الفرق بين اللغة الآرامية (السريانية)، والأكدية بلهجتي بابل وآشور، ج1

موفق نيسكو
2020 / 7 / 6

نكتب هذا المقال نزولاً عند رغبة بعض القرَّاء الكرام، وأيضاً لكشف تزوير بعض المتكلدنين والمتأشورين، أي السريان الذين انتحل لهم الغربيون حديثاً اسمين من اسمائ حضارات العراق القديم، فسَمَّوهم، كلداناً وآشوريين، لأغراض سياسية عبرية وطائفية.

مصطلح اللغات السامية هو مصطلح حديث أطلقه الألماني شلوتسر سنة 1781م، ورغم أنه أصبح مصطلحاً مقبولاً ومتداولاً، إلاَّ أنه ليس مصطلحاً لغوياً علمياً بحتاً، والمصطلح العلمي الصحيح اليوم للغات السامية هو، اللغات الجزرية، نسبةً إلى الجزيرة العربية- السورية التي تقع غرب الفرات من اليمن إلى غرب الفرات شمالاً في سوريا، وهي الموطن الأصلي للساميين ولغاتهم، واعتمد شلوتسر على سفر التكوين لأبناء سام إصحاح 10، في تقسيمه للغات، لكنه استثنى العيلامين والليديين رغم أن عيلام ولود هما ابنا سام، وفي نفس الوقت عَدَّ الكنعانية والحبشية في اللغات السامية رغم أن الكنعانيين والأحباش أي الكوشيين أو الأثيوبيين في سفر التكوين ليسوا من أبناء سام، بل من أبناء حام. (نيسكو: هناك من يرى أن سفر التكوين كان هدفه سياسي يهودي، فجعل كنعان ملعوناً وعبداً لإخوته ليستولوا على فلسطين أرضهِ، وقد ألمح بعض المؤرخين السريان والعرب واليونان إلى التسمية السامية لعوائل اللغات والشعوب أو علاقة اللغات ببعضها مستندين إلى العهد القديم قبل الاكتشافات الأثرية العلمية، مثل يعقوب الرهَّاوي وابن العبري وابن حزم والمسعودي وأوسابيوس القيصري وغيرهم، ويرتأي عدد من الباحثين اللغويين العراقيين اليوم أن يكون اسم السامية هو، اللغات العاربة أو العربية القديمة، وإني أرى أن مصطلح اللغات الجزرية أكثر توفيقاً كيلا يختلط مع اللغة العربية أولاً، ولأن الأقوام التي سكنت الجزيرة العربية- السورية أو نزحت منها، كان لها لغات خاصة بها كالآراميين والكنعانيين والحبشيين والعبريين ثانياً، وكيلا يؤول الموضوع سياسياً فيخلق مشاكل ثالثاً).

إن اسم اللغة تحدده خصائص كثيرة كالقواعد والاشتقاق والبيان والأفعال وتصريفها والإعراب والإبدال والحركات والصوائت والصوامت والحلقيات وأسماء الإشارة وعدد الحروف والأرقام والإبدال والإدغام..إلخ، وليس تقارب بعض الألفاظ في اللغات الذي هو نسبي، فالمعروف أن هناك بحدود 2500-3500 لغة في العالم (امييه وكوهين، عدد اللغات الحية في العالم 1952م، وجراي، أصول اللغة 1950م).

وجميع اللغات تنحدر من ثلاث مجاميع رئيسية هي السامية، الحامية، اليافثية (الآرية، الهندو- أوربية)، وهناك بعض التقارب حتى بين المجاميع اللغوية التي ليست ضمن العائلة الواحدة لدرجة أن بعض العلماء عَدَّ الساميين انحدروا من إفريقيا نتيجة تقارب الحامية مع السامية في بعض الأمور، ومن المعروف أن معظم اللغات تشترك في الحروف الأولى الأبجدية ألف باء، وكذلك ما يُسَمَّى بأولى الكلمات مثل أم، أب، أرض، حرف النفي، لا..إلخ.

هناك تفرعات وجداول عدة للغات السامية، وباختصار تقسم اللغات السامية عموماً إلى قسمين، الشرقية والغربية، الشرقية هي الأكدية بلهجتيها الجغرافيتين، البابلية- الآشورية، فقط، ولا يوجد لها شقيقة، أمَّا الغربية فتقسم إلى الكنعانية (الفينيقية) والعبرية والآرامية (السريانية)، والعربية والحبشية، وأقرب اللغات السامية لبعضها هي السريانية والعربية، فهما ليستا شقيقتين فحسب، بل أختان توأمان، والعربية هي أنقى اللغات السامية، أي أنقى من السريانية كما يقول اللغويين السريان أيضاً، والسبب أن العرب عاشوا منعزلين في الصحراء ولم تدخل في لغتهم مفردات كثيرة من اللغات الأخرى كاليونانية والفارسية وغيرها، وكتب كثير من الآباء السريان باللغتين السريانية والعربية، واقترضت اللغتان من بعضهما، إلاَّ أن اقتراض السريانية من العربية قليل، بينما اقتراض العربية من السريانية كثير، بحدود 3000 لفظة، 500 في كتاب الألفاظ السريانية في المعاجم العربية، للبطريرك السرياني أفرام برصوم، و2500، لفظة في كتاب، البراهين الحسية على تقارض السريانية والعربية، للبطريرك يعقوب الثالث، وهناك بحدود 3000 لفظة أخرى لم تنشر، وأغلب الألفاظ التي اقترضتها العربية من السريانية هي باللهجة السريانية الشرقية، أي بالفتح، واقتبس العرب من السريان حركات الإعجام وبعض القواعد، والخط العربي، ومنه خط القران هو سرياني (آرامي نبطي)، وجميع العلوم والفلسفة لم تتُرجم في المراحل الأولى من اليونانية إلى العربية مباشرةً، بل تُرجمها السريان من اليونانية إلى السريانية ومنها إلى العربية، وفي المراحل المتأخرة بعدها، ترجم السريان كتب اليونان من اليونانية للعربية مباشرةً.

مع أن اللغة الأكدية هي سامية شرقية يتيمة، لكن ساميتها ليست نقية وواضحة، وتختلف عن اللغات السامية الأخرى، فهي متأثرة تأثيراً مباشراً وكبيراً باللغة السومرية من كل الجوانب، وتأثرت بشكل أقل أيضاً بالحورية والحثية والعمورية وغيرها، وهي في النطق تشابه الكنعانية والعبرية، وفي التصريف واستعمال التراكيب تشابه العربية الجنوبية والحبشية، وحتى لهجتا الأكدية، البابلية والآشورية، تختلفان فيما بينهما اختلافاً ليس يسيراً، وقبل اكتشاف الآثار منتصف القرن التاسع عشر لم يكن العالم يعلم ماذا كان اسم لغة السومريين والأكديين والآشوريين القدماء وغيرهم، وبعد اكتشاف الآثار، تبيَّن أن البابليين والآشوريين لم تكن لديهم لغة، إنما كانت لغتهم أكدية بلهجتين جغرافيتين، بابلية وآشورية، والأكدية هي بأبجدية مسمارية لا تمت بصلة إلى أي لغة معاصرة، واقتبسها البابليون أصلاً من السومريين، وارتأى بعضهم تسميتها الأكدية السومرية، وكانت كتابتها قريبة في البداية من الكتابة الصينية الرمزية الصورية بحدود سنة 3000 ق.م.، ثم تطورت من الصور إلى استعمال الأنماط المنحوتة الشبيهة بالمسامير، وبحلول سنة 2400 ق.م. اعتُمد الخط المسماري لكتابة اللغة الأكدية، واستُعمل نفس الخط بعدئذ في كتابة لهجتي بابل آشور التي يُسَمِّيها المستشرقون، الكتابة الأسفينية المثلثة أو المسمارية، ولم يكن بالإمكان كتابتها على الورق أو الجلود أسوةً باللغة الآرامية والهيروغليفية المصرية، بل على الطين فقط ثم يتم حرقه ويُسَمَّى (الآجر)، وهي كلمة بابلية قديمة بقيت مستعملة إلى اليوم، وتُقسَّم أدوار اللغة الأكدية:

الأكدية القديمة 2340 تقريباً-1950 ق.م.
الأكدية بلهجتها البابلية القديمة 1950-1550 ق.م.
الأكدية بلهجتها الآشورية القديمة 1990-1330 ق.م.
الأكدية بلهجتيها البابلية والآشورية الوسيطة 1500-950 ق.م.
الأكدية بلهجتها البابلية الحديثة الأولى 950-625 ق.م.
الأكدية بلهجتها الآشورية الحديثة 950-610 ق.م.
الأكدية بلهجتها البابلية المتأخرة 625-500 ق.م.

بقيت اللغة الأكدية مستعملة منذ سنة 2300 ق.م. تقريباً إلى القرن السادس قبل الميلاد، ثم بدأت تسير إلى الموت نتيجة قواعدها الصعبة وكتابتها المعقدة، حيث أقصتها اللغة الآرامية (السريانية) لسهولتها، فاكتسحت الآرامية بلاد آشور وبابل ابتداءً منذ القرن الثامن قبل الميلاد، واستمرت اللغة الأكدية أحياناً وبشكل قليل جداً كلغة رمزية وعسكرية سرية ودينية في المعابد إلى أن ماتت تماماً في القرن الأول قبل الميلاد (الدكتور سامي سعيد الأحمد، كلية الآداب جامعة بغداد، المدخل إلى اللغات الجزرية، ص10-18، 26).

ولأن اللغة الأكدية صورية ومسمارية وغريبة، لذلك فإن بعض الهواة وأوائل الرحَّالة والمنقبين عن الآثار في العراق عندما نقلوا بعض القطع المكتوبة بالخط المسماري إلى أوربا قبل القرن التاسع عشر، احتاروا وظنوا أنها نقوش أو زخارف (طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، ج1 وادي الرافدين، ص120)، وهنري لايارد نفسه لم يعرف في بداية اكتشافاته الأثرية في نينوى وضواحيها ما هي هذه اللغة، فأرسل رسالة إلى والدته في نيسان 1846م يقول: يسرني أن أقول لكِ إني توصلت إلى بعض النتائج مثل أسماء المدن والأشخاص ولكن إلى الآن لم استطع فك خطوطها، ولكن بمساعدة الميجر راولنصون، آمل أن أتوصل قريباً إلى حل أبجديتها، أمَّا بالنسبة للغة فهل هي كلدانية؟، أو هي واحدة من اللهجات المنسية التي تعود لإحدى اللغات التي لم تزل موجودة ويمكن التوصل إليها بالبحث والمقارنة؟، أو هي لغة غير معروفة لا بد من إعادة بنائها من جديد؟. (نو أكوبي، الطريق إلى نينوى، ص269–270).

عندما بدأ المستشرقون المتخصصون في اللغات في القرن التاسع عشر، أمثال الألماني جورج فريدريك جورتفند (1775–1853م) والأيرلندي إدوارد هنكس (1792–1866م) وفريدريش ديلتش (1850–1922م)، وراولنصون أبو الخط المسماري، وجوليس اوبرت (1825–1905م) وغيرهم، بدراسة آثار نينوى وبابل، واجهوا صعوبات كبيرة في حل رموز لغتها المسمارية، واستطاعوا التوصل إلى حل رموزها بمقارنة نص واحد مكتوب بلغات أخرى معروفة إلى جانب الخط المسماري على نفس القطعة الأثرية كالفارسية والعيلامية والبابلية القديمة، ومقارنة ذلك مع المصادر التاريخية خاصة الكتاب المقدس، وأخيراً أعلنوا أنهم اكتشفوا لغة قديمة ميتة استطاعوا حل رموزها (حامد عبد القادر، الأمم السامية ص22. علماً أن مفتاح الحل كان حجر بهستون الإيراني الذي كان مكتوباً بثلاث لغات هي المسمارية والفارسية والعيلامية، واستطاع العلماء سنة 1850م ترجمة النصين الفارسي والعيلامي، وبعد مقارنة النصوص المترجمة حُلّت رموز الخط المسماري سنة 1860م. وانظر طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، ج1 ص122-124).

في بداية الأمر احتار علماء اللغة ماذا يُسَمُّون هذه اللغة والكتابة، فسَمَّوها في البداية، لغة العصر الشبيه بالكتابي Proto Literate، ثم سَمَّوا الكتابة المكتشفة، الأسفينية أو المسمارية Cuneiform، لأنها ليست صورية بحتة كالصينية والهيروغليفية ولا حَرفية (ذات حروف) كالآرامية، بل شكلها يشبه الأسفين (الوتد) أو المسمار، ويقول الدكتور أحمد سوسة: إن نقَّاري مدينة الموصل الذين كانوا يعملون في جامع النبي يونس (يونان) بإشراف هرمز رسام سنة (1888–1891م)، هم أول من أطلق اسم الكتابة المسمارية على الخط المسماري، لأنهم على بساطتهم لاحظوا أن الكتابة تشبه المسامير (أحمد سوسة، تاريخ حضارة وادي الرافدين، ص155. ونقَّار يعني المشتغل بالحجارة، علماً أن جميع نقَّاري مدينة الموصل هم من السريان تحديداً، مثل أسرة معمار باشي النقار، عازار، سكوني، عزوز، السبع، بطي، وغيرهم، وبذلك تكون الصدفة قد مكنت هؤلاء البسطاء من السريان أن تكون لهم كلمة تاريخية في هذا المجال).

كان من الطبيعي على هؤلاء العلماء أن يطلقوا اسماً معيناً على اللغة المكتشفة، ولأن أغلب الكتابات اكتشفت في نينوى عاصمة آشور القديمة، لذلك أطلقوا عليها في البداية اسم اللغة الآشورية، ولكن بعد أن انجلت آثار بابل في جنوب العراق ولاحظ العلماء التشابه الكبير بين اللغة البابلية والآشورية، اتضح لهم أن لفظة آشور لا تفي بالمراد، فأطلقوا على كتلة اللهجات السامية في العراق اسم اللغة البابلية الآشورية، ثم استخلص المستشرقون المحدثون من النقوش المسمارية أن أهل بابل أطلقوا على لغتهم اسم الأكدية، ومنطقة بابل كانت تُعرف بأرض أكد، وأن عدداً من ملوك بابل في الآثار والنقوش المكتشفة، لُقِّبوا باسم ملوك أكد وسومر، وهو مطابق لأسماء المناطق كما في التوراةوبذلك استقر اسم التسمية الأكدية على هذه اللغة في منتصف القرن العشرين (انظر أ. ولفنسون، تاريخ اللغات السامية، ص22 هامش1. و (The Assyrian Dictionary قاموس آشوري)، 1964م، ص7).
وشكراً/ موفق نيسكو، ويليه ج2