لبنان: جلسة التحدي الكبير لحكومة التكنوقراط وقروض صندوق النقد

مشعل يسار
2020 / 5 / 8

صرح رئيس الحكومة حسان دياب في اجتماع لمجلس الوزراء اللبناني بأن الحكومة معنية بحماية الناس من كل تاجر انتهازي ومن كل محاولة لتجويعهم.
واستغرب "ارتفاع أسعار المنتجات اللبنانية والخضار... ولا علاقة للأسعار بارتفاع سعر صرف ​الدولار​". (؟؟؟!!!)

وشدد على "اننا أمام مواجهة حقيقية مع موجة الغلاء، ولا يجوز أن نبقى مكتوفي الأيدي وكأننا غير معنيين. وأن الحكومة معنية بحماية الناس من كل تاجر انتهازي، ومن كل محاولة لتجويع اللبنانيين، ومن غير المقبول أن يتصرف التجار بحرية، وأن يغيب الضمير الإنساني والوطني عند بعض التجار المتحكمين بالأسواق عبر فرض الأسعار الخيالية، ومن الضروري أن نمنع بعض التجار من التحكّم بأسعار المواد الغذائية".

وتحدث عن "أن الأجهزة الرقابية و​الأجهزة الأمنية​ و​البلديات​ يجب أن تكون شريكة بمواجهة وباء ارتفاع الأسعار".

شكراً لرئيس حكومتنا الذي لم نعرف بعد خيره من شره باستثاء التمنيات الطيبة والتهديدات ضد المذنبين في ما أُلنا إليه دون تسمية أو تحديد أو دون قرن التهديد باالفعل حسب قاعدة الجريمة والعقاب، وهو الذي يتصرف من ضمن النظام الاقتصادي الحر حيث حرية نهب قوت الشعب ومدخراته مضمونة من خارج القانون ومن داخله، ومن ضمن وضعه الهش من دون حزب قوي داعم له يمثل المصلحة الشعبية العامة لا المصالح الطائفية والفئوية والرأسمالية العامة، مصالح 8 و14 آذار المتحاصصتين وما يتبع لهما من مصارف نهبت الشعب ومدخراته. وإن أية أجهزة رقابية لن يكون لها أي مفعول إذ إننا عهدناها واللجان المشكلة لهذا الغرض خلال كل العهود التي مضت.

أولا، لمَ تضييع السبب علماً أنه ليس صحيحاً أن لا علاقة للدولار بالغلاء. فسرقة المال العام والخاص من قبل المصارف "الحرة" حقاً وفعلا ومن قبل المسؤولين كل المسؤولين بتفاوت ولكن بتكافل وتضامن فيما بينهم جعلت لبنان يرزح تحت الديون المقترضة باسم شعبه ليسددها من عرق جبينه، وأتاحت لصندوق النقد الدولي بأمر من أربابه في واشنطن أن يطيح بالاقتصاد اللبناني الهش المنهوب. هذه السياسة النيوليبرالية كان قد استهلها في العصر الحديث بعد الحرب الأهلية الآثمة أبو الجمهورية المافياوية الحالية رفيق الحريري الذي طالما سماه الجميع بما فيهم الشيوعيون في حينه بالرئيس "الشهيد". وقد نسوا أن ليس كل من قُتِل شهيداً، فللشهيد مواصفاته المعروفة!!

ثانياً، ليس هناك تاجر انتهازي وتاجر غير انتهازي. فكل تاجر ينتهز الفرصة المؤاتية لاقتناص المزيد من الربح. وتجار الخضار والفاكهة لا يعيشون ويتاجرون على سطح القمر، فهم يريدون أيضا أن يشتروا كل البضائع الصناعية المستوردة بالدولار لهم ولعائلاتهم بعد كل بيعة ناجحة. فكيف لهم أن يقصروا عن غيرهم؟ كما أن المزارع نفسه يحتاج إلى الدولار لشراء كل ما يلزم لزراعاته من مواد مستوردة من الخارج. إن هذا لقانون في النظام الرأسمالي الحر لا محيد عنه. ويبقى المتضرر الأكبر هو الشعب الذي لا يتاجر بل يقبض أجره آخر الشهر دون زيادة على غلاء المعيشة أو لتعويض التضخم النقدي الحاصل وأحيانا بنقصان ويتاجَر به أينما اتجه. هذا المواطن جاع فعلا أو يكاد قبل أن يستنفد كل ما خزنه في جسمه من احتياطي دهون قبل الانهيار الكبير. فأجره بات يشتري ثلث ما كان يشتريه قبل أن جاءته جائحة استحالة سداد الدين وتهريب البنوك والمسؤولين لمليارات الدولارات إلى الخارج فيما حُجبت عن المودعين الصغار رغم أنها تقدر تقريبا بعُشر المهرَّب مؤخراً ناهيك بالمهرّب قبل ذلك. ثم جاءت جائحة الكورونا التي أبدعت السلطة وأبلت بلاء حسناً حتى الآن في فرض الحجر بجريرتها حرصاً كاذباً على صحة الناس الجوعى والقادمين إلى جوع أخطر بكثير لأن الجرح لا يؤلم في الحال، بل بعد حين، وذلك أسوة بغيرها من سلطات الدول الأخرى كبيرها وصغيرها في هذا العالم الذي تديره دولة عميقة لا محالة حين نرى - بمعزل عن نظرية المؤامرة التي لا يستسيغها مثقفونا الفهماء - معظم الحكومات تأتمر بأمر واحد أوحد وتنفذه كالسعادين!!!

ثالثا، من أين يؤتى في النظام الرأسمالي الحر بالضمير الإنساني والوطني؟ إذ من المعروف أن رأس المال لا وطن له. وأن مفهوم الإنسانية غريب عليه. فالمتمول الكبير نجيب ميقاتي مثلا "قرط" بالتواطؤ مع المسؤولين عن المصرف المركزي الأموال المخصصة لإسكان العائلات الشابة من ضمن القانون الرأسمالي مع بعض "الواسطة" والتغاضي من قبل الحاكمين. وحاكم البنك المركزي رياض سلامة هرب مليارات له ولغيره. ولا داعي لأن نكرر ما فعله الزعماء الطائفيون الميامين الآخرون وكلهم يتحدث عن الوطنية (آخر ملاذ للأوغاد!!!)، وعن المصالح العليا للبنان!!!!

رابعاً، كل كلام عن رقابة على الأسعار كلام شعبوي بحت. فأي رقابة هي ممكنة في مجتمع اقتصادي ديمقراطي حر، بينما أنت إذ تضع الكمامة احتماء من الكورونا المزعومة أو تحرك ساكناً في الشارع اعتراضا على ظلم ترى أنهم وضعوا أيديهم في جيبك وهربوا بما عثروا عليه وجزّوا ما تبقى على جلدك من صوف؟

خامساً وأخيراً، إن البحث عن إنقاذ لدى صندوق النقد الدولي الذي كان وراء إغراقنا هو مضيعة للوقت وعبث ما بعده عبث، هذا إذا لم تكن السلطة التي تتحدث في كل مناسبة عن مقاومة العدو الصهيوني قررت الاستسلام اقتصاديا وتستعد للخيانة وطنيا، ونحن لا نأمل ذلك ولا نتمنى لها مثل هذا المصير. فصندوق النقد سيستغل عدم وجود بدائل أخرى ليفرض شروطه حتماً، وشروطه معروفة الآن للقاصي والداني من إقرار صفقة القرن إلى الاستيلاء على مكامن الغاز وإجراء الترسيم الملائم لإسرائيل وتنقيب الشركات الأميركية العاملة في إسرائيل أيضا عن الغاز اللبناني إلى طرد المقاومة أو جعلها جيبية لا تقوى على أي مقاومة! وهناك الكثير أيضا مما لا نعرفه.

لن تستطيع حكومة الرئيس دياب أن تعالج المشاكل المتراكمة لصالح الشعب اللبناني بالحسنى مع البنوك والزعماء الطائفيين أي من ضمن النظام المافياوي القائم، أن توفق بين الذئب والحمل، فلا يجوعَ الذئب كثيرا ولا يموتَ الحملان جميعاً. فالذئب اللبناني كسيده العالمي نهمٌ لا يشبع. وقروض صندوق النقد لن تسمح له بالتنمية الاقتصادية صناعةً وزراعة وسياحةً استناداً الى القروض التي قد تمنحها له وهي ستكون حتما أقل بكثير من سعر التنازلات المطلوبة من قبله. فهي قروض من مُرابٍ عالمي يعرف متى يضرب ضربته القاضية، من تاجر مالٍ انتهازي بامتياز يبغي من وراء القروض هيمنة أبدية على أي بلد يعتمد عليه وعلى قروضه.

على الحكومة إذا كانت تريد أن تفعل شيئا يذكر أن تعالج الأمور بالإصغاء إلى مصلحة الشعب وأن تكون فدائية فعلا وأن تشكل من ذاتها مثابة "الحزب" الذي يمكن للشعب أن يثق به ويدافع عنه في غياب الحزب أو الأحزاب التي كان من شأنها أن تدعم خطاها من خارج الاصطفاف السلطوي الطائفي التحاصصي المافياوي.