دعوة ملحة لإعادة بناء رؤية وزارة التعليم

حسين سالم مرجين
2020 / 9 / 21

من المعلوم أن الباحث في مجال علم الاجتماع يستطيع أن يُؤثر في محيطه وبيئته بما يتوفر لديه من أدوات وإمكانات وقدرات يُمكن له من خلالها أن يًساهم في تغيير وتبديل، وأيضاً تطوير الواقع المجتمعي الذي يعيش في إطاره.
هذا الواقع الذي يحتاج دائماً إلى من يعالج إكراهاته، ويمضي قُدماً في تجاوز ما يُواجهه من عقبات، ويسعى جاهداً لتحقيق أكبر النجاحات وحصاد أفضل النتائج في مختلف الظروف والأحوال، ونحن هنا على يقين أن هذا الدور يُمكن أن يضطلع به الباحث في مجال علم الاجتماع فهو يستطيع أن يخلق الوعي ويحفزه من خلال قدرته على الربط بين الهموم الفردية والقضايا المجتمعية، ولديه من القوة الدافعة ما يمنعه عن السكوت والانزواء والصمت والهروب عن سدّ الفجوات وبناء الجسور وإيجاد الطرق المناسبة لتفادي العثرات والمختنقات، وهذا هدف وغاية هذه المقالة .
عانى العالم ولازال يعاني أكبر المشاكل وأخطرها منذ تفشي فيروس كورونا، وعند سقوط أول ضحاياه سارعت كل الدول إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات الوقائية والاحترازية لمجابهة هذا الفيروس، وكان من بين سياساتها لمجابهة هذا الوباء إغلاق المدارس، وتوقّف العملية التعليمية، وكذا الحال في ليبيا التي توقّفت فيها الدراسة منذ شهر مارس 2020م سواء على مستوى التعليم الأساسي، أم الثانوي، أم الجامعي، كإجراء احترازي وقائي خوفاً على حياة التلاميذ والمعلمين وللحدّ من انتشار الفيروس على نطاق واسع .
فأوصدت أبواب المؤسّسات التعليمية، وتوقّف التلاميذ والطلاب عن الذهاب إليها كل يوم، وبتنا ننتظر قرارات وزارة التعليم وخططها وبرامجها خلال مرحلة كورونا، ومرت الشهور وأصبحنا بعدها نتخبّط في دياجير الحيرة والاضطراب، ما بين توقّف نهائي وحاسم للدراسة أو استمرارها، وأصبحت العملية التعليمية برمتها هامدة وكأنما تنتظر قدرًا غامضًا، وبدأت مساحات الخوف، والقلق والترقّب، وانتظار المجهول تجد إلى أنفسنا سبيلاً، والوطن يضيع أمام أعيننا ولا نستطيع لذلك دفعًا، فالتخلي أو التوقّف عن التعليم يُعدُّ موتًا للوطن، موتًا من نوعٍ آخرٍ .
وسنحاول في هذه المقالة أن نرسم خطوط وقائع التعليم في ليبيا خلال مرحلة كورونا وما بعدها لتبدو الصورة واضحة في عموم وقائعها وأحداثها.
فقد سارعت الوزارة إلى إصدار قرار إيقاف الدراسة كأحد الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة لمواجهة فيروس كورونا؛ أيّ أن الوزارة أرادت أن تتعامل مع الأزمة بمنهج وقائي .
ولم تكن هناك أي خطط بديلة، وفي خطوة ارتجالية غير مدروسة بعناية تمّ اللجوء إلى البرامج المرئية المسجّلة، والتي تحوي شرح مفصّل لجميع المواد لكل المراحل الدراسية، وتمّ تكليف أساتذة ومعلمين ذوي كفايات ومهارات تدريسية عالية، ولكن ما تمّت ملاحظته عدم وجود دراسة وتخطيط وتنظيم لأوقات عرض الدروس التعليمية ومدتها، كما أن الدعاية والإعلان عبر وسائل الإعلام لهذه البرامج كانت ضعيفة جداً، فلم تلاقي هذه البرامج أيّ إقبال ملحوظ من قبل التلاميذ والطلاب، وكيف الحال بالإقبال والاهتمام والمتابعة وأحوال البنية التحتية لهذا النوع من التعليم في أحط مستوياتها؛ فانقطاع الكهرباء مع ارتفاع درجات الحرارة، وضعف شبكة الانترنت وانقطاعه، والحرب الدائرة في طرابلس والتهجير، وانعدام الأمن، والمشاكل الاقتصادية والسياسية، كل ذلك لم تضعه الوزارة قيد الدراسة عند وضعها لخطتها الاستعجالية عند انتشار الوباء .
ومن الملاحظ أن المشكلات المرتبطة بالتعليم الإلكتروني ليست جديدة، بل هي مشكلات لها أساسها البنيوي؛ فالإشارة مثلاً إلى المشكلات المتعلقة بالجوانب التقنية في العملية التعليمية سابقة لأزمة كورونا، ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بتدني وضعف البنية التحتية لشبكة الانترنت في ليبيا عموماً .
توقّفت الدراسة وكأن الزمن توقّف، وتعطّلت عجلة التعليم، ولازالت الوزارة حتى الساعة تعاني التخبّط في قراراتها بين العودة أو اللاعودة إلى المدارس .
فتلاميذ التعليم الأساسي وطلاب التعليم الثانوي - أكاد أجزم - بأنهم مع طول مدة توقّف الدراسة أصبحوا عاطلين عن التعليم والتعلّم، فهم إما نيام معظم الوقت، أو يتسكعون في الأزقة والشوارع، أو يرتادون المقاهي والأسواق والمحلات التجارية، بل أن الكثير منهم انضموا إلى بعض الجماعات المسلّحة، وليس أدل على ذلك سوى أعمار الجرحى والقتلى من أعضاء تلك الجماعات .
ومن ثم فلا غرابة ألّا يمتلك بعض الطلاب الرغبة في التعليم والتعلّم، أو أن هذه الرغبة أضحت متدنية لدى البعض منهم، وأنهم أصبحوا يعيشون حالات من الفراغ، الأمر الذي يستدعي بالضرورة البحث والدراسة والتشخيص بغية الوصول إلى معالجات مناسبة .
وخلال مدة توقّف العملية التعليمية التي تجاوزت الستة أشهر حاولت البحث والتقصي – بروح الباحث السوسيولوجي -، كما حاولت قدر الإمكان تدوين الملاحظات، وتقييد المشاهدات خاصةً فيما يتعلق بوقائع التعليم، وبشكلٍ خاص مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي، وهنا يُمكن القول بأنه ليس من المبالغة الاعتراف بأنني لم أجد أيّ إجابة واضحة بشأن وجود أيّ خطط أو برامج لمرحلة ما بعد كورونا، بالرغم من كل الجهود واللجان والقرارات الصادرة عن الوزارة !
كان لزاماً على الوزارة ونحن نواجه ظروفاً صعبة أن تُوفر الخطط البديلة دائماً وباستمرار، وأن تقوم بتوظيف الوسائل التكنولوجية لأجل استمرار العملية التعليمية حتى في أصعب الظروف .
إن الوقائع والمشاهد بيّنت بأن الوزارة تفتقر لوجود أيّ خطة أو نموذج يُراد الوصول إليه ليس لمرحلة ما بعد كورونا فحسب، وإنما تفتقر أيضًا لوجود أيّ خطط لمرحلة كورونا نفسها، فالوقائع التي عشناها والتي لانزال نعيشها مع قرارات الوزارة أكبر وأعمق من أن تتخطاها أيّ بصيرة، وحتى نقرّب المعنى أكثر فأننا لا ندري ما وجهة التعليم، أو إلى أين تقودنا وزارة التعليم ؟
ولعلنا نروم من وراء كل ذلك أن نفهم كم من مأساة يجب أن تحدث في التعليم كي يدرك المسؤولون في الوزارة بأن التعليم في ليبيا لايزال يُساق إلى المجهول ؟
والملاحظة الأخرى التي نودّ طرحها في هذا السياق سعي بعض القيادات والمسؤولين في التعليم إلى محاولة إقناع أنفسهم قبل إقناع الآخرين بأن الأوضاع الحالية هي جزءً من الأوضاع التي يعيشها العالم؛ فالمؤسّسات التعليمية - حسب وجهة نظرهم - لاتزال مقفلة في جُل ّأنحاء العالم، متناسين بأن النجاح وتخطي العقبات والإكراهات يحتاج إلى الجرأة، وقبل ذلك إلى التدبّر والتفكير وهذا ما سيقودنا إلى بر الأمان؛ فالمركب الذي يقوده ربان خائف لن يصل إلى وجهته أبداً .
ولا ضير أن نُشير هنا إلى أن مؤسّسات التعليم الأساسي والثانوي في جُلّ دول العالم انتقلت من مرحلة التعليم التقليدي إلى مرحلة أخرى أحدث تُمثل نسقاً جديداً في التعليم والتعلّم، ألا وهو التعليم الإلكتروني القائم على استخدام شبكات الأنترنت بشكلٍ مدروس ومنظم؛ كونها أقرب الحلول حاليًا .
وأصبحت تلك الدول تمتلك الخطط والبرامج التعليمية الواضحة لمرحلة ما بعد كورونا، وهذا يعني ببساطة شديدة أن دول العالم أضحت مدركة بأن التعليم خلال مرحلة كورونا، لم يعدّ كما كان قبل كورونا .
إن المجال هنا لا يتسع للحديث عن كل تداعيات الإخفاق الحاصل نتيجة للمجهول الذي سنعيشه خلال مرحلة ما بعد كورونا، وحتى لا تُثير هذه المقالة خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وحتى لا يتغلغل الخوف والفزع أكثر وأكثر في نفوسنا؛ فلنكن متسامحين قليلاً ونعتبر أزمة كورونا تجربة أو مرحلة حتى وإن أربكت الوزارة، وأنها ستمر وتنتهي بتضافر الجهود وتكاثفها، ولكن ينبغي الاستفادة من هذه التجربة وإعادة النظر في سياسات الوزارة بشكل عام على أن تكون خططها واستراتيجياتها مرنة قابلة للتعديل والتطوير والتحسين لكي تلائم أيّ تغير أو تحوّل يُمكن أن يطرأ في الواقع المجتمعي .
وهذا يعني أن تكون مرحلة كورونا فرصة للتفكير واتخاذ القرار الصائب لمرحلة ما بعد كورونا، وضرورة اعتماد التعليم الإلكتروني وتفعيله ليكون مكملاً للتعليم التقليدي بشكلٍ دائم وفي كل الظروف والأحوال، وحلاً بديلاً عنه أوقات الأزمات والكوارث؛ لذلك فإننا نودّ طرح بعض المقترحات من أجل أن نخترق الفضاءات التعليمية الإلكترونية الفسيحة؛ حتى لا نكون معزولين عن العالم، أهمها :
1- الإسراع في إصدار قرار من مجلس الوزراء باعتماد التعليم الإلكتروني كمسار للتعليم الأساسي والثانوي والجامعي في ليبيا، وهذا يعني بالضرورة قيام وزارة التعليم بإعادة تعريف فلسفتها وأهدافها، لخلق الشروط اللازمة لتجاوز العقبات والإكراهات .
2- إصدار التشريعات واللوائح ذات العلاقة بالتعليم الإلكتروني، بغية ضبط عملية التعليم الإلكتروني بالرغم من كون بعض مؤسّسات التعليم الخاص الأجنبي باشرت بالفعل بتنفيذ التعليم الإلكتروني لإنهاء خطتها الدراسية دون الرجوع للوزارة .
3- الإسراع في تقييم الوضع الحالي للبنية التحتية الرقمية، بهدف معرفة الجاهزية، وتقدير الميزانية، وقدرات الطلاب والمعلمين والإداريين لتنفيذ برنامج التعليم الإلكتروني، وفي هذا الصدد ونتيجة لضعف البنية التحتية يمكن التنسيق مع شركات الإتصالات بشأن إمكانية توفير الأنترنت بأسعارٍ رمزية .
4- ضرورة تأسيس مركز وطني للتعليم الإلكتروني يُناط به مهام ومسؤوليات التعليم لمرحلة ما بعد كورونا .
5- الإسراع في بناء منصّات تعليمية وفقًا للمواصفات الدولية، للمراحل التعليمية كافة .
6- العمل على إعداد المعلمين والإداريين، وتعزيز كفاياتهم ليكونوا قادرين على تطبيق وتفعيل التعليم الإلكتروني .
7- القضاء على ( الأمية الرقمية ) والتي تعني قلة الخبرة لدى المعلمين؛ حيث يتم تدريبهم على كيفية استخدام الانترنت بشكلٍ عام، واستخدام بعض البرامج ذات العلاقة بالتعليم الإلكتروني بشكلٍ خاص، ويكون للمعلم القدرة على توصيل المعلومة بسهولة ويسر، وأن يمتلك الشخصية أو الكاريزما التي تعينه في جذب الطلاب، وتشجيعهم على الانتباه والمتابعة .
8- التأكيد على أهمية وجود قيادات تعليمية على مستوى مديري المدارس، ومراقبي التعليم لديهم القدرة على تحقيق رؤية وأهداف الوزارة الجديدة – التعليم الإلكتروني- كون ذلك سيكون طريقًا لتحقيق النجاح .
9- بناء معايير التعليم الإلكتروني خاصةً للتعليم الأساسي والثانوي .
10- بناء وتطوير مناهج، ومحتوى تعليمي يتناسب والتعليم الإلكتروني وفقاً للمعايير المراد بناؤها .
11- العمل بشكلٍ متواصل لضمان وصول الخدمات التعليمية للتعليم الإلكتروني لكافة التلاميذ والطلاب، وفي هذا الصدد ينبغي السعي الحثيث لتوفير أجهزة الحاسوب المحمولة، أو الحاسوب المصغّر لكل التلاميذ والطلاب أسوةً ببقية دول العالم، - وبحسب معلوماتي كان هناك مشروع وطني (سابق) لم يُنجز بعد بشأن توفير تلك الأجهزة بالتنسيق مع إحدى المنظمات الدولية -، وبسبب ما تفرضه ضرورات المرحلة يُمكن تفعيله الآن .
12- مراجعة وإعادة النظر في البنى التحتية اللازمة للتعليم الإلكتروني
13- إعادة مراجعة وسائل وآليات التقويم والتفتيش التربوي لتتناسب ومتطلبات التعليم الإلكتروني .
نافلة القول أن الاستمرار في النهج الحالي من قبل مسؤولي التعليم سيجر الوطن وأبناءه إلى قيعان الجهل والتخلّف الرقمي، وبالتالي أضحت هناك حاجة ماسة لوجود برنامج وطني في ليبيا يُشكل خارطة طريق نحو استراتيجية وطنية للتعليم الإلكتروني مشتملة على مبادرات لتنظيم ذلك النسق من التعليم والتعلّم، وفي إطار تعاون إقليمي ودولي فعّال، يضم مراحل التعليم كافة .
نختم هذه المقالة بالإشارة إلى توجيه الدعوة لوزارة التعليم بضرورة التفكير بشكلٍ جديّ نحو إقحام التعليم الإلكتروني في العملية التعليمية كونه مدخلاً للإمساك بناصية المعرفة والتقانة في ظل الظروف الحالية، فالأمل بحاجة فقط إلى التفكير والتدبّر بعقلية الممكن؛ التي تعني أن نبدأ الآن، ومن نفس المكان، وبالمتاح الممكن ولكن بصورة متميزة