-صاحب المقام- أفكار مكررة وممجوجة

رياض حسن محرم
2020 / 8 / 6

(تنويه: حاصرتنى اعلانات الفيلم وحول عرضه مجانا على أكثر من موقع، ومن باب الفضول حاولت، فوجدت كثيرا من المواقع تعرض الأفيش والمحتوى مغاير، ولكن مواقع أخرى تعرض الفيلم بجودة عاليه، ومنها هذا الموقع "مزيكا توداى":
https://www.bushra.today/2020/07/saheb-el-maqam.html)
نأتى الآن لتحليل الفيلم:
آسر ياسين رجل أعمال شاب غير مرتبط بأسرته ولا يوليهم أي اهتمام، يفضل البيزنس على أي شيء آخر وله علاقات متشعبة بأكابر الدولة، في سبيل بنائه لكومباوند جديد ضمن مشاريعه المتعددة يقدم على هدم زاوية تحتوي «مقام» أحد الأولياء الذين يتبرك بهم قطاع من الشعب، وبعد هدمه للمقام تبدأ أعماله في التعثر ويتعرض لمشكلات كثيرة ولكنها لا تؤثر فيه ويصر على أن هذا لا علاقة له بما فعله، حتى تسقط زوجته مغشياً عليها نتيجة نزيف في المخ وتدخل في غيبوبة، وهنا يبدأ ذلك الرأسمالى الجشع فى التحول تدريجيا للإيمان بالغيبيات وبالظواهر الخارقة "الكرامات" لأولياء مزعومون، وتلك هى التيمة الرئيسية للفيلم، البطل “يحيى حسين الرمالي” عندما غير كل مساراته إثر إصابة زوجته بنزيف مفاجئ في المخ بعد أيام من هدمه ضريحا لولي يدعى “سيدي هلال” منتصرا للمادة على الروح، ضاربا بكل التحذيرات عرض الحائط..
(رجلان نصابان ينجوان من حادث طائرة مروع بصدفة قدرية بحتة، يشعران بعد نجاتهما أن تلك رسالة من الله كي يتوبا وينصلح حالهما، ويشعران أن التوبة ليست كافية، فيقترح أحدهما على الآخر أن يذهبا لأكثر مكان مقدس لمن يحمل ديانتهما ويطلبان الغفران، هناك يعثران على رسائل تركها متدينان آخران ليطلبا من الله تحقيق أمنياتهما، تبزغ في عقولهما فكرة أن يحققا ما في هذه الرسائل ليتقربا أكثر من الله وليثبتا أنهما أصبحا شخصين جيدين بالفعل.
تلك هي – باختصار – قصة فيلم «مكتوب» الإسرائيلي، الفيلم متاح على منصة نتفلكس، ومن إنتاج 2017 وحاصل على تقييم عال على موقع التقييم الجماهيري IMDB، ويعتبر فيلم "مكتوب" هو أكبر نجاح سينمائي إسرائيلي منذ عام 1986.)
عموما كثيرون يرون أن قصة "صاحب المقام" منقولة حرفيا عن الفيلم الإسرائيلى، وان كانت الفكرة قد تكررت عشرات المرات فى اعمال من كل الجنسيات، فكرة الفيلم هى نفس صيغة "يحيى حقى" فى قنديل أم هاشم، والطيب صالح فى "دومة ود حامد" وكثيرا غيرها من الأعمال الأدبية، وان كان هذا لا يقلل من قيمة العمل فى حد ذاته.
تفتح الشاشة أولا على عملية خطف لبعض العاملين فى أحد مشاريع الإتصالات الخاصة بالرأسمالى الشاب بالعراق عقب 2003 والإحتلال الأمريكى، وهى منقولة عن حادثة حقيقية لشركة "اوراسكوم" الخاصة بنجيب سويرس، وتكرر الإقتباسات بالشريط، ولكن ذلك يرتبط فيما يسمى بسينما "ابراهيم عيسى".
سينما إبراهيم عيسى تدور في دائرة علاقة الدين بالمجتمع، تحدد هذه العلاقة كل التفاصيل في حياة المصريين منذ الميلاد وحتى الموت ، أفلامه أشبه بمقالات رأي، وتعتمد بشكل أساسي على طرح وجهات النظر بطريقة حوارية، بينما لا يأبه كثيرا للبناء الدرامى أو الحبكة، إبراهيم عيسى كاتب مقالات جيد لاشك، وله وجهة نظر حقيقية، ولكن كل هذا لا يبرر أبداً اتجاهه، مؤخراً، لكتابة الأفلام، فلهذا الفن صنّاعه الحقيقيون، ومناظرات مقارنة الأديان ليس مكانها شاشة السينما، ولكن إبراهيم عيسى فيما يبدو يريد أن تصل قضيته لكل أطياف المصريين فلم يكتف بالمقالات والروايات، وأصبحت السينما هاجسه الجديد.
قصص الأولياء وصناديق النذور والتبرك والأدعية والرسائل هى أشياء محببة للمصريين من كل فئات المجتمع، ويمكن استخدامها سينيمائيا بنجاح ودغدغة المشاعر الشعبية، وهو ما وظفه صانع الفيلم بنجاح، وذلك باللعب على التناقض بين السلفية "بكل أجنحتها وفى المقدمة الوهابية" وبين الصوفية، وتحديدا فى موضوع الأضرحة والتبرك بالأولياء، علما فان الإسلام السياسى نجح منذ السبعينات فى تلوين التدين الشعبى بحرمة التبرك بالأضرحة، وان كان ذلك عكس الهوى الكامن فى الأفئدة من حب وتقديس الأولياء وآل البيت، الذى يقفز الى المقدمة فى معظم الأحيان، فنحن نؤمن جداً بمقولة “ليها رب يدبرها” اكثر من أي مقولة أخرى تتطلب مجهوداً بشرياً أكثر من مجهود الأمل في وجه الله الكريم، وهكذا نجح الفيلم فى جمع كل الكليشيهات وحشرها حشراً مع بعضها ليبكي المشاهد، ويؤمن جازما أن لكل شيئ حكمة لا نعلمها، فقد حاول المخرج ابتزاز مشاعر المشاهدين بالفعل من خلال رسائل أكثر المخطئيين ذنوبا، العاهرة السابقة والمدمن البلطجى ودمجها فى الفيلم لاستدرار دموع الإيمان من المتفرجين.
هناك زحمة شديدة فى الفيلم، وكأنه جمع كل ممثلى الدراما فى مصر "بغض النظر عن حجم الدور"، وربما تفسر أزمة كورونا وتوقف العمل فى معطم المجالات ومن بينها السينما تلك الرغبة فى العمل بأى شكل، على أن ما يحسب للمنتج "أحمد السبكى" استمراره على العمل فى ظل الأزمة وتداعياتها.
فى الشريط نقاط ضعف كثيرة ومتعددة، منها مثلا شخصية غير مفهومة تمامًا وهي شخصية "روح" التي قدمتها يسرا، وهي امرأة لا نعلم إن كانت حقيقية أو وهم، تظهر من حين لآخر ليحيي حتى ترشده للتخلص من آثامه واسترجاع "رضا الأولياء"، وفي الوقت ذاته يراها الآخرون ولكن لا يعلمون من هي أو سبب وجودها حولهم بلا أي شعور بالاستغراب، إذ تظهر تارة ممرضة وتارة أخرى طبيبة، ولا مانع من ظهورها فرد أمن في المستشفى نفسه، وتكرار ظهورها فى أدوار مختلفة بشكل ليس له تبرير يفقدها مبرر وجودها أصلا، إن شخصية روح مفتعلة تمامًا وخارجة حتى عن سياق الفيلم، وهى مجرد إمعان من الكاتب في الغوص في عالم الماورائيات والميتافيزيقا مع أمور شائكة مثل الإيمان بالشفاعة.
من الأدوار التى أثارت انتباهى هو دور الفنان "بيومى فؤاد" ، وهو دور لشخصين توأم "حليم وحكيم" لا يمكن التفريق بينهما سوى باللدغة فى النطق، ووجودهما يدعم فكرة النفس الواحدة اللي يتنازعها أمران، أي كل شخص يكون به الخير والشر، وقد لعب الدور بيومى فؤاد ببراعة وتمكن.
من المؤكد أن الكاتب استمد فكرة الفيلم من الكتاب “رسائل إلى الإمام الشافعي” للمفكر سيد عويس، هذا الكتاب الذى هو أقرب إلى دراسة علمية، مليئة بإحصاءات ودلائل تشريحية لعادة اجتماعية قديمة ابتكرها المصريون تاريخيا في مخاطبة الأموات، عادة متوارثة منذ مصر القديمة ظلت باقية فى ظل اليهودية والمسيحية وحتى مع انتشار الإسلام، بل أزعم أنه ازداد ترسخها فى ظل النزعة الصوفية للدولة الفاطمية، واستمرارها وتجذرها فى عصور المماليك ثم الخلافة العثمانية.
من سقطات الفيلم هى اقحام موضوعة دخول الكنيسة واشعال الشموع للعذراء، وهو تأكيد من صانع الفيلم حول الوحدة الوطنية ما يذكرك بثلاثية "حسن الإمام"، كذلك افتعال شخصية "محسن محيي الدين" صديق الوالد، وكتابته رسالة الفتاة المحبوسة، والمشهد البوليسى المفتعل لإنقاذها.
ختاما فأن فيلم "صاحب المقام" هو فيلم متواضع للغاية، من حيث الفكرة والمضمون، أو الناحية الفنية، حتى على الصعيد التقني، ولكنها مغامرة تحسب لصناع الفيلم فى زمن الكورونا.

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار