أمور مزعجة

سلامة محمد لمين عبد الله
2020 / 7 / 21

اعتدت في صائفة سابقة الذهاب الى الجانب المقابل من الحائط المجاور للاستمتاع ببرودة الجو وقت صلاة الفجر و ربما النوم فليلا في ظله بعد شروق الشمس. المكان هاديء نسبيا، لكنه لا يخلو من بعض الامور المزعجة. أولا، يوجد نمل أسود متوسط الحجم، مجتهد و دؤوب، يسلك طرقا كثيرة يصعب تفاديها، فهو يجمع غذاءه في الصيف ليقتات و يدخره للشتاء، و قد ساعده في عمله هذا وجود الرمل الناعم بجانب الحائط، و إقامة مزرعة جديدة قريبة من المكان . أما مصدر الإزعاج الثاني، فهو الكلاب. فهي تنشط بشكل لافت أثناء ساعات الصبح الأولى، و تستغل ذلك الطريق الذي يحميه الحائط من جهة، و بنايات و سياج من الجهة الأخرى للوصول إلى وجهتها المقصودة. الكلاب تعرف الطريق جيدا و تراقبه بدقة قبل أن تمر منه، حيث تبدأ في النباح و المناورات لكي تعرف ما اذا كنت مستيقظا ام نائما. فاذا راتك تتحرك تنبح نباحا يائسا ثم تتفرق و تبحث عن طرق اخرى. أما إذا اعتقدت أنك نائم، فإنها تمر وسط مناورة شبه هجومية تتخللها أصوات تخويفية تشبه زئير الأسود، الغرض الأساسي منها هو الإنذار و حث بقية الكلاب على أخذ الحيطة الاسراع قدر الإمكان. لفت انتباهي فيما بعد أن كلبا استطاع في وضح النهار استدراج سيارة "طويوطا" لبعض المنمين الى ذلك الطريق المحصو ر من الجانبين، بينما كانت على وشك أن تدهسه، لأنه، على ما يبدو، يعرف أنه توجد حفر و رمال و مطبات كثيرة و أن الطريق في نهايته يتشعب في عدة إتجاهات أكثر صعوبة، فتزداد بذلك فرصه للنجاة بحياته من المطاردين، رغم أن الطريق يبدو ظاهريا في صالحهم. ذكاء الحيوان يفوق أحيانا ذكاء اليابان!
أما العامل المزعج الثالث، فهو الانسان، و هو صنفان: أجانب، و أهل البلد، اي نحن. الأجانب مؤدبون، عندما يكتشفون اني موجود هناك، يحاولون، تقدير المسافة بيني و بين الحائط، فادا كانت كافية، ينتظمون في صف و يمرون في هدوء تام. إذا لم تكن كافية، فإنهم يتركون ظل الحائط و يمرون بعيدا عني. أما أهل البلد، أي نحن، فلا يابهون لوجوي هناك مطلقا، يمرون بالقرب من رأسي و عند القدمين. إنهم يسيرون في خط مستقيم. في أحد الأيام، اضطررت الى النهوض و مغادرة المكان قبل الأوان لما لاحظت أن أحدهم وقف بالقرب مني و أخذ يتطلعني، كانه يستغرب نومي هناك أو يريد معرفة من أكون. إن تذكيره بأن ما يقوم به ليس أخلاقيا، لن يؤدي إلى شيء إيجابي. سيجادل فورا بأن المكان عام، و ليس مكانا للاستراحة و النوم، و سيحاول توظيف كل قوانين الدنيا لتبرير موقفه. ما يزعجني هو سلوك الانسان الصحراوي الذي تعود على العيش في العراء و النوم في ظل و دفء الاشجار و الصخور و المغارات و يعرف أن الظروف صعبة و ان الحرارة شديدة جدا، مقابل سلوك الإنسان الاجنبي الذي تعود على حياة المدينة و النوم في بيته و بئته الحميمية. الفرق بيننا و بين العالم يكمن في الكيفية التي نتصرف بها حيال موقف معين.