أبطال الماضي وأبطال الحاضر

مشعل يسار
2020 / 7 / 26

====
لا يبقـــى أحيانا في أرض الأحيــــاء
من أبطال الماضي حتى سنا الأسماء
(من كلمات أغنية روسية)

يعتبر الأبطال تعبيراً مركّزاً ومشخصناً عن تلك الأعمال والخصال التي يحترمها ويجلّها مجتمع معين. والبطل شخص يُعبَد ويقلَّد ويحاول الأفراد أن يتساووا ويتمثلوا به. البطل صورة منقحة، وبدرجات متفاوتة، صورة أسطورية لشخص حقيقي. وقد جرت العادة أن يقام نصب تذكاري لمثل هؤلاء الأشخاص المميزين.
رافق عمليةَ البيريسترويكا الغورباتشوفية والإصلاحات اليلتسينية في الاتحاد السوفياتي، تلك التي استثارتها بالأمس وصرفت على إعدادها تريليونات الدولارات قلعة الرأسمالية العالمية الولايات المتحدة الأميركية بمعونة الصهيونية متسلحة بقناة سي إن إن، هدم النصب التذكارية لأبطال ثورة أكتوبر والحرب الأهلية 1917-1922 التي أستثارتها آنذاك دول الوفاق المتعاونة مع أعداء الثورة "البيض". وها هي الآن قد نشأت موجة عاتية مماثلة من تغيير الأبطال ولا تزال في تصاعد في أميركا نفسها.
من ذا الذي تمثله هذه الثماثيل البرونزية الواقفة منذ زمن بعيد هنا وهناك في الساحات والحدائق؟ في العصور القديمة العجاف، كان الأبطال، بغض النظر عما إذا كانوا ملوكًا أو قادة عسكريين أو فنانين، أشخاصًا متفوقين إلى حد ما على الناس العاديين: في القوة، في البسالة في الحرب، في الذكاء والمهارة. فهم مثلا ضموا إلى أراضي بلادهم أراضي جديدة، أو دافعوا بشجاعة عن الأراضي القديمة من تطاولات الأعداء، أو أصدروا قوانين حكيمة، أو اكتشفوا أسرار الكون، أو ألفوا قصائد رائعة وموسيقى خالدة. لهذا اعتبروا أبطالًا ونصبت لهم تماثيل وأنصاب. وعلى الرغم من اختلافهم، فقد وحّد هؤلاء الأشخاص أنهم كانوا فوق مستوى مجرد الشخص البسيط. وأنهم فعلوا ما لم يكن يتمكن هو من فعله. كان البطل يشد الإنسان العادي إلى فوق، إلى الأعلى.
والآن ها هي الناس تشهد رؤيا حزينة، تعيش نكتة سمجة مضحكة مبكية.
بطل أميركا اليوم، المعترف به من قبل الجميع، المصادق عليه من قبل دولة الآباء والأجداد وأربابها، هو جورج فلويد، مدمن المخدرات زائر السجون بدون مهنة محددة مدى سنوات. دفن في تابوت ذهبي، وانحنى أمامه وسجد نفاقاً كبار القوم من أهل السلطة والجاه. مثل هذا البطل ليس فقط لا يشد أحداً إلى الأرقى - إنه يدفع الإنسان العادي إلى الأسفل، إلى حضيض المجتمع. هو يعلم الآخرين أن لا شيء مطلوب منهم - لا دراسة، لا عمل، لا سعي، لا إجهاد. فالمطلوب منهم هو لا شيء. يمكنك إذن أن تكون مدمنًا على المخدرات ومجرمًا وستُرفع على الأكتاف إذا حالفك الحظ. هذا الموقف يستهين بالشخص العادي الصغير البسيط. فهو لا ينبغي له أن يسعى من أجل أي شيء، ولا ينبغي أن يحلم حتى بعمل شيء مهم وذي قيمة. فلم يعد من وجود لأية قيمة. لا شيء يتوقف عليك يا راجل!! تسألني: ماذا علي أن أفعل؟ لا شيء. فقط أن اجلس وأحدق في الجهاز. أو في زجاجة الخمر. من المفترض أن هذا هو ما يريد أسياد حياتنا اليوم أن يروه في السكان المغلوبين على أمرهم، المرشحين من قبلهم للتطعيم والترقيم بحيث يصبحون أداة طيعة في يد المقتدرين في هذا العالم، وإذا اقتضى الأمر يُماتون. وهذا ما يدل عليه هدم التماثيل أيضًا: فليست هناك حاجة إلى الأشخاص الأذكياء والأقوياء والمبادرين. يوجد المطلوب اليوم هو "البطل" الذي يجر الناس إلى أسفل.
علينا أن نتوقع ظهور مجموعة كبيرة من الأبطال الجدد الطالعين من مكب القمامة، "تُرستقهم" مختبرات العلوم السياسية. ويتم إستنساخهم صناعياً حسب الطلب. وستكون الحاجة كبيرة إلى أمثلل هؤلاء إذ يجب أن تحل تماثيلهم محل التماثيل المزالة على الركائز الخالية. سيكون هؤلاء أبطالاً في مواضيع مختلفة، لكنهم سيوحدهم جميعاً شيء واحد: أن يكونوا تحت مستوى رجل الشارع العادي.
في الواقع، لا يوجد شيء جديد جذرياً في هذا البطل المأخوذ من كومة القمامة. فقد تم عرض تجربة رائعة من هذا النوع في الثلاثينيات من قبل الدكتور غوبلز، وهو كان رجل دعاية موهوباً سبق زمانه.
كان مخلوقه المعزز هو هورست وسِل، المقاتل النازي، المجرم، القوّاد، الذي مات في شجار بين مخمورين على عاهرة. وعندما غادر "ابن العاهرة المفيد" هذا إلى عالم الآخرة بزعم أنه سقط قتيلاً على أيدي شيوعيين، رتب راعيه المسؤول غوبلز له جنازة رائعة، ثم ضخم شخصية هذا البطل المستجد إلى حد العبادة الحقيقية: ففي 15 أغسطس 1931، أجرى في برلين مسيرة تقديس لرايات الفوج الخامس الجديد في "فصائل الهجوم" (SA- Sturmabteilung) تحت اسم "هورست وسِل". وفي يوليو 1932، نشرت دار النشر الحزبية كتاباً تحت عنوان "Horst Wessel - Life and Death"، وفي الخريف، تم نشر رواية بعنوان "Horst Wessel" لهانز هاينز إيورز في 30 ألف نسخة. بضعة أبيات شعر يفترض أنها من تأليف البطل صارت أساساً لنشيد الحزب.
لعل الإنصاف يقتضي أن يوضع غوبلز و وسِل Goebbels) و(Wessel على ركيزتين من الركائز التي تم إخلاؤها - معًا، كما هما على ميداليات هتلر المخصصة لمناطق الضم القسري الهتلري. ومع ذلك، فقد كان النازيون هم الأوائل في إنشاء أبطال من كومة القمامة.
هتلر كان اشتراكياً قومياً (من هنا كلمة "نازي")، والديمقراطيون اليوم في الولايات المتحدة المعتبرون "يسار أميركا" الأقرب إلى الاشتراكية مع "الأنتيفا" هم رعاة هذه المهزلة وتحويل الصراع الطبقي فيها إبان الأزمة التي فتحت قيحها بدعة الكورونا كما تفقأ الدملة إلى صراع عرقي، تماما كما يحول عندنا في لبنان الصراع الأجتماعي إلى صراع طائفي كل مرة يحتدم فيها الأول. ولذلك ليس بالضرورة أن يستند المرء إلى المسميات ليتخذ الموقف الصحيح من هذا وذاك. فتشرتشل اليميني كان أكثر ميلا إلى التعاون الندّي مع الاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية وانتصارات الأخيربقيادة القائد الفذ ستالين من حزب العمال البريطاني، وأحزاب اليسار الصهيوني في إسرائيل شنت معظم الحروب على العرب إلخ.