مسارات التحرر في الفلسفة المعاصرة

زهير الخويلدي
2020 / 6 / 10

استهلال:
" التحرر هو فعل التحرير، بأن يصير المرء حرا. وهكذا ، فإن التحرر يكمن في عملية إعطاء شخص ما أو اكثر حق التصرف في مصيره على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي"
لقد سعى الفكر الفلسفي الى التمييز بين الحرية والتحرر على مستوى التصور النظري والممارسة العملية وربط الحرية بالقيمة والمعطى والمعنى والهدف بينما حصر التحرر في الجهد والمسار والعمل والكفاح. لقد أنزلت الفلسفة المعاصرة مقولة الحرية من سماء التنظير الميتافيزيقي وخلصتها من مختلف التصورات التيولوجية واعتقادات القضاء والقدر والجبرية والضرورة وأنزلتها الى أرض التجربة والمحيط التاريخي. ولقد انعكس هذا التمييز على صورة الفيلسوف لذاته ودوره الطليعي في المجتمع وعلى العلاقة المفترضة بين النظرية والممارسة وصار المطلوب من الثقافة أن تلعب دورا سياسيا ومن السياسة ان تلتزم بمقررات النظرية الاجتماعية وزاد الارتباط بين الاجتماعي والنفسي والجسدي وتشكل كوجيتو متعدد الأبعاد. لكن ما قيمة الشغل عند ماركس في تطوير الوعي والانتقال به من أسر الضرورة الى مسار التحرر؟ وكيف جعل نيتشه التحرر يقترن بثورة ارادة الاقتدار التي يبديها الجسد على المثال الزهدي للروح؟ وماذا يقصد فرويد بالحتمية اللاشعورية وبتبعية الوعي لسلطة اللاوعي وخضوع الأنا لأوامر أسياد ثلاث؟ والى أي حد تمكن ماركوز بالجمع بين ماركس وفرويد من اخراج الذات من الاغتراب الى الانعتاق؟
ما يتم المراهنة عليه في النظرية النقدية هو الانتقال من التصور الميتافيزيقي للحرية الى التصور التاريخي للتحرر والخروج من الوحدة الجوهرانية الى الكثرة الجسدانية ومن الحرية الى الحريات.
الشغل والحرية عند ماركس:
" يبدأ ميدان الحرية حين يتوقف العمل الذي تحدده الضرورة"
يفرق ماركس بين حرية الإنسان وحرية المواطن وبين حرية الفرد البرجوازي وحرية العامل ويبحث في إشكالية الحرية ضمن علاقة الدولة السياسية بالمجتمع المدني ويرى أن الرأسمالية اختزلت الإنسان في العضو الذي ينتمي إلى المجتمع البرجوازي وأن حق الإنسان في الملكية الخاصة والتمتع والتصرف بتلقائية في ثروته دون أن يأخذ الغير بعين الاعتبار هو التطبيق العملي لحق الحرية الذي ينص عليه البند السادس من الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن لسنة1791 والقاضي بأن الحرية هي قدرة الإنسان على فعل ما لا يضر بالغير وبعبارة أخرى هي الحق في فعل ما لا يضر بأي شخص آخر حسب القانون. لقد تفطن ماركس لظاهرة الاغتراب الذي يكمن وراء ادعاء الحرية وكشف عن زيف الحق في الأنانية وفسر الصراع الطبقي من خلال ما يجده المرء عبر هذه الحرية في إنسان آخر من حدا وليس تحقيقا لها. من المعلوم أن التحرر هو فكرة أساسية في فلسفة ماركس الاجتماعية وذلك ضمن الجدلية المادية التاريخية وتحويل الوعي الايديلوجي الى وعي ثوري يجد السعادة في الخلاص السياسي من التبعية والوصاية ويتجه نحو قلب الأوضاع لصالح الطبقة العاملة عن طريق القضاء على الجهزة التسلطية والبنى الاقتصادية للملكية الفردية وايجاد أرضية جديدة للفعل السياسي يتم فيها التوزيع العادل للثروة وتحقيق الخير العام. من هذا المنطلق يعلن كارل ماركس في كتابه المسالة اليهودية شروط تحقق الحرية :"حينما يتمكن الإنسان الفرد الواقعي من تملك المواطن المجرد ، حينما يتحول من إنسان منعزل في حياته التجريبي وعمله وعلاقاته إلى كائن ممثل البشر جميعا، حينما يتعرف على قواه الخاصة به باعتبارها قوى اجتماعية ينظمها باعتبارها كذلك، ولا ينعزل عن القوة الاجتماعية تحت غطاء السلطة السياسية ، حينها فقط تتحقق الحرية الإنسانية". لكن الى اي حد تمكن ماركس من تخليص الإنسانية من الاغتراب والسيطرة والاستغلال والعبودية الجديدة التي تكرسها الرأسمالية؟ أليست " الحرية هي الفضيلة الممكنة للذي يعرف الرذائل الضرورية للعبودية"؟
التحرر بماهو اقتدار عند نيتشه:
حاول نيتشه تحرير الفكر وإصلاح الحضارة من خلال قلب الأفلاطونية ونقد المسيحية وتعرية الميتافيزيقا والانتصار للجسد والحياة المادية على حساب الروح والحياة الفكرية وركز على القيمة والمعنى للوجود.
يقوم نيتشه بعد ذلك بتطوير موضوع التحرر من مُثُل الميتافيزيقيا والدين والأخلاق والعلم ،. العلم يتحرر أقل بسبب اليقين والنتائج منه بسبب منهجته والشك الذي يتطلبه. هذا الاستجواب سيجعل نيتشه يتساءل ، "لماذا تفضل الصواب على الصالح ، الصالح على السيئ ، الجميل على القبيح؟" سيؤدي هذا التحول في الاستجواب الفلسفي إلى موضوعات الإرادة في السلطة ، وعكس القيم ، والعودة الأبدية ، والانسان الارقى: أن تكون الإرادة في السلطة ، أي أن تكون القدرة على الإدلاء بفرض القيم التي تستحق العودة إلى الأبد. الانسان الخارق هو بالتحديد الشخص الذي لا يندم على أي شيء ويخلق العالم بأسره بصفته خالق القيمة. كما يهاجم نيتشه بشدة التفاؤل وأحلام الأمان الهادئ وينقد الثقافة الغامضة التي تحول البشرية إلى قطيع خادع ويدين "الاستياء" وما يسميه أخلاق العبيد ويصرح "هناك حرية فقط للأرواح الحربية". زد على ذلك يناقض نيتشه، بالرجوع الى التراجيديا وشوبنهاور، بين شخصية ديونيزوس (الإفراط ، عدم التعيين) وشخصية أبولون (البناء ، التصميم) ، ويقترح أن يحل التناقض في العمل الفني المأساوي. كما يعد نيتشه ، جنبا إلى جنب مع ماركس وفرويد ، أحد الفلاسفة الذين ساهموا بشكل كبير في إزالة الغموض عن السلوك الإنساني وكيفية تشكل الأخلاق التقليدية. سوف يعترف فرويد بنيتشه على أنه رائد في التحليل النفسي. (انتقادات لامتياز الضمير ، واستنكار الاستياء والاعتراف بأسبقية اللاأخلاقية على العقلانية).
الحتمية السيكولوجية عند فرويد:
بعد اكتشاف فرويد اللاشعور وتسديده طعنة جديدة للكبرياء الإنساني باتت الحرية مثلها مثل الوعي من الأمور المستحيلة وصارت الذات غير قادرة على أن تكون سيدة حتى في بيتها ولا يقدر الأنا على التحكم في أقواله وأفعاله وأفكاره ولعبة في يد اللاوعي وخاضع لهزات الجهاز النفسي وما يعترضه من حالات مرضية مزعجة مثل كوابيس الأحلام وتابع لماضيه الطفولي وأمراضه وعقده الدفينة ومكبوتاته العميقة. عندما يعاني الإنسان من مرض العصاب يشعر بالألم ولا يجد راحته في أي شيء ولا يقدر على إكمال أعماله ويتهرب من المسؤولية ويهرب من المجتمع ويصيب المرض قوة النفس في بيتها الخاص بالضعف ويتكاثر عليها الضيوف الغرباء وتداهمها الأفكار بصورة مباغتة تفقده الإرادة ومعرفة ما يحدث داخله وبالتالي لم يعد يتصرف الأنا كملك مطلق ويكتشف أن المجال النفسي يختلف عن مجال الوعي ويشرع في تعلم معرفة ذاته ويلاحظ وجود نوابض لاواعية وسيرورات لاشعورية لا تعرفها إلا عبر إدراك ناقص.
فكرة التحرر عند هربرت ماركوز:
لماذا يقر ماركوز غياب الحرية في المجتمعات الصناعية المتقدمة؟ ما هي الشروط الأساسية لتحقيق وممارسة الحرية؟ ما دلالة المشروع الفلسفي للتحرر الذي اقترحه ماركوز وماعلاقته بمفهوم الثورة؟
لأنه يتم إنشاء المجتمعات الصناعية المتقدمة عن طريق الأيديولوجية وتخصيبها ، فإنه يتم افراز حرية تعيسة ولذلك تحاول المقاربات الماركسية مع ماركوز نقد التعبيرات السائدة في هذه المجتمعات على إظهارها. ومع ذلك ، فإن المتطلبات الأساسية للفكر السلبي تجعل من الضروري تقييد معايير التحول اللازمة وتحديد ما يجب أن يكون. هذا الانعكاس هو عرض لمنهج الحرية الذي تقترحه "النظرية النقدية" والذي يقترح الانخراط في تجربة تحرر ضد الإنسان ذي البعد الواحد وضد الرأسمالية في أعلى مراحلها، ويقترح في "ايروس والحضارة " النضال ضد القمع الذي تتعرض له الغرائز وضد الظلم الاجتماعي وتركيز الاهتمام على التحرر السياسي من الدولة الشمولية والتحرر العاطفي من العلاقات السلطوية. كما تعرف المهمة الأيتيقية للمشروع الفلسفي تدبيرها الكامل في الفكر السياسي وفي التطبيق العملي. ومن هذا المنطلق فإن أي تغيير في أساليب التعبير عن الوجود يفترض تعطيلًا للعقلانية السائدة في البلدان الصناعية المتقدمة. إنه يشير إلى أنظمة التمثيل الجماهيري ، إلى المجتمع العلمي التكنولوجي بقدر ما يشير إلى "التفكير الإيجابي". بعد التعرف على هذه المظاهر الجماعية على أنها مهمة في النظام التاريخي الملحمي ، يتعهد ماركوز بإظهار وظيفة الحرمان فيما يتعلق بحرية الإنسان وتحقيقه. من البديهي أن ينطوي الحكم الماركوسي على مفهوم تمييزي للحرية ، يُفترض أنه مثالي ولكن مع ذلك يمكن تحقيقه بشكل موضوعي من خلال تحرير النظام الملموس. علاوة على ذلك ، فإن فكرة الحرية ، مثلها مثل أي شيء آخر ، تكتسب حقيقتها فقط عندما تتم المصادقة عليها من خلال فعل حقيقي. يدعي ماركوز أن التاريخ الاجتماعي والسياسي الحالي يقدم الظروف الموضوعية والذاتية اللازمة لتجسيد الحرية. ويؤكد هذا التأكيد بمعرفة طبيعة اليوتوبيا . لكن قبل رغبته في تخيل عقلانية التحرر ، يظل مشروع التحرر عند ماركوز مشغولاً بالبعد النقدي. من ذلك ، ينشأ الوعي الواضح للإيديولوجية من الفكر الديالكتيكي الذي يرتبط بها. وبدون ذلك ، يبدو فهم عدم وجود الحرية في المجتمعات الصناعية المتقدمة صعباً.
خاتمة:
خلاصة القول أن مفهوم الحرية شهد تحولات عاصفة في الفكر المعاصر وفكرت فيها اختصاصات جديدة في العلوم الانسانية على غرار علم الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم اللغة وأضيت اليه حمولة دلالية جديدة ولم يعد يعني الاستقلالية والسيادة على الذات والسيطرة على الانفعالات والأهواء بل التقى بالمسارات النفسية والعضوية الساعية الى الانعتاق والخلاق في معركة يخوضها الأنا مع غيره للاندراج في العالم والانتصار على كل القيود المادية والأوهام التي تحاصره في عملية اثبات كينونته.
في الظاهر تبدو الماركسية متناقضة مع مطلب الفرد في الحرية وتظهر النتشوية على أنها تفرض على الجسد ارادة قوة جديدة وتتصف الفروية بالمدح الذي تمنحه لللاوعي والغرائز والماضي الطفولي ولكن العمل الكبير الذي قام بهم ارموز في الايروس والحضارة يبين أن التقدم البشري يتم بالتخلص من القمع. فهل يكفي حصر التحرر في مهمة الاشباع للرغبات والتلبية للحاجات لكي يكون المسار المحقق للحرية؟
كاتب فلسفي