موقع لبنان في الإقليم

محمد سيد رصاص
2020 / 5 / 16


في يوم الأربعاء 12كانون الثاني/ يناير 2011، أُسقطت حكومة الرئيس سعد الحريري من قِبل أطراف ثلاثة، هي: حركة أمل وحزب الله والتيار الوطني الحر، مع وزير مستقل، كانوا يمثّلون أحد عشر وزيراً من أصل ثلاثين. كان بالغ الدلالة أن تُعلن تلك الاستقالات للوزراء الأحد عشر، أثناء اجتماع الحريري مع الرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض، إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ اتفاق الدوحة (21 أيار 2008)، الذي أنتج حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية (برئاسة فؤاد السنيورة عام 2008، ثم الحريري عام 2009)، كان حصيلة اتفاق أميركي ـــــ إيراني وافقت عليه السعودية وتركيا وسوريا. هنا، كان حزب الله، من خلال موافقته على اتفاق الدوحة، يريد القول إنه لن يشتغل بمفاعيل «7 أيار 2008»، التي عنت انكسار معسكر 14 آذار أمام معسكر 8 آذار، بعد صراع استغرق ثلاث سنوات، في قراءة من قِبل الحزب لتعقيدات التركيبة اللبنانية، التي لم تسمح بدورها لمعسكر 14 آذار أن يحكم وفقاً لما يريد في فترة 2005 ـــ 2008. وجاء ذلك أيضاً، في مراعاة منه لقراءة اللوحة الإقليمية التي كانت تقول بأن التحالف الإيراني ـــ السوري في الإقليم لم يمنع تباينات بين دمشق وطهران تجاه العراق المغزو والمحتلّ، ولم يمنع حصول تقارب سعودي ـــ سوري في لبنان، تُرجم في فترة 2008 ـــ 2010، بمعادلة أسماها الرئيس نبيه بري بالـ«س ـــ س»، كما لم يمنع دعماً مشتركاً سعودياً ـــ سورياً ـــ تركياً لقائمة «العراقية» بزعامة إياد علاوي ضدّ قائمة «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، المدعوم من طهران في انتخابات البرلمان العراقي، في شهر آذار/ مارس 2010.

كان تخلّي دمشق عن علاوي واتّفاقها مع طهران على دعم المالكي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2010، مؤشّراً على اصطفاف إقليميّ جديد أنذر بانفراط التحالف السوري ـــ السعودي ـــ التركي في المسألة العراقية، وبانفراط معادلة «س ـــ س» في بيروت، وعلى الأرجح أنبأ ذلك عن اللوحة الإقليمية التي وقفت مع السلطة السورية وضدّها في فترة ما بعد نشوب الأزمة السورية، بدءاً من درعا في 18 آذار/ مارس2011. طبعاً، كانت واشنطن بيت القصيد، وهي موضع التصويب، وإلّا لما جرت تلك الاستقالات أثناء اجتماع أوباما والحريري، في رسالة بانفراط معادلة اتفاق الدوحة الذي هو أساساً اتّفاق أميركي ـــ إيراني يخصّ بيروت. تماماً كما كانت عودة المالكي لتولّي رئاسة الوزراء في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2010 تعبيراً عن اختلالٍ لصالح طهران في المعادلة التوازنية الأميركية ـــ الإيرانية التي أوصلته عام 2006 إلى رئاسة الوزراء العراقية. ما جرى في بغداد وبيروت، آنذاك، كان يُنذر ببدء مواجهة إيرانية ـــ أميركية لم تنتهِ سوى مع الاتّفاق الأميركي ـــ الإيراني حول البرنامج النووي الإيراني عام 2015 والذي كان من مفاعيله اتّفاق أميركي ـــ إيراني على انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للبنان في عام 2016، ولكن من دون موافقة الرياض على ذلك، في وقت كان هناك خلاف سعودي ـــ أميركي يتعلّق باتّفاق أوباما مع الإيرانيين. وقد انعكس ذلك في معارضة السعودية للتسوية الرئاسية التي كان أحد أطرافها سعد الحريري والتي أتت بعون إلى قصر بعبدا، وصولاً بعد سنة من ذلك، إلى ما جرى في الرياض من محاولة لإجبار الحريري على تقديم بيان استقالته.
ليس يوم 12 كانون الثاني/ يناير 2011 يوماً عادياً في تاريخ لبنان، ففيه انكسرت معادلة «الدوحة» التي جرت محاولة تجبيرها عبر «التسوية الرئاسية» عام 2016، قبل أن تموت معادلة هذه التسوية الرئاسية مع بدء احتجاجات واسعة في المجتمع اللبناني، بدءاً من يوم 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019ثم استقالة الحريري من رئاسة الوزراء اللبنانية بعد أسبوعين من ذلك. عملياً، معادلة «الدوحة» هي صيغة جديدة لاتفاق الطائف، أو خريطة تنفيذية له، غير التي كانت معتمَدة في فترة ما بين عامي 1989 ـــ 2008. بين يومي 12 كانون الثاني/ يناير 2011 و31 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، عاش لبنان أزمة سياسية، وهو يعيشها الآن منذ يوم 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ويبدو أنّ حزب الله كان واعياً لهذا الأمر، لذلك كان تمسّكه حتى اللحظات الأخيرة، بإعادة الحريري إلى السراي الحكومي.
في هذا الإطار، هناك قضايا عدّة: منذ ذلك اليوم من عام 2011، لبنان هو ساحة لتجابه إيراني ـــ أميركي تمّت تسويته عام 2016، من دون رضا الرياض، ثمّ عاد هذا التجابه مع تعاضد سعودي ـــ أميركي في الساحة اللبنانية، للاشتعال مع إلغاء دونالد ترامب في 8 أيار/ مايو 2018، توقيع أوباما على الاتّفاق النووي مع إيران. مع القرار الدولي 1559 (2 أيلول/ سبتمبر 2004)، أصبح لبنان ساحة لمجابهة أميركية ـــ سورية، من خلالها دفعت دمشق في بيروت ثمن سياستها المعارِضة لواشنطن في العراق المغزو والمحتل، حتى إخراج الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان/ إبريل 2005. في اشتباكات منطقة الجامعة العربية في الشهر الأول من عام 2007 في بيروت تمّ حلّ الموضوع عبر لقاءات بين علي لاريجاني وبندر بن سلطان، وهو ما أشّر إلى أنّ طهران قد أصبحت أقوى من دمشق في بيروت، بخلاف فترة ما قبل 26 نيسان/ إبريل 2005، عندما كان اتفاق الطائف عام 1989 ومفاعيله في المؤسسات اللبنانية مبنيّاً على توافق أميركي ـــ سعودي ـــ سوري، هذا التوافق، الذي انفرط عامي 2004 و2005. حرب 2006، هي محاولة فاشلة من تل أبيب، بالوكالة عن واشنطن، لضرب نفوذ إيران في لبنان.
تلفت النظر، هنا، ظواهر عديدة: في فترة ما بعد اتفاق الدوحة، وحتى نهاية عام 2010، دخلت إلى المصارف اللبنانية ودائع من الخارج، تصل إلى 30 مليار دولار. كانت الفوائد المرتفعة في المصارف اللبنانية على الودائع، جاذبة، وكذلك الأزمة المالية ــــــ الاقتصادية العالمية (بدءاً من أيلول/ سبتمبر 2008) التي ألقت بمفاعيلها السلبية على منطقة الخليج، وكانت سبباً في هجرة أموالٍ من هناك نحو بيروت. ولكن، بالتأكيد، كان لتوافق الدوحة أن يكون الممرّ والمظلّة لهذه الحركة النقدية. منذ عام 2011، بدأ العجز في ميزان المدفوعات اللبناني، وبدأ الانحسار في تدفّق المال الخليجي نحو بيروت، الأمر الذي ازداد بعد التسوية الرئاسية عام 2016، ثم وصل إلى قوّة أكبر في مرحلة ما بعد يوم بيان استقالة الحريري من الرياض، يوم 4 تشرين الثاني/ نوفمبر2017. في فترة ما بعد إلغاء ترامب للتوقيع الأميركي على الاتفاق النووي، عام 2018، أخذ الضغط الأميركي على حزب الله، وعبره طهران، شكلاً اقتصادياً، ولم يأخذ الشكل الذي أخذه عامي 2004 و2005، الضغط الأميركي على دمشق في بيروت، من خلال استقطاب واشنطن لشريحة اجتماعية لبنانية كبيرة ضد الوجود السوري.
يمكن هنا الرجوع إلى الماضي: كانت بيروت في أيلول/ سبتمبر 1958، من خلال توافق واشنطن والقاهرة على فؤاد شهاب رئيساً للبنان، مدخلاً إلى توافق القوة العالمية الكبرى مع القوة الإقليمية الكبرى، في ظلّ توتّر علاقات الرئيس جمال عبد الناصر مع موسكو. في 1 حزيران/ يونيو 1976، عندما دخل الجيش السوري إلى لبنان، كان ذلك بتوافق أميركي ـــ سوري، من دون رضا السوفيات. التوتّر الأميركي ـــ السوري، الذي بدأ عام 1981، تم حلّه من خلال اتفاق الطائف، في خريف 1989، في اللحظة السياسية التي بان فيها أنّ هناك بداية غروب للقطب السوفياتي العالمي.
السؤال الآن: هل تكون بيروت ميداناً لتلاقٍ بين طهران وواشنطن، كما كانت بغداد نوري المالكي عام 2006، وكما توحي المؤشّرات بأنّ الأمر كذلك، مع غلبة أميركية نسبية في الحكومة العراقية الجديدة، برئاسة مصطفى الكاظمي؟