الاشتراكية – التطور الموضوعي الجدلي للمجتمع الانساني

خليل اندراوس
2020 / 9 / 4


الرأسمالية وخاصة في أعلى مراحل تطورها –المرحلة الامبريالية، بحكم طبيعتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تخدم طبقة رأس المال وسلطتها وهيمنتها في دول رأس المال وعالميًا، وتعمل بكل الوسائل الاقتصادية والسياسية والايديولوجية والعسكرية، وتنشر وتعمق السيطرة على دول الجنوب الفقيرة وتنتهك المساواة في الحقوق بين الشعوب، وتبذر بذور التنافر والصراعات القومية، وتتبنى مفاهيم عنصرية شوفينية كالصهيونية العالمية، والأفكار العنصرية للمحافظين الجدد –كهنة الحرب– داخل الولايات المتحدة وخارجها. هذا بالإضافة إلى التنسيق والتحالف والتطبيع ودعم أنظمة الاستبداد في شتّى أنحاء العالم من أمريكا اللاتينية إلى افريقيا وإلى آسيا. وعلى رأس هذه الدول الاستبدادية التي تحضنها الامبريالية العالمية في سريرها، الأنظمة الرجعية العربية وأولها السعودية والامارات وغيرها من الأنظمة الفاسدة والتي تحكمها طبقة رأس المال الكومبرادوري – الوسيط، خادمة طبقة رأس المال العالمي خاصة الأمريكي.

هذا الواقع الموضوعي لا بد ان يؤدي من ناحية جدلية إلى تعاون وتعاضد سياسي اقتصادي ثقافي طبقي بين الشعوب المضطهدة، وأكبر مثال على ذلك التعاون في شتى المجالات بين إيران وفنزويلا، وبين الصين وروسيا وإيران ومحور المقاومة. ومن خلال هذا التفاعل والتقارب تنشأ الصداقة بين الشعوب، ولا بد ان يؤدي هذا إلى نشوء نضال عالمي من كافة شعوب العالم ضد هذا الثالوث الدنس.



وخلال هذا النضال والصراع يتعمق الصراع السياسي والايديولوجي كشكل من أشكال الصراع الطبقي ويتطور كذلك نضال الشعوب عامة من أجل تحررها القومي والوطني، لذلك مهم جدا نشر الفلسفة الماركسية كفلسفة علمية عن تطور المجتمع.

تعرف النظرية العامة عن القوى المحركة للتغيير الاجتماعي وقوانينه – التي وضع أساسها ماركس وانجلز باسم المادية الجدلية التاريخية، وقد تم التوصل إلى هذا المفهوم بتطبيق الفلسفة المادية على المجتمع ليس فقط من أجل دراسة مشكلات النظام الطبقي الرأسمالي وتفسير العالم المادي وانما كمرشد من أجل تغيير العالم، وبناء مجتمع لا استغلال فيه من انسان لإنسان، ولبناء مجتمع المستقبل، مملكة الحرية على الأرض.

لا بدّ من نشر المعارف العلمية الماركسية عن تطور المجتمع الانساني وفضح جوهر الرأسمالية الاستغلالي، خاصة في عصرنا الحالي العصر الإمبريالي – فالإمبريالية أعلى مراحل تطور الرأسمالية وآخرها – وشرح ودراسة وتقديم البراهين الاقتصادية السياسية الايديولوجية على حتمية زوالها التاريخي وتبيان الرسالة التاريخية للطبقة العاملة المتسلحة بالفلسفة الماركسية والتي هي أسمى منجزات العلوم الاقتصادية الاجتماعية السياسية الايديولوجية.



هذا هو جوهر الصراع الايديولوجي الذي تخوضه الطبقة العاملة وجماهير الشعب المستغَلة والشعوب المضطهدة ضد طبقة رأس المال العالمي – ضد الامبريالية. وفي المرحلة الراهنة وكأحد أقرب الأهداف التراكمية المرحلية، النضال من أجل عزل طبقة رأس المال الاحتكارية العابرة للقارات وطبقة رأس مال صناعة السلاح، ليكون عزلًا فكريًا وسياسيًا وايديولوجيًا، كونهم الأشد عدوانية على الساحة الدولية، وأكبر مثل على ذلك الادارات الأمريكية في الفترة الأخيرة خاصة في فترة حكم المحافظين الجدد -كهنة الحرب- وممثلهم المأفون ترامب، واليمين الصهيوني العنصري الشوفيني العالمي وهنا في اسرائيل.

النجاح في هذا النضال من شأنه ان يسهم في اجراء انتفاضات وتحولات اجتماعية تقدمية في العديد من بلدان العالم خاصة في أمريكا اللاتينية، في فنزويلا وكوبا وغيرها من الدول هناك، وكذلك تحرر شعوب غرب آسيا خاصة الشعوب العربية والاسلامية من هيمنة الامبريالية العالمية وبالذات الأمريكية.



والنجاح في هذا الصراع الايديولوجي لا بد ان يفرض تطورات ايجابية على مستوى عالمي يؤدي إلى خفض التوتر الاقتصادي والعسكري على الساحة الدولية، وحل العديد من ساحات الصراع بطرق دبلوماسية سياسية بعيدًا عن المواجهة والحروب.

الفلسفة الماركسية الجدلية المادية التاريخية قابلة للممارسة والتطبيق في عصرنا الراهن لأنها تؤدي إلى استخلاص ودراسة أحداث الماضي وكذلك الحاضر، وأيضًا عما ينبغي دراسته وممارسته وعمله من اجل احقاق الحاجات والتطورات الضرورية لصالح حرية الشعوب المضطهَدة، ووحدة الطبقة العاملة وانتصارها في صراعها مع طبقة رأس المال.

فالفلسفة الماركسية اللينينية هي سلاح الشيوعيين الفكري وقوة النظرية الماركسية اللينينية وخاصة فلسفتها المادية الجدلية التاريخية التي لا تفسر عملية التطور الاجتماعي الموضوعية فحسب ولا تكشف الآفاق التاريخية وتعطي التوجيه والدليل في الظاهرات المعقدة في الحياة المعاصرة وحسب، بل أيضًا تمكن بكونها تعلم كيف يجب ان تتصرف القوى التقدمية، وفي مقدمتها الطبقة العاملة لكي تسهل وتسرع التقدم الثوري للمجتمع الانساني.

ومن أجل تحرير الملايين من الشغيلة المضطهَدين تحريرًا عامًا ينبغي على النضال الطبقي الموحد ان يجمع بالضرورة بين النضال السياسي والاقتصادي والايديولوجي، لذلك مهم جدًا التعمق في دراسة الفلسفة الماركسية وتطويرها في عصرنا الحاضر كشرط أساسي لنجاح الماركسية في صراعها الايديولوجي ضد "فلاسفة" طبقة رأس المال، وهذا يتطلب حشد جميع القوى الفكرية في الحركة الشيوعية، ومراجعة تاريخ الحركة الشيوعية ومراجعة تجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي بشكل جدلي موضوعي علمي فلسفي.

عندما تفكك وسقط الاتحاد السوفييتي لأسباب موضوعية أهمها العامل الاقتصادي حيث قال لينين "لا يمكن ان تنتصر الاشتراكية على الرأسمالية الا اذا اصبحت انتاجية المجتمع الاشتراكي ضعفي انتاجية المجتمع الرأسمالي وكذلك بسبب البيروقراطية داخل الاحزاب الشيوعية والخيانة، فأكبر مستشاري غورباتشوف الذي قاده لزيارة تاتشر كان عميلًا للـ سي.اي.ايه، وكذلك ايمان بعض القادة داخل الاتحاد السوفييتي بأن اسرائيل ستصبح دولة اشتراكية، في حين الايديولوجية الصهيونية التي قامت على أساسها هذه الدولة هي من افرازات الامبريالية العالمية وقاعدتها الأمامية في الشرق والتي مارست دورًا كبيرًا، أي إسرائيل، في الحرب الباردة التي خاضها الغرب الامبريالي ضد الاتحاد السوفييتي ولعبت دورًا كبيرًا في ضرب وافشال حركة تحرر شعوب الشرق، وهكذا ساعدت على فشل تجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي وذلك لأن الاشتراكية في دولة اوروبية واحدة لن تنجح بدون دعم ونجاح حركات تحرر شعوب الشرق كما قال أيضًا لينين. وهناك أسباب عديدة اخرى لا مجال لذكرها هنا ولكن أقول، عندما سقط الاتحاد السوفيتي وفشلت تجربة بناء الاشتراكية رأى المدافعون عن الرأسمالية بهذا الامر انتصارًا للرأسمالية وتحدثوا عن موت الاشتراكية والشيوعية وبأن التاريخ بلغ التعبير النهائي عنه في شكل الرأسمالية.



وكانت تلك اللحظة التي أطلق يوشيهيرو فرنسيس فوكوياما فكرته الشهيرة، والتي تعبر عن جهل مطلق بالفلسفة المادية الجدلية التاريخية، بأن التاريخ قد انتهى، "فلسفة" "نهاية التاريخ والانسان الأخير"، فكتب في ذلك الكتاب البيان التالي:

"ان ما نشهده... هو نهاية التطور الايديولوجي للجنس البشري وعولمة الديمقراطية الليبرالية الغربية باعتبارها الشكل النهائي للحكومة البشرية". حيث اعتقد هو وغيره من خدمة طبقة رأس المال بأنه بعد ان فشلت تجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي فان النظام الاجتماعي والاقتصادي الوحيد الممكن والنهائي في تطور البشرية هو الرأسمالية او "اقتصاد السوق الحرة" كما يفضل هو وآخرون من "منظري" طبقة رأس المال تسميتها.

واعتقد هؤلاء بان انتهاء فترة "الحرب الباردة" وفوز "ليبرالية" رأس المال ستؤدي إلى توزيع الثروة بسلام على شعوب هذه الدول أي دول رأس المال، وإنفاق مبالغ طائلة من المال لبناء المدارس والمستشفيات والمنازل وكل الأمور الضرورية الأخرى التي هي الشرط الأساسي للوجود الحضاري. ولكن الفترة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وحتى الآن من وجهة نظر التاريخ ليست سوى مرحلة لا بل لحظة عابرة.

وما جرى من تغيير للأمور كان وما زال يسير في العالم الرأسمالي نحو التأزم والاسوأ، فاليوم العالم الرأسمالي يمارس عولمة السوق "الحرة" المتوحشة والتي تؤدي إلى زيادة تركيز رأس المال بأيدي أفراد وشركات عابرة للقارات، والمجتمع الرأسمالي يعاني من البطالة والفقر والأزمات الاقتصادية المتكررة، لذلك نجد هذا الفوكوياما الذي كان مسؤولًا حكومًيا خلال عهد ريغين وبوش والذي كان في الأصل قريبًا من حركة المحافظين الجدد – كهنة الحرب – تجربته القاسية جعلته يعيد النظر في أفكاره، فمثلًا دعم فوكوياما احتلال العراق لكنه توصل بعد ذلك إلى ان الحرب على العراق هي خطأ في السياسة الأمريكية.



كما انه أصبح ينتقد بعض الأفكار النيوليبرالية كالمطالبة بإلغاء القيود على القطاع المالي، والتي كانت مسؤولة جزئيًا عن الانهيار الاقتصادي الكارثي عام 2008. وكتب يقول في احدى مقالاته بأن "هذه السياسات وضعتها النخبة (لا يستعمل كلمة طبقة رأس المال د.خ) والتي تحولت إلى كارثة جسيمة، ان الانزعاج الذي يشعر به الناس العاديون له ما يبرره".

وفي النهاية يصل هذا المدافع عن الرأسمالية والمنتقد الشرس للاشتراكية والماركسية إلى الاعتراف بأن التحليل الماركسي للأزمة الرأسمالية كان صحيحًا بشكل أساسي، وان أفكار ماركس صمدت أمام تجارب التاريخ، وان السعي الجامح لاقتصاديات السوق الحرة ادى إلى زيادة الفقر والبطالة وإلى الهيمنة الكاملة على العالم من قبل الاوليغارخية الرأسمالية المتوحشة والفاحشة الثراء من جهة اخرى، وهكذا اصبحت افكار المدافعين عن الرأسمالية مصيرها مزبلة التاريخ.

هذا الواقع المتأزم للعالم الرأسمالي يؤكد بأن المستقبل هو للطبقة التقدمية في المجتمع الرأسمالي – الطبقة العاملة، ولذلك هذه الطبقة ومن تجاربها وممارساتها السياسية ومن خلال نشر وترويج العلم والفلسفة الماركسية خاصة المادية الجدلية التاريخية والتي تدرس كامل العلاقات الاجتماعية وقوانين التطور الاجتماعي هو الطريق الوحيد نحو التقدم وحرية الانسان والانسانية.

لذلك على كل انسان تقدمي وخاصة العامل ان يكون مناضلًا اشتراكيًا. والعاصفة – الثورة قادمة لا محال.

مرجع المقال عن فوكوياما – كتاب لآلان وودز – الطريق مفتوح امام الثورة الاشتراكية.