علامات غرق الحضارة الغربية في العدمية

زهير الخويلدي
2020 / 7 / 14

" العدمية هي عجز المعنى عن اعادة تشكيل عالم انساني"
لم تكد تخفت الأصوات المتحدثة بلغة النهايات والملوحة بالإنسان الأخير ونهاية التاريخ وأفول الغرب وخسوف العقل وتصدع الذات وشقاء الوعي وتيه الوجود وكذب الدولة وموت المؤلف وضياع القارئ حتى ظهرت أصوات جديدة تحذر من الكارثة وتنذر من السقوط في المنحدر الخطر وتلوح بعلامات بلوغ الانسانية مرحلة الغرق في العدمية وتبرر ذلك بتنامي الهويات القاتلة والأزمات الصحية المتناسلة واندلاع الحروب الجرثومية وهشاشة الوضع البشري والدوران في حلقات مفرغة وإعادة انتاج السائد وانحباس الابتكار استحالة الاقامة في العالم من خلال التشبث بالمعايير القديمة وتأخر تشكل معالم الحياة المعاصرة. فماهي الأمارات الدالة على الوقوع في العدمية؟ وكيف يمكن التعاطي معها؟ وما البديل الممكن دونها؟
العلامة الأولى هي ضبابية الحقيقة والاختلاف حول الطريق المؤدي اليها وترهل المناهج القديمة.
العلامة الثانية هي عبثية الوجود والشعور بان الحياة المشتركة لم تعد جديرة بأن تعاش وتآكل المعنى.
العلامة الثالثة هي الحيرة الأكسيولوجية وتفكيك المعايير وتحطيم المبادئ وتصحر البعد القيمي للذات.
ربما تكون الأزمة متأتية من الانطواء على الخصوصية المنطوية على ذاتها واعتداء العولمة المتوحشة على الكونية الانسانية وربما المخاطر المحدقة بالحياة الانسانية من جميع الجوانب وضعف المواجهة والوقاية والمناعة هي سبب دفع الناس الى الهروب الى الأمام والخوف من المستقبل والاختلاء بالنفس، ولكن الواقعة الكبرى التي أفاضت الكأس وجعلت البشرية مقتنعة بالهلاك الحتمي والمصير المشؤوم هي جائحة كورونا وحالة الهلع الجماعي وصعوبة التأقلم مع الوباء وحالة الشلل التام في ظل الحجر الشامل.
لقد وجد البعض ضالته في الهروب الى الدين والتصوف والميتافيزيقا والاستنجاد بالغيب وحاول البعض الآخر تلطيف الأجواء وفتح الآفاق المغلقة باستدعاء الفن والجماليات والمطالعة وتنشيط ملكة الخيال ولقد عبر فريدريك نيتشه عن ذلك بقوله:" لنا الفن لكي لا تميتنا الحقيقة" ولقد صرح هنري برجسن في ذات الموضوع ما يلي: " وهم ينعش خير من حقيقة تقتل"، ولكن الدرس الحقيقي الذي يجدر تعلمه هو حسن طرح السؤال حول الطارئ والمستجد والمباغت والمداهم والعسير والوضعية القصوى وحصار الزمن والموضع ونهشة الواقع ومعاودة التفكير في المصير الانساني وابداع مفاهيم قادرة على طرح مشاكلنا الفعلية على الأرضية التي يتحرك فوقها الفانون بحثا عن البقاء. يمكن الاختتام بما قاله الطغرائي " أُعَلِّلُ النفسَ بالآمال أرقٌبُها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل ". فهل يمكن للصحة والعافية والسلامة من كل خطر هي الفضائل الحيوية التي تدفع عنا بلاء العدمية؟ وأي ايجابية اثباتية في العدمية كما رأى نيتشه؟
كاتب فلسفي