هل تأكيد العلمانية يمثل عقبة أمام التسامح الديني؟

زهير الخويلدي
2020 / 7 / 19

" التسامح وحده يمكن أن يعيد توحيد أولئك الذين فرقتهم المذاهب الدينية والأحزاب السياسية"
يبدو أن الخيار المتبقي أمام العالم العربي من أجل الخروج من النفق المظم الذي أحدثه الاستعمار هو تأكيد العلمانية في الحياة المجتمعية عن طريق التمييز بين الجانب العقدي الجماعي والتصور البشري للحياة. كما تواجه هذه الفكرة مجموعة من التحديات التي تصدر عن السلطة السياسية التقليدية وعن الحكم الشمولي العسكري ويتم تدعيمها بالوصاية التامة التي يزعمها حراس المعبد على تصرفات الناس وقيم المجتمع. كما هناك خلط كبير بين العلمانية التي شهدها الفضاء الأنجلوساكسوني في رحابتها ومرونتها من جهة واللائكية التي عرفها العالم الفرانكفوني في صرامتها وتصلبها وارتبطت بالنزعة الفكتورية من جهة ثانية.التخوفات متأتية أيضا من مالكي نفوذ الأمس الأبدي ومن حراس التاريخ التذكاري ومن الكهنة الجدد للسوق الرأسمالي الذين يروجون عبر وسائل الاتصال الحديثة لديانات مادية خالية من كل القيم الكونية. ربما المشكل هو أن المجتمع مابعد الصناعي أعادة انتاج القديم في ثوب جديد وسمح للمكبوت اللاواعي بالظهور على المشهد الاعلامي وساهم في بروز أشكال من التدين الافتراضي أكثر نعومة بالنسبة للمجال العام وأشد خطورة على المجال الخاص وأدى الى بروز الخصوصيات بقوة وعولمة العنف والتعصب للذات.بهذا المعنى أصبح مطلب استنبات العلمانية من الأمور المستعصية في المدينة العربية ومؤجلة على الدوام ان لم نقل انه غير قابل للتحقيق في المدى القريب وذلك لضعف بنيوي النخب المثقفة وصعود نظام التفاهة ولتبني الأنظمة السياسية خيارات تلفيقية من أجل المحافظة بها على استمراريتها واحتكار السلطة لنفسها.علاوة على ذلك يخشى الملأ من الاستبداد باسم الحداثة والتسلط تحت راية التنوير ومن التعصب المتأتي من العلمانيين ورغبتهم في الاستئثار بالمعرفة والمنفعة والسلطة ومن الاحتماء بالأجهزة الأمنية ضدهم. بيد أن الجدير بالملاحظة هو التصاق ظاهرة العلمانية ومسار العلمنة بالتاريخ المجتمعي للشعوب العربية وتنصيص التأويل على تعدد المعنى وكثرة الدلالات وتنوع أشكال الحياة وحرية الفعل والاختيار لدي البشر وحاجة السياسة الراشدة الى العقل وتحركها حول مبدأ المصلحة وتفضيلها مراعاة الواقع والممكن.على هذا الأساس لا يوجد تناقض جوهري بين العلمانية المفتوحة والموازنة التشريعية التي تم استنباطها من المخزون الحي للموروث الثقافي وانما هناك مواءمة وتعالق ومقاصد كبرى من تحقيق التفاعل بينهما في حركة تداولية وتجادل تاريخي وضمن أفق انسي وحاجة واقعية ينتظرها الجيل الصاعد في المستقبل.بطبيعة الحال تحتاج العلمانية السلمية الى تشغيل جملة من المبادئ والحقوق والحريات يتم التنصيص عليها بالقوانين والتشريعات ومنها الايمان الحر والتعددية في التأويل وحرية الاعتقاد وحرية الضمير.بيد أن مفهوم التسامح هو الأرضية الأولى التي تستند عليها العلمانية وتساعد على بناء العيش المشترك وتحويل قبول الغيرية واحترام الاخر الى مؤسسة رسمية ترسخ مبدأ المواطنة والمساواة التامة بين الكل.فكيف نجعل من مفهومي العلمانية والتسامح الديني شرطي إمكان لقيام الديمقراطية في العالم العربي؟
كاتب فلسفي