفر ومكتبات ومطاعم وبرادات صغيرة منتشرة في أنحاء المملكة يديرها الآسيويون، وعرفت بأنه يدير شخصياً فروع لمؤسساته في الأردن والسعودية ولديه محلات صرافة في أيرلندا واكتفت بالتوقف عن البحث في خلفيته وعملت على توثيق علاقتها به.
ما أثار دهشتها وشد انتباهها إحساسها بعدم اكتراث مايك لعلاقاتها المتشعبة وخاصة مع الرجال، فلم يعبأ بالأخبار التي تنقلها إليه حول مشاكساتهم، كان يكتفي بالابتسام وبضع تعليقات عابرة كأن تستفيد منهم وتستغلهم قدر المستطاع، إلى أن بلغت ذات مرة ذروتها في الغضب واستدعته على وجه السرعة وأبلغته بأن ثمة أربعة شبان بينهم اثنان مغاربه وواحد مصري والرابع بولندي اعتادوا التحرش بها يومياً لدى خروجها من المنزل مساءً وبلغ بهم الأمر لأن يعترضوا سيارتها ومنعها من المرور عبر الشارع المتفرع عن محطة "سيربتون" ولم يمضِ وقت حتى اختفوا ولم يعد لهم غبار وعندما سألته رد عليها بعبارة تنم عن الحب والاهتمام.
"لن تسمعي عنهم بعد اليوم، لن أسمح بأن يؤذيك أي من كان ما حييت"
كل يوم تكتشف فيه عنصر غريب وغامض، فهمت من قبل بأنه بارد وهادئ وغير مكترث كما يوحي من هيئته للوهلة الأولى ولكنه يخفي وراء هذا المظهر وحش كاسر غير متوقع رد فعله ولا كيف وأين؟ أثلج هذا الرد صدرها وضاعف من شعورها بالأمان معه، وإن ظلت متوجسة من علاقتها بسمر يام والشبكة الغامضة التي تحيط بها، وإن بدأت تفكر بأخذ ثأرها ممن تسبب لها بالتهجير والتشرد وانتزعها من جذورها في الزبير وألحق الضرر بعائلتها وساهم في اختفائهم من على وجه الأرض، كانت سمر يام هي الخيط الذي أمسكت يسرا بطرفه ويعيدها للزبير، ولعل ذلك الخيط يقود لمعرفة مصير بقية أفراد أسرتها التي انقطعت منذ أن خرجت من هناك، كان وقع لقاء فضيلة الشيخ الوهمي الذي هبط بهيكله العظمي عليها قبل بضعة أشهر رهيباً وما زالت رعشة فجة تسري في بدنها كلما استعادت عباراته المثقلة بالدعوة للعودة للوطن وطرد الغزاة الذين استباحوا بيتها، لا يغيب عن بالها ساعة منظر الدار بأبوابها ونوافذها الخشبية ذات الدرابزين، ولا رائحة شجر الورد المحمدي وهي تفوح مع ندى الصباح ورطوبة المساء، لا تنسى وجوه الجيران وسيل الأمطار تغرق الطرق وتصنع العجين " لا أفكر بالانتقام ولكن أسعى للعودة ولو ليوم واحد أسأل الأرض أين ذهب السكان؟" كانت ترى في سمر يام نافذة أطلت منها على عالمها الأسطوري الذي عاشته وانتُزعت منه، لم تفكر طوال السنين التي مرت بالعودة والانتقام، كان همها العيش بسلام داخلي يملأ فراغ الروح والجسد الذي تركته الهجرة القسرية، لكن بروز سمر أو سعاد البشرواي، قبل خلع القناع السابق أحيا بأعماقها الحنين لسماع تغريد طيور الزبير وعصافيرها المحلقة طوال اليوم أسراباً، والتي بدأت الهجرة الإجبارية نحو الدول المجاورة بسبب الحرب والملوثات من الغازات والأدخنة، هذا ما علق بذاكرتها من أحاديث جبار الشريف، وهو يعود مشبعاً بروائح البارود أشبه بمن يعمل في مصنع للبتروكيماويات كما كانت تعلق نجوى القطان عليه كلما كان هناك ود بينهما للحظات عند العودة من الجبهة.
لم تخفِ حياة الترف التي صاحبتها مع كل من سمر ومايك ومضات الماضي وهي تقفز بين فينة وأخرى، تنتأ الجروح وتنبش في دهاليز الزبير كل ما له علاقة بالناس والأمكنة والطبيعة رغم قسوتها ولكنها تظل تحمل نكهة العراق والزبير وها هي البشرواي تخبرها بالوثاق، بأنها تنتمي للسعودية وللجزيرة العربية ومنها تعود السلسلة البشرية لنقطة مركزية تنبع من المكان الذي ولد منه الأنبياء، عرفت ذلك وحفر في ذاكرتها وهي تستمع لمحاضرة لأحد رجال التاريخ ممن هجروا البصرة وانسابوا مع طوفان البشر في أرض الله الواسعة بحثاً عن ملاذ، الرصاص والمشانق تلاحقهم والخوف يلاحق عائلاتهم والذعر يتملك أطفالهم، انزلقت دمعة من عينها وهي تسمع صوتها الداخلي يستيقظ فيها روح شقيقها الأصغر سام" متى ألقاك؟ وأين أنت يا عيني؟"
عندما صحت في إحدى الليالي فزعة بينما كانت بين أحضان مايك، قفز الآخر مذعوراً كما لو أن أحداً كسر الأبواب والنوافذ واقتحم المكان، راعه أن يرى المرأة النائمة في حضنه تفتقد الأمان وتقبع في دوائر الخوف، لم يكن وقتها يدرك بأنها مقدرة أن تكون المرأة الأخيرة في قائمة نسائه المصونات.